جوزي قالي

لمحة نيوز

رد.
قالت وهي واقفة
أنت عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟
رفع رأسه.
إنك ما ادتنيش حتى فرصة أدافع عن نفسي.
كان ممكن أرفض أروح لو قلتلي الحقيقة.
كان ممكن أقولك روح لوحدك.
كان ممكن أعمل أي حاجة...
لكن القرار كان حقي.
سكت أحمد.
لأول مرة...
فهم إن المشكلة ما كانتش في الفرح.
ولا في السفر.
كانت في إنه سحب منها حقها في الاختيار.
مد يده ببطء.
وأخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
وقال
أنا مش جاي أشتري رضاكي... ولا أبرر.
بس الظرف ده فيه حاجة تخصك.
نظرت إليه، لكنها لم تمد يدها.
قال
لو خدتيه... اقريه بعد ما أمشي.
ثم وضعه على الطاولة.
واستدار بالفعل ليرحل.
لكن قبل أن يخرج من باب المكتبة...
خرج صوت الموظفة وهي تنادي بصوت مرتفع
عفوًا يا فندم... حضرتك نسيت الملف الأسود.
توقف أحمد.
التفت تلقائيًا.
وفي اللحظة نفسها...
وقعت عين البطلة على الملف الأسود المفتوح للحظة...
ولمحت بداخله مستندًا يحمل اسمها بخط واضح...
فتجمدت مكانها، دون أن تعرف كيف وصل هذا المستند إلى يد أحمد... ولماذا كان يخفيه معها حتى هذه اللحظة نظرت إلى الملف الأسود باستغراب.
قالت بسرعة
استنى.
وقف أحمد مكانه.
لف ببطء، وعيناه اتجهتا نحو الملف.
اقتربت منه، وأشارت إليه.
إيه ده؟
فتح الملف من غير أي تردد، ومده لها.
شوفي بنفسك.
أخذته وجلست.
في أول صفحة...
نسخة من عقد عملها القديم.
ثم صورة من جواز سفرها.
ثم شهاداتها.
رفعت رأسها باستغراب.
إزاي الحاجات دي معاك؟
قال بهدوء
لأنك نسيتيهم في درج المكتب من سنة تقريبًا... وكل مرة كنت أقول هسلمهملك، وبعدها أنسى.
قلبت باقي الأوراق.
كلها مستندات تخصها.
ولا ورقة واحدة فيها أي شيء غريب.
تنهدت، وأغلقت الملف.
كنت فاكرة إن فيه سر تاني.
ابتسم أحمد ابتسامة باهتة.
لا... الأسرار انتهت.
مدت له الملف.
لكنه لم يأخذه.
قال
احتفظي بيه.
ثم أضاف
دي كل أوراقك... وحقيبة صغيرة فيها باقي حاجاتك الشخصية. بعتها معايا أبويا علشان أوصلهالك.
ساد الصمت.
قطع الأب الصمت وقال
إحنا هنمشي.
نظر أحمد إليها مرة أخيرة.
وقال
أنا مش هكلمك تاني... إلا لو إنتِ اللي حبيتي.
ثم خرج هو ووالده.
...
خرجت بعد دقائق من المكتبة.
كانت تمشي ببطء، والملف في يدها.
لم تشعر بالغضب هذه المرة...
بل بشيء يشبه الهدوء.
وصلت الفندق.
وضعت الملف على السرير.
وأثناء ترتيب الأوراق...
سمعت صوت شيء صغير وقع على الأرض.
انحنت لتلتقطه.
كان مفتاحًا معدنيًا صغيرًا، مربوطًا بورقة مكتوب عليها بخط أحمد
نسيت أحطه مع الأوراق. ده مفتاح الخزانة الصغيرة في شقتنا... فيها كل الحاجات اللي اشتريتيها من تعبك، وسيبتها زي ما هي. ماحدش لمسها، لأنها ملكك.
ظلت تنظر إلى الورقة طويلًا.
ثم طوتها بهدوء، ووضعت المفتاح في حقيبتها.
وفي تلك الليلة...
وقفت أمام شباك غرفتها، تتأمل أضواء المدينة.
كان واضحًا أن كل طرف قال ما عنده...
لكن السؤال الحقيقي لم يكن قد أُجيب عنه بعد.
هل انتهت هذه الحكاية بالفعل...
أم أن عودتها إلى مصر يومًا ما ستكشف لها شيئًا آخر لم تكن تتوقعه؟بعد ثلاثة أسابيع...
كانت حياتها بدأت تاخد شكل جديد.
كل يوم تكتشف شارعًا جديدًا.
ومقهى جديدًا.
ووجهًا جديدًا.
ولأول مرة من سنين...
بقت تصحى من النوم من غير ما تبقى خايفة من مكالمة أو تعليق يضايقها.
وفي صباح هادئ...
رن موبايلها.
رقم مصري.
ترددت.
ثم ردت.
جالها صوت مألوف.
أنا دينا.
سكتت البطلة.
دينا كملت بسرعة
متقفليش... أنا مش بكلمك علشان أحمد.
قالت بهدوء
أومال ليه؟
تنهدت دينا.
أنا جاية أعتذر.
ابتسمت البطلة ابتسامة خفيفة.
الاعتذار مش هيغير اللي حصل.
قالت دينا
عارفة... لكنه هيغيرني أنا.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت
أنا بعد الفرح... قعدت أفكر في كل موقف حصل من أول ما دخلتي العيلة.
واكتشفت إنك كنتي طول الوقت بتعاملي الكل باحترام... وإحنا خدنا ده كأنه واجب.
لم ترد.
أكملت دينا
أنا سبت بيت ماما من يومين.
استغربت.
ليه؟
قالت
لأن أول مرة اعترضت على اللي حصل معاكي... اتقال لي لو مش عاجبك امشي.
سكتت.
ثم ضحكت ضحكة قصيرة فيها مرارة.
طلعت الجملة دي مش بتوجع غير لما تتقال لينا.
أنهت المكالمة بعد دقائق.
من غير طلب.
ولا رجاء.
ولا كلام عن الرجوع.
...
وفي مصر...
كان أحمد كل يوم يرجع من شغله.
يفتح باب الشقة.
ويلاقيها زي ما هي.
مرتبة.
هادية.
وفاضية.
في يوم...
فتح الخزانة الصغيرة اللي كانت محتفظة بحاجاتها.
كان ناوي يرتبها.
لكن أول ما فتحها...
لقى ظرفًا أبيض ماكانش واخد باله منه قبل كده.
مكتوب عليه بخطها
يُفتح إذا فضلت موجود بعد سنة.
وقف مكانه.
بص للتاريخ.
ماكانش عدى عليه غير سبعة شهور.
رجّع الظرف مكانه.
وقفل الخزانة.
وقال لنفسه
وعد هو وعد.
وفي نفس اللحظة...
كانت هي في روما بتستلم رسالة إلكترونية من الشركة اللي كانت بتحلم تشتغل فيها من زمان.
فتحتها بسرعة.
بدأت تقرأ.
ومع كل سطر...
كانت ابتسامتها تكبر.
لكن قبل ما توصل لآخر الرسالة...
وصلها إشعار جديد.
من رقم غير مسجل.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
في شخص راح شقتك القديمة النهارده... وسأل عنك بالاسم.
ماكانش مكتوب اسم المرسل.
ولا اسم الشخص اللي سأل عنها.
لكن اللي لفت نظرها...
إن الرسالة كانت مرسلة من داخل مصر...
وفي نفس التوقيت تقريبًا الذي فتح فيه أحمد الخزانة لأول مرة.
تجمدت وهي تنظر إلى الشاشة...
وبدأت الأسئلة تدور في رأسها من جديد... دون أن تعرف أن الإجابة أصبحت أقرب مما تتخيل فضلت ماسكة الموبايل وهي بتقرأ الرسالة أكتر من مرة.
في شخص راح شقتك القديمة النهارده... وسأل عنك بالاسم.
ردت مباشرة
مين حضرتك؟
مرت دقيقة...
واتنين...
وبعدين وصل الرد.
أنا بواب العمارة القديمة. حضرتك كنتِ إدتيني رقمك يوم السفر، وقلتيلي لو حد سأل عليكي أبقى أطمنك.
افتكرت.
فعلاً كانت عاملة كده من باب الاحتياط.
كتبت بسرعة
مين اللي سأل؟
جاء الرد
راجل كبير محترم... وقال إنه زميل قديم لوالدك الله يرحمه. ساب ظرف، وقال لو عرفتي توصليله تبقي تكلميه.
عقدت حاجبيها.
زميل لوالدها؟
هي عمرها ما سمعت الاسم ده قبل كده.
...
في اليوم التالي...
اتصلت بالبواب.
قال لها
أنا محتفظ بالظرف عندي، ومحدش لمسه.
سألته
قال اسمه إيه؟
رد
قال اسمه الأستاذ سامح.
الاسم ما حركش أي ذكرى.
لكنها طلبت منه يحتفظ بالظرف لحد ما ترجع مصر.
...
في الناحية التانية...
كان أحمد بدأ يحاول يرتب حياته من جديد.
نقل حساباته البنكية لحسابه الشخصي.
وقفل الحساب المشترك رسميًا.
ورجع كل الأوراق اللي باسمها لمحامي العيلة علشان تتسلم لها أول ما ترجع.
ولما والده عرف...
ربت على كتفه وقال
دي أول مرة أشوفك بتصلح حاجة من غير ما حد يطلب منك.
ابتسم أحمد ابتسامة حزينة.
وقال
اتأخرت... بس بحاول.
...
بعد شهر...
وصلها إيميل من شركة الطيران.
تذكير بأن تأشيرة إقامتها المؤقتة قربت تخلص.
كان لازم تاخد قرار.
إما تمدد إقامتها...
أو ترجع مصر.
قعدت ساعات تفكر.
هي كانت مرتاحة في روما.
لكن كان في حاجات لسه معلقة.
الظرف.
وشقتها.
وشغلها في مصر.
وفي النهاية...
حجزت تذكرة العودة.
لكن المرة دي...
ما كانتش راجعة علشان أحمد.
ولا علشان عيلته.
كانت راجعة علشان تقفل كل الملفات المفتوحة بإيديها.
...
بعد أسبوع...
نزلت من الطيارة في مطار القاهرة.
أول نفس خدته...
كان مختلف.
استلمت شنطتها.
ولسه خارجة من بوابة الوصول...
لمحت شخصًا واقفًا بعيد، لا يحمل وردًا، ولا لافتة، ولا يحاول يلفت انتباهها.
كان فقط واقفًا في مكانه...
وكأنه ينتظر ليتأكد من شيء واحد فقط...
هل عادت فعلًا؟شدت شنطة السفر، وخرجت من بوابة الوصول بهدوء.
بصت ناحية الراجل مرة تانية.
كان في أواخر الخمسينات.
لابس بدلة رمادي بسيطة.
وأول ما اتلاقت عيونهم...
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنه ما اتحركش.
هي اللي قربت.
وقالت
حضرتك الأستاذ سامح؟
هز رأسه.
أيوه.
إنت كنت بتدور عليا؟
قال بهدوء
أيوه... لكن مش علشان أزعجك.
مد لها ظرفًا بني اللون.
ده أمانة عندي من سنين.
استغربت.
أمانة من مين؟
رد
من والدك.
اتسعت عيناها.
بابا؟!
هز رأسه.
قبل وفاته بفترة، قابلني وقال لو بنتي احتاجتني في يوم ومابقيتش موجود... سلمها الظرف ده.
إيديها ارتعشت وهي بتاخد الظرف.
فضلت باصة له ثواني.
وقالت
وليه دلوقتي؟
تنهد الأستاذ سامح.
لأنني سافرت بره مصر سنين طويلة، ولسه راجع من شهر تقريبًا. أول حاجة عملتها إني دورت عليكي.
شكرتُه، وأخذت الظرف.
لكنها ما فتحتهوش.
حست إن المكان مش مناسب.
...
وصلت لشقتها الجديدة، اللي كانت مأجرةها قبل السفر.
قفلت الباب.
غسلت وشها.
عملت لنفسها كوب شاي.
وقعدت قدام السفرة.
وببطء...
فتحت الظرف.
كان فيه جواب بخط والدها.
أول سطر كان
يا بنتي... لو بتقري الرسالة دي، يبقى ربنا اختار إني ما أبقاش جنبك، لكن ده ما يمنعش إني أوصيك بحاجة واحدة.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
كملت قراءة.
إوعي في يوم تسمحي لأي حد يقلل من قيمتك، حتى لو كان أقرب الناس ليكي.
تنهدت.
وكأن والدها كان شايف اللي هيحصل بعد سنين.
وفي آخر الجواب...
كانت جملة قصيرة.
البيت بيتبني بالمودة والاحترام... ولو راح الاحترام، دوري على نفسك قبل أي حاجة.
قفلت الرسالة.
وضمتها لصدرها.
لأول مرة من وقت وفاة والدها...
حست إنه لسه بيطمنها.
...
بعد يومين...
ذهبت إلى العمارة القديمة لتستلم آخر أغراضها.
البواب أول ما شافها ابتسم.
وقال
الحمد لله على السلامة يا بنتي.
شكرتُه.
طلعت للشقة.
فتحت الباب بالمفتاح اللي كان أحمد سايبه معاها.
كل حاجة كانت زي ما سابتها.
ولا حاجة اتغيرت.
لفت نظرها إن فوق ترابيزة الصالون...
في صندوق خشب صغير.
ماكانش موجود قبل سفرها.
قربت منه.
كان عليه ورقة مكتوب فيها
وصل بعد ما سافرتِ بيومين، والمرسل طلب ما يتفتحش إلا بمعرفتك.
بصت للصندوق.
مافيش اسم مرسل.
ولا عنوان.
ولا أي علامة تدل على اللي بعته.
مدت إيدها ببطء...
ورفعت الغطاء...
وفي اللحظة اللي بدأت تشوف محتويات الصندوق...
اتغيرت ملامحها فجأة، وتجمدت مكانها، وكأن ما بداخله
تم نسخ الرابط