بعد موت جوزها

لمحة نيوز

يدق بعنف.
عربية؟!
مجلس إدارة؟!
هو عادل بيشتغل إيه بالظبط؟
وليه متعمد يعيش في البيت البسيط ده؟
وفي نفس اللحظة...
وقفت عربية سوداء فاخرة آخر الطريق الترابي، ونزل منها أربعة رجال ببدل رسمية، وكل واحد فيهم كان واقف باحترام، وكأنهم في انتظار أوامر قائدهم...
أما ليلى، فكانت تراقب من خلف الشباك، وهي بدأت تدرك أن الرجل الذي أجبرتها مرات أبيها على الزواج منه... يخفي سرًا أكبر بكثير مما كانت تتخيل ليلى رجعت بسرعة ورا الستارة قبل ما حد يشوفها.
قلبها كان بيدق بعنف، وعقلها بيرفض يصدق اللي شافته.
إزاي راجل هدومه بسيطة، وبيته متواضع بالشكل ده... يبقى واقف قدامه رجال ببدل فخمة، وكلهم بينادوه يا فندم؟!
بعد دقايق، دخل عادل البيت كأن مفيش حاجة حصلت.
ابتسم وهو شايف ياسر نام على الكنبة الصغيرة.
قال بهدوء
الحمد لله... شكله ارتاح.
ليلى بصتله نظرة طويلة، وبعدين سألته مباشرة
مين الناس اللي كانوا برة؟
سكت ثانية، ثم رد ببساطة
ناس أعرفهم.
يعرفوك لدرجة إنهم واقفين باحترام بالشكل ده؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنه غير الموضوع.
تعالي... وريكي أوضتك.
دخلت وراه وهي حاسة إنه بيخبي حاجة كبيرة.
الأوضة كانت بسيطة جدًا، لكن كل حاجة فيها مرتبة بعناية.
وأثناء ما كانت بتحط هدومها في الدولاب...
وقعت عينها على صندوق خشبي قديم فوق الرف.
كان عليه طبقة تراب، لكن القفل بتاعه جديد.
مدت إيدها من غير قصد...
وفجأة سمعت صوت عادل وراها.
بلاش تفتحيه.
انتفضت من مكانها.
لفت لقيته واقف عند الباب، ملامحه لأول مرة بقت جامدة.
قال بهدوء
مش لأن فيه حاجة وحشة... لكن لأن الوقت لسه مجاش.
هزت رأسها في صمت.
وبعدها بلحظات، رجع لطبيعته وقال بابتسامة
ارتاحي... بكرة يوم طويل.
...
تاني يوم، صحيت ليلى على صوت عربية بتقف قدام البيت.
فتحت الشباك بحذر.
لقيت عربية نقل صغيرة نزل منها راجلين شايلين كراتين.
خبطوا على الباب.
فتح عادل.
أحدهم قال بسرعة
الطلبات يا فندم.
رد عادل وهو بيبص حواليه
قولتلكم... متقولوش الكلمة دي هنا.
اعتذر الراجل فورًا.
آسفين... حاضر.
بدأوا ينزلوا الكراتين.
استغربت ليلى.
فيها إيه دي؟
أول كرتونة اتفتحت...
كانت مليانة لعب أطفال جديدة.
التانية...
هدوم أطفال بمقاسات مختلفة.
التالتة...
أدوية وحليب أطفال.
أما الرابعة...
فكانت مليانة مواد غذائية.
بصت لعادل باستغراب.
كل ده لينا؟
ابتسم وهو بيهز رأسه.
لا.
أومال لمين؟
لأهالي القرية.
سكتت لحظة.
يعني إنت بتتبرع بيهم؟
رد بهدوء
ربنا هو اللي بيرزق... إحنا مجرد سبب.
زاد استغرابها أكتر.
راجل فقير...
وبيوزع مساعدات بالشكل ده؟!
وقبل ما تسأله...
دخل عليه شاب في أواخر العشرينات وهو بيجري، ووشه كله خوف.
يا باشا... حصلت مصيبة!
وقف عادل فورًا.
خير؟
الشاب بلع ريقه وقال
في حد راح على الشركة... وبيسأل عن حضرتك بالاسم الحقيقي.
اتغيرت ملامح عادل في لحظة.
ولأول مرة...
ظهر القلق الحقيقي على وشه.
أما ليلى، فاتسعت عيناها وهي تهمس لنفسها
الاسم الحقيقي؟!
إذا كان عادل... مش اسمه الحقيقي...
يبقى هي متجوزة مين؟!الشاب كان لسه واقف على الباب، وعرقه بينزل من الخوف.
كرر بصوت أوطى
يا باشا... الراجل قال إنه مش هيمشي غير لما يقابل الأستاذ أدهم السيوفي.
اتسمرت ليلى في مكانها.
أدهم السيوفي؟!
بصت لعادل، أو للرجل اللي كانت فاكرة إن اسمه عادل.
لاحظت إنه غمض عينيه ثانية، وكأنه كان متوقع إن اليوم ده ييجي.
قال للشاب بهدوء
خليه يستنى... وأنا جاي.
رد الشاب بسرعة
حاضر يا فندم.
أول ما خرج، ساد صمت تقيل في البيت.
ليلى مقدرتش تسكت أكتر.
يعني... اسمك مش عادل؟
رفع عينه ليها، وبعد لحظات قال
اسمي الحقيقي... أدهم.
حست إن الأرض بتميد بيها.
ليه كذبت عليا؟
هز رأسه بهدوء.
ما كذبتش... عادل اسم عرفني بيه شيخ البلد لما طلبت منه يدورلي على عروسة، وكان لازم أستخدمه.
لازم؟!
أيوه... لأن في ناس بتدور عليا من سنين، ولو عرفوا مكاني كانوا هيأذوا أي حد يقرب مني.
سكتت وهي بتحاول تستوعب كلامه.
يعني أنت مش فقير؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
لا.
أومال البيت ده؟ والهدوم دي؟
بص حواليه وقال
دي كانت أول بيت بدأت منه حياتي.
نظرت له باستغراب.
كمل كلامه
قبل خمس عشرة سنة كنت فعلًا فقير... ما كنتش أملك غير الأوضة دي. وبعدها ربنا كرمني، وكبرت تجارتي لحد ما بقيت أملك شركات كتير... لكن عمري ما بعت البيت ده.
ليه؟
تنهد وقال
عشان أفضل فاكر أنا جيت منين.
قبل ما ترد...
سمعوا صوت عربية بتقف بعنف قدام البيت.
ثم صوت باب عربية بيتفتح.
وبعده...
صوت رجالة كتير.
خرج أدهم بسرعة، بينما وقفت ليلى من ورا الشباك.
نزل من العربية رجل في الخمسينات، لابس بدلة غالية، ومعاه اتنين حراس.
أول ما شاف أدهم...
ابتسم ابتسامة مستفزة.
وقال بصوت عالي
أخيرًا لقيتك... يا ابن أخويا.
شهقت ليلى.
ابن عمه؟!
الرجل كمل وهو بيضحك
استخبيت وسط الغلابة فاكر إني مش هعرف أوصلك؟
رد أدهم ببرود
قول اللي عندك وامشي.
اقترب الرجل خطوة.
جدك مات.
اتجمد أدهم مكانه.
أما ليلى، فوضعت يدها على فمها من الصدمة.
الرجل أكمل وهو يراقب رد فعله
وقبل ما يموت... كتب وصية قلبت الدنيا كلها.
وسكت لحظة، ثم قال بابتسامة ماكرة
الوصية دي... هتخلي كل ثروة عيلة السيوفي تروح لشخص واحد بس.
تعلقت أنظار الجميع بأدهم.
لكن الرجل أنهى كلامه بجملة جعلت ملامح أدهم تتغير لأول مرة
والغريب... إن اسمك مش موجود فيها... لكن اسم مراتك وابنها موجودين!
وتجمدت ليلى في مكانها، وهي لا تفهم كيف يمكن أن تكون هي وياسر جزءًا من وصية لم تسمع عنها في حياتها الكلمة الأخيرة نزلت على أدهم كالصاعقة.
إيه؟!
قالها وهو بيبص لعمه بذهول حقيقي.
أما ليلى، فكانت واقفة عند الباب، ملامحها شاحبة.
همست
أنا... أنا عمري ما شفت عيلتكم أصلًا.
ضحك العم بسخرية.
عارف... وعشان كده الوصية غريبة.
طلع ملف بني من شنطة جلد، ولوّح بيه قدامهم.
نسخة من الوصية... بس الأصل عند المحامي.
مد أدهم إيده، لكن عمه سحب الملف بسرعة.
لا... هتشوفه في اجتماع العيلة بكرة.
سكت لحظة، وبعدين قرب منه وهمس
ولو ما حضرتش... هتخسر كل حق ليك.
لف وركب عربيته، وبعد ثواني كانت العربيات اختفت من آخر الطريق.
...
دخل أدهم البيت وهو ساكت.
ليلى كانت مستنياه.
ممكن أفهم؟
قعد على الكرسي، وحط إيده على جبينه.
فيه حاجات كنت ناوي أحكيهالك... لكن مش بالطريقة دي.
يبقى احكي.
أخذ نفسًا عميقًا.
جدي... الحاج سليم السيوفي... هو اللي بنى إمبراطورية السيوفي كلها. مصانع، شركات، أراضي... كل حاجة.
سكت لحظة.
لكن بعد وفاة أبويا، حصل خلاف كبير بيني وبين أعمامي.
خلاف على الفلوس؟
هز رأسه.
لا... على الأمانة.
استغربت.
يعني؟
اكتشفت إن في صفقات مشبوهة، ورفضت أمضي عليها. من يومها قرروا يخرجوني من كل حاجة.
وسكت؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
لا... بدأت من الصفر، وبنيت شركتي لوحدي.
اتسعت عيناها.
يعني الشركات اللي بيكلموك عنها... كلها بتاعتك؟
أيوه.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت
ليه اخترتني أنا؟
ابتسم لأول مرة.
لأني ما كنتش بدور على زوجة... كنت بدور على إنسانة أعرف إنها اتظلمت.
ارتبكت ليلى.
إنت كنت تعرفني؟
من قبل ما أقابلك.
شهقت.
إزاي؟
فتح درج الطاولة، وأخرج ظرفًا قديمًا.
ناولها إياه.
فتحته ببطء...
كان فيه صورة لها مع زوجها الراحل حسام، وهي شايلة ياسر وهو رضيع.
خلف الصورة كان مكتوب بخط اليد
احموا ليلى وابنها... لو جرالي حاجة.
ارتعشت إيدها.
ده خط حسام...
رفع أدهم رأسه وقال بهدوء
حسام... كان صاحبي.
شعرت ليلى أن قلبها توقف للحظة.
زوجها الراحل...
كان يعرف أدهم؟
وقبل أن تنطق بكلمة واحدة...
رن هاتف أدهم.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
رد بسرعة
ألو؟
جاءه صوت مرتبك من الطرف الآخر
يا باشا... المحامي اللي معاه الوصية...
تم نسخ الرابط