بعد موت جوزها
اتلفتوا...
ولقوا أمينة مش موجودة.
شهقت ليلى.
كانت هنا من ثانية!
في نفس اللحظة، سمعوا صوتها جاي من آخر الممر.
الحقوني...!
جرى أدهم بأقصى سرعته.
وصل لآخر الممر، فلقى باب المكتب السري مفتوح.
والخزنة الحديدية الكبيرة مفتوحة هي كمان.
وأمينة واقعة على الأرض، مربوطة الإيدين.
فكها بسرعة.
أول كلمة قالتها وهي بتنهج
خدوه...
صرخ أدهم
مين؟!
الملف... خدوا الملف.
ارتبك.
أي ملف؟
قالت وهي تبكي
الملف الأزرق... اللي فيه الحقيقة كلها.
وقبل ما تكمل...
سمعوا صوت ضحكة جاية من سماعة المكتب.
اشتغلت الشاشة الكبيرة لوحدها.
ظهر عليها راجل لابس أسود، ووشه نصه في الضلمة.
ابتسم وقال
بقالنا خمس سنين يا أدهم... مستني اللحظة دي.
قبض أدهم على إيده.
كريم...
ضحك الراجل.
أيوه... أخوك اللي أعلنتوا موته.
ليلى اتجمدت.
أخوك؟!
أدهم ما نطقش.
كريم كمل وهو يبتسم
استغربت إنك شفتني حي؟
الحقيقة إن موتي كان أكبر كذبة في تاريخ العيلة.
كل ده كان عشان أشتغل في الضل... وأجمع كل حاجة لنفسي.
رفع الملف الأزرق قدام الكاميرا.
عارف الملف ده فيه إيه؟
سكت ثانية.
فيه الدليل الحقيقي على صاحب ثروة السيوفي.
وفيه شهادة ميلاد...
الشخص اللي ليه الحق في كل أملاك العيلة.
شهقت ليلى وهي حاسة إن قلبها هيقف.
لكن الصدمة الأكبر جت لما فتح كريم الملف، وأخرج ورقة، وقربها من الكاميرا.
ظهرت صورة طفل رضيع...
وتحتها اسم واضح جدًا
ياسر حسام الشاذلي السيوفي.
صرخت ليلى
السيوفي؟!
إزاي؟!
ياسر عمره ما كان اسمه كده!
ابتسم كريم ابتسامة باردة، وقال
لأن في سر، محدش قالهولك...
السر اللي حسام أخفاه عنك طول حياته.
ثم أغلق الملف ببطء، ونظر مباشرة إلى الكاميرا.
لو عايز تعرف الحقيقة... تعالى لوحدك.
ولو جبت ليلى أو الولد معاك...
أقسم إنك هتندم بقية عمرك.
وانطفأت الشاشة فجأة...
وبقي أدهم واقف مكانه، بينما ليلى تنظر إليه والدموع في عينيها، وتقول بصوت مرتعش
أدهم... هو يقصد إيه؟!
لكن أدهم لم يجب...
لأنه كان يعرف أن الحقيقة التي أخفاها حسام سنوات، قد تكون أخطر من كل ما واجهوه حتى الآن اتلفت أدهم بسرعة ناحية البوابة.
مين هناك؟!
الحراس جَروا ناحية المكان، وفتشوا كل ركن برة الفيلا.
بعد دقايق رجع كبير الحراس وهو بيهز راسه.
للأسف... هرب.
لكن كان في حاجة في إيده.
لقينا دي واقعة على الأرض.
ناولها لأدهم.
كانت بطاقة تعريف ممزقة، نصها محروق، لكن الجزء اللي باقي كان فيه شعار شركة السيوفي... وتحت الشعار اسم واحد
حسام الشاذلي.
اتسعت عينا ليلى.
مستحيل... دي بطاقة جوزي!
أدهم قلب البطاقة بين إيديه، وملامحه اتغيرت.
حسام ما كانش مجرد موظف زي ما كنتي فاكرة.
ليلى بصتله بذهول.
يعني إيه؟
تنهد أدهم وقال
حسام كان مدير الأمن الداخلي في شركات السيوفي... وكان أكتر واحد بثق فيه.
حست ليلى إن رجليها مش شايلينها.
لكنه عمره ما قال لي حاجة!
لأنه كان بيحاول يحميكي. كل ما كان يعرفه، لو وصلك وقتها، كان هيعرضك للخطر.
في اللحظة دي، تقدمت أمينة بخطوات بطيئة.
وقالت وهي تبص لياسر
قبل ما حسام يموت بأسبوع... جه هنا بالليل.
التفت لها أدهم بسرعة.
جه هنا؟!
أيوه... وكان شايل ياسر وهو لسه رضيع.
ليلى شهقت.
أنا كنت فاكرة إنه كان مسافر شغل الليلة دي!
أمينة هزت رأسها.
كذب عليكي عشان يحميكي. قعد معايا ومع جدك أكتر من ساعتين، وساب أمانة... وقال لو حصلي حاجة، محدش يقول لليلى أي حاجة غير في الوقت المناسب.
سألها أدهم بلهفة
والأمانة فين؟
أمينة سكتت، وبعدين قالت
مخبية... في مكان محدش يعرفه غيري.
وقبل ما تكمل...
دوى صوت انفجار هائل هز الفيلا كلها.
بووووووم!
الأنوار انطفت.
وأجهزة الإنذار اشتغلت في كل مكان.
الحراس بدأوا يصرخوا
هجوم... هجوم على الفيلا!
شد أدهم ليلى من إيدها.
خدي ياسر واجري ورايا... بسرعة!
لكن قبل ما يتحركوا...
دخل أحد الحراس وهو بينزف من كتفه، ووقع على الأرض.
رفع رأسه بصعوبة وقال
يا باشا... المصيبة...
إيه؟!
رد بصوت متقطع
اللي بيقود الهجوم...
واحد كنا فاكرينه مات من خمس سنين!
وساد الصمت...
بينما تجمد أدهم مكانه، لأنه عرف الاسم قبل أن ينطقه الحارس. لكن ليلى لم تكن تعرف بعد أن الشخص الذي عاد من الموت، سيقلب حياتهم جميعًا رأسًا على عقب أدهم فضل ساكت.
كان باصص للشاشة السودة، وكأنها لسه بتعرض كلام كريم.
ليلى قربت منه، ومسكت دراعه.
رد عليا... هو يقصد إيه؟ وياسر إزاي بقى السيوفي؟
أدهم خد نفس طويل، وقال بصوت متعب
في حاجات كنت ناوي تعرفيها... لكن بعد ما نبقى في أمان.
صرخت فيه لأول مرة
أمان إيه؟! حياتي كلها طلعت كدب! جوزي الله يرحمه مخبي أسرار، وإنت مخبي أسرار، وابني بقى الناس كلها بتطارده... أنا من حقي أفهم!
نزل أدهم عينه للأرض.
ثم قال بهدوء
عندك حق.
فتح الخزنة الحديدية اللي كانت في المكتب، وطلع منها ظرف قديم جدًا، عليه اسم واحد فقط...
ليلى.
ناولها الظرف.
ده حسام سابه قبل وفاته بثلاث أيام.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الظرف.
كان فيه جواب مكتوب بخط حسام.
بدأت تقرأ بصوت مرتعش
ليلى... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا غالبًا مبقتش موجود.
أول حاجة، سامحيني على كل كدبة اضطررت أقولها.
أنا ما كنتش بخونك، ولا بعيش حياة تانية... أنا كنت بحاول أحميكي.
لو حصل لي حاجة، أوعي تصدقي إنه حادث.
اعرفي إنهم وصلوا ليا.
ولما تقابلي أدهم... ثقي فيه، حتى لو شكلك اتلخبط من اللي هتعرفيه.
هو الوحيد اللي هيقدر يحميكي ويحمي ياسر.
وقفت ليلى عن القراءة، ودموعها نازلة.
همست
حسام...
أدهم قال بهدوء
كملي.
رجعت تقرأ.
أما السر الأخير... فهو مش من حقي أنا أقوله.
السر لازم تعرفيه من الشخص الوحيد اللي حضر يوم ولادة ياسر...
انقطعت الرسالة عند السطر ده.
ليلى قلبت الورقة.
مفيش باقي.
رفعت رأسها بصدمة.
فين باقي الجواب؟!
اتغيرت ملامح أدهم.
هو كمان كان مستغرب.
الرسالة كانت كاملة...
في اللحظة دي...
دخل أحد الحراس وهو بيجري.
يا باشا... لقينا الكاميرات سجلت اللي دخل المكتب.
فتحوا التسجيل بسرعة.
ظهر شخص ملثم داخل المكتب قبل الهجوم بدقائق.
فتح الظرف...
وسحب الورقة الأخيرة فقط.
ثم خرج من غير ما يلمس أي حاجة تانية.
كبر أدهم الصورة.
وفجأة...
ثبتها.
ظهر في يد الملثم خاتم فضي مميز.
أول ما شافته أمينة...
صرخت
الخاتم ده!
التفت الجميع إليها.
قالت وهي ترتعش
الخاتم ده كان مع... الداية.
ليلى عقدت حواجبها.
الداية؟!
أمينة هزت رأسها.
الست اللي ولدتك فيها... وكانت موجودة ساعة ولادة ياسر كمان.
سألها أدهم بسرعة
هي عايشة؟
أجابت أمينة بعد لحظة صمت
أيوه...
لكنها اختفت من البلد في نفس اليوم اللي مات فيه حسام.
ساد الصمت في الغرفة.
ثم رن هاتف أدهم.
نظر إلى الشاشة...
وكانت الرسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت عبارة عن صورة فقط...
صورة لامرأة مسنة مقيدة على كرسي.
وفي أسفل الصورة جملة قصيرة
قدامكم 24 ساعة... وإلا الداية هتموت، وسر ياسر هيدفن معاها للأبد بعد ما شافوا الرسالة، ما ضيعوش دقيقة.
أدهم جمع أفضل رجال الأمن، وتتبعوا الإشارة اللي خرجت منها الصورة.
وصلوا لمخزن قديم مهجور على أطراف المدينة.
كان المكان هادي بشكل مخيف.
دخل أدهم وهو بينادي
كريم... انتهى كل شيء.
خرج كريم من الضلمة، وماسك الداية، وفي إيده مسدس.
ابتسم بسخرية وقال
اتأخرت يا أخويا.
رد أدهم بثبات
سيبها... اللعبة خلصت.
ضحك كريم.
مش قبل ما آخد حقي.
في اللحظة دي، اتكلمت الداية وهي بتبكي
يا كريم... كفاية دم.
بصلها بغضب.
اسكتي!
لكنها صرخت بكل قوتها
لازم الحقيقة تظهر!
لفت ناحية ليلى وقالت
ياسر ابنك من حسام... ومافيش أي سر في نسبه. حسام كان أمين على مستندات تثبت فساد كريم وبعض أفراد العيلة، وعشان يحمي ابنه خبّى المستندات في مكان محدش يعرفه. كريم لفّق الأكاذيب عشان يخوفكم
ويخليكم تسلموله الولد.
اتجمد كريم.
صرخ
اخرسي!
وضغط على الزناد...
لكن أحد الحراس دفع الداية في آخر لحظة، والطلقة أصابت كتف كريم نفسه بعد ما فقد توازنه.
دخلت الشرطة في نفس اللحظة، وأحاطت بالمكان.
حاول كريم يهرب، لكنه اتقبض عليه هو وكل شركائه.
واعترف بكل حاجة...
اعترف إنه دبّر حادث حسام، وإنه حاول يزوّر الوصية، وقتل المحامي، وخطف الداية، وكل ده عشان يستولي على ثروة العيلة.
بعد شهور...
صدر الحكم بالسجن المؤبد على كريم وكل المتورطين.
ورجعت الوصية الأصلية.
لكن المفاجأة...
إن أدهم رفض ياخد أي حاجة مش من حقه.
وقسم جزءًا كبيرًا من ثروته على الأعمال الخيرية، وخصص صندوقًا باسم حسام لدعم الأرامل والأطفال المحتاجين، تكريمًا لصديقه الذي ضحى بحياته.
أما ليلى...
فلأول مرة من سنين، عاشت من غير خوف.
دخل ياسر المدرسة، وكان أدهم يعامله كأنه ابنه، ويحضره بنفسه كل يوم.
وفي يوم، بينما كانوا قاعدين في حديقة الفيلا، جري ياسر ناحية أدهم وهو بيضحك وقال
بابا... تعالى العب معايا!
سكت أدهم لحظة، وامتلأت عيناه بالدموع.
نظر إلى ليلى يستأذنها بنظرة.
ابتسمت وهي تهز رأسها.
احتضن أدهم ياسر بقوة وقال
حاضر يا بطل.
رفعت ليلى رأسها إلى السماء وهمست
الحمد لله... بعد كل وجع، ربنا عوضنا.
وانتهت القصة، بعدما انتصر الحق، ونال كل ظالم جزاءه، واجتمعت أسرة صغيرة على الحب والصدق بعد رحلة طويلة من الألم والخداع.