ابني الي عنده خمس سنوات
ابني عنده 5 سنين اتوسل لأبوه يفضل جنبه وقت حادثة أتوبيس المدرسة... لكنه اختار ينقذ بنت الست التانية اللي كانت أصلًا بأمان. ولما ابني همسلي أنا مش محتاج بابا تاني... عملت مكالمة واحدة هادية غيّرت حياته كلها.
الطفل اللي اختاره الأول
كان أتوبيس الحضانة طالع ناحية مزرعة تعليمية في رحلة مدرسية، وابني ياسين، اللي عنده خمس سنين، لازق وشه في الشباك وبيقعد يعدّ الغيطان والحظاير.
كان لابس بليزر كحلي بأزرار دهبي، أكبر منه بحاجة بسيطة، وكل شوية يسوّي الياقة بإيده الصغيرة.
قال لي بابتسامة
بابا هو اللي اختارهولي... أول ما يشوفني هيعرفني على طول.
ابتسمت... لأن قلبي ما استحملش أقوله إن أبوه أصلًا عمره ما شاف البليزر ده. سكرتيرة كريم في الشركة هي اللي طلبته بعد ما فكرتها إن ياسين عنده احتفال مهم في المدرسة، لأن كريم كان ناسي... زي ما نسي قبل كده اجتماع أولياء الأمور، والحفلة الشتوية، وكل لحظة كانت تفرق مع ابنه.
من بره، حياتنا كانت شكلها مثالي.
أنا وكريم متجوزين بقالنا سبع سنين، وساكنين في فيلا شيك على أطراف القاهرة. هو مهندس معماري ناجح، واسمه معروف في مشاريع كبيرة. وأنا كنت شغالة في متحف، لكن بعد ما ياسين اتولد، أقنعني أسيب الشغل.
وقتها قال لي
إنتِ مش محتاجة تشتغلي... أنا هتكفل بكل حاجة.
سنين وأنا فاكرة إن الراحة المادية معناها أمان... وماكنتش فاهمة إن في فرق كبير بين اللي بيهتم بيكي، واللي بيسيطر على حياتك.
من حوالي تلات شهور، رجعت ريم، حبيبة كريم أيام الجامعة، مصر بعد انفصالها، ومعاها بنتها الصغيرة ملك اللي عندها أربع سنين.
كريم قال إنها محتاجة حد يقف جنبها.
جاب لها شقة، وشغّل معارفه يساعدوها، وحتى دخل بنتها نفس المدرسة الخاصة اللي فيها ياسين.
وبدأ كل حاجة تتغير.
بقى يتأخر عن الغدا عشان بيركب لها دولاب.
يسيب مسرحية ابنه في نصها عشان ملك سخنت.
وطلب مني أضيف ريم في جروبات أولياء الأمور وأخليها تحس إنها وسط أهلها.
صباح الرحلة، بعتلي رسالة قصيرة.
خلي بالك من ملك... ريم قلقانة عليها.
ولا كلمة واحدة عن ياسين.
الطريق كان مبلول بعد مطرة خفيفة.
وفجأة عربية وقفت قدام الأتوبيس.
السواق حاول يفاديها، لكن الأتوبيس خبط في السور الجانبي واتمايل بعنف.
شنط الأكل اتقلبت، وإزاز الشبابيك اتشرخ، والأطفال ابتدوا يعيطوا وينادوا على أهلهم.
حضنت ياسين بكل قوتي.
وفوق دماغنا، رف التخزين اللي فوق الكراسي بدأ يفك وينزل.
وفجأة، باب الطوارئ اتفتح...
ولقيت كريم داخل يجري.
كان رايح على المزرعة بعد اجتماع شغل، ولما شاف الأتوبيس واقف، جري علينا.
في اللحظة دي... قلبي قال أخيرًا جه عشان ابنه.
ياسين مد إيده الصغيرة ومسك في كم جاكيت أبوه.
وقال برجاء
بابا... متسبنيش... الرف ده هيقع.
كريم بص له...
وفي نفس اللحظة سمع ملك بتنادي عليه من آخر الأتوبيس.
كانت في حضن المُدرسة... وماكانش فيها أي إصابة.
لكن رغم كده...
فك صوابع ابنه من هدومه، وسابه...
وجري عليها.
بابا...
كانت آخر كلمة خرجت من ياسين قبل ما الرف يهتز تاني.
زقيته ناحية الممر، لكن صندوق تقيل وقع على رجله وحبسها تحت الكرسي.
كنت بحاول أحمي وشه وأنا بصرخ أطلب المساعدة، والمدرسين بيخرجوا الأطفال واحد ورا التاني.
الغريب...
إن ياسين ما صرخش.
بس بص ناحية باب الأتوبيس... المكان اللي خرج منه أبوه وهو شايل بنت ست تانية.
وبصلي بعين مليانة وجع وهمس
ماما... أعتقد إحنا مش محتاجين بابا تاني.
في المستشفى، كانوا بيجهزوه يدخل العمليات، وأنا ماسكة إيده ومش حاسة بأي حاجة حواليا.
كريم وصل...
ومعاه ريم وملك.
أول ما دخل، ريم جريت عليه وقالت
ملك كويسة؟
حضنها وقال بثقة
أيوه... أنا خرجتها الأول.
وياسين...
كان صاحي.
وسمع كل كلمة.
وأول ما السرير اتحرك ناحية أوضة العمليات...
كريم فضل واقف يطمن الست التانية.
أما أنا...
ما اتخانقتش.
ما سألتوش ليه.
ولا حتى بصيت في وشه.
طلعت موبايلي...
واتصلت بمحامي.
يتبع...وووو
كانت المكالمة قصيرة جدًا.
أستاذ سامح... أنا نادية.
جالها صوته الهادئ من الناحية التانية أنا عرفت بالحادثة... ياسين عامل إيه؟
غمضت عيني وأنا ببص على باب أوضة العمليات.
هيبقى كويس... لكن أنا محتاجة أبدأ الإجراءات اللي اتكلمنا عنها من شهر.
سكت ثواني، وبعدها قال إنتِ متأكدة؟
بصيت على كريم... كان لسه واقف مع ريم وبيطمنها إن كل حاجة انتهت.
رديت بهدوء دلوقتي... بقيت متأكدة.
قفلت المكالمة ورجعت أقعد قدام أوضة العمليات، ولا دمعة نزلت.
بعد ساعة، خرج الدكتور.
الحمد لله... العملية نجحت. الكسر محتاج فترة علاج، لكن هيقوم على رجله.
حسيت إن نفسي رجعلي.
دخلت لياسين، لقيته فاتح عينه بالعافية.
ابتسم أول ما شافني.
وقال بصوت ضعيف ماما... متخليش بابا يزعل.
قلبي اتقبض.
حتى بعد كل اللي حصل... كان خايف على مشاعر أبوه.
مسكت إيده وبستها.
إنت أهم واحد عندي يا حبيبي.
في اللحظة دي دخل كريم.
وقف عند الباب، وشكله متوتر.
قال الحمد لله إنه بخير.
ياسين بصله... لكن ما مدش إيده المرة دي.
ولا حتى ابتسم.
كانت أول مرة أشوف المسافة الكبيرة دي بين أب وابنه.
حاول كريم يقرب من السرير.
لكن ياسين لف وشه ناحية الناحية التانية، وحضن لعبته الصغيرة بصعوبة.
الصمت كان أقسى من أي عتاب.
خرج كريم وراه بدقائق، ولحقته في الممر.
قال وهو منفعل إنتِ كلمتي محامي ليه؟
بصيتله بهدوء.
لأن ابني فقد ثقته فيك في دقيقة... وأنا مش هسمح إنه يفقد إحساسه بالأمان كمان.
اتغيرت ملامحه.
إنتِ مكبرة الموضوع.
ابتسمت لأول مرة... لكن كانت ابتسامة باردة.
لو كنت مكانه، وسمعت أبوك يقول بفخر إنه أنقذ طفل تاني قبلك... كنت هتسميه موضوع صغير؟
قبل ما يرد...
ظهر واحد من أفراد أمن المستشفى وهو بيدور بعينيه في الممر.
وقف قدامنا مباشرة وقال
حضرتك أستاذ كريم؟
أيوه.
مد له ظرف أبيض مختوم.
الظرف ده وصل من حوالي نص ساعة، والمرسل أكد إنه يتسلم لحضرتك بنفسه.
أخده كريم باستغراب.
أول ما فتحه...
اختفت الألوان من وشه.
وبصلي بنظرة عمره ما بصهالي قبل كده.
أما أنا...
فكنت أعرف بالضبط إيه اللي مكتوب جواه... لكن ما قلتش ولا كلمة فضل كريم ماسك الورقة بإيد بترتعش.
قرأ أول سطر... وبعدها رفع عينه يبصلي.
إنتِ عملتي كده فعلًا؟
رديت بمنتهى الهدوء دي مجرد بداية.
شد الورقة بين صوابعه وكورها بعصبية.
إنتِ بتهدديني؟
هزيت راسي.
لا... أنا بحمي ابني.
في اللحظة دي خرجت ريم من آخر الممر.
أول ما شافت التوتر، قربت وقالت في إيه؟
كريم بسرعة خبّى الظرف وابتسم ابتسامة مصطنعة.
مفيش... شوية إجراءات.
لكنها لاحظت إن ملامحه متغيرة.
وقبل ما تسأله تاني، خرجت الممرضة تنادي
يسمح بدخول شخص واحد يشوف الطفل.
من غير ما أتردد، دخلت.
ولما فتحت الباب، لقيت ياسين صاحي.
كان باصص للسقف وساكت.
أول ما حس بيا، همس ماما... هو بابا مشغول؟
اتوجعت من السؤال.
قعدت جنبه وربتّ على شعره.
بابا برا.
سكت شوية، وبعدين قال
هو اختارها... صح؟
ما عرفتش أجاوب.
لكن سكوتي كان كفاية.
غمض عينه، وقال بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إني أهم واحد عنده.
حضنته بحذر عشان رجله.
إنت أهم واحد عندي... وده عمره ما هيتغير.
بعد دقائق، طلب يشوف أبوه.
خرجت وبلغت كريم.
دخل الأوضة وهو متردد.
وقف جنب السرير وقال
عامل إيه يا بطل؟
ياسين بصله ثواني طويلة.
وبعدين سأله سؤال واحد، بصوت هادئ جدًا
لو الحادثة حصلت تاني... هتختارني المرة دي؟
السؤال نزل على كريم كالصاعقة.
فتح بقه... لكنه ما عرفش يرد.
ولأول مرة في حياته...
اكتشف إن في أسئلة، السكوت فيها بيكون إدانة أكبر من أي إجابة.
أما ياسين...
فلف وشه ناحية الشباك، وقال بهدوء
خلاص... مش عايز أعرف.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف كريم.
بص للشاشة...
واتغير لون وشه فورًا.
كان المتصل شخصًا لم يتوقع أبدًا أن يتصل به في ذلك التوقيت، والاسم وحده كان كفيلًا بأن يقلب كل حساباته... لكنه تردد قبل أن