ابني الي عنده خمس سنوات
للمساعدة...
لكنه اختار في تلك اللحظة.
خرجنا من المدرسة بصمت.
طوال الطريق، لم يتكلم كريم.
حتى وصلنا البيت.
وقبل أن ينزل ياسين من السيارة، أمسك يد أبيه فجأة.
توقف كريم وكأنه لا يصدق.
قال ياسين
بابا...
نعم؟
أنا عرفت إنك غلطت.
ابتسم كريم بألم.
ثم أكمل ياسين
بس لسه عايز أعرف حاجة واحدة...
نظر له كريم.
هتفضل تختارني لما مفيش حد بيبص عليك؟
سؤال صغير...
لكنه كان أصعب اختبار مر به كريم في حياته نظر كريم لابنه طويلًا.
كان يقدر يجاوب بكلام سهل...
طبعًا هختارك.
لكن المرة دي، ما حبش يقول جملة وخلاص.
نزل لمستوى ياسين، ومسَك إيده بحذر وقال
يا ياسين... أنا مش هقدر أغير اللي حصل يوم الحادثة. ومش هقدر أخلي قلبك ينسى في يوم وليلة.
سكت لحظة.
لكن أقدر أثبتلك كل يوم من دلوقتي إني أستاهل أثق فيا تاني.
فضل ياسين ساكت.
ثم سأل
يعني هتيجي معايا الدكتور؟
ابتسم كريم بحزن.
هكون أول واحد مستنيك هناك.
وهتحضر حفلة المدرسة؟
هكون قبلها.
ولو حد احتاجك؟
أخذ كريم نفسًا عميقًا.
هساعده... بس الأول هتأكد إن ابني بخير.
لم يبتسم ياسين ابتسامة كبيرة...
لكنه لأول مرة منذ الحادث، لم يبعد إيده.
وكانت دي بالنسبة لكريم بداية.
مرت الشهور.
لم يصبح كريم أبًا مثاليًا فجأة.
لكنه بدأ يتغير فعلًا.
بقى يعرف مواعيد علاج ياسين بنفسه.
يحضر واجباته.
يجلس معه قبل النوم.
والأهم...
أنه بدأ يسمع.
أما أنا، فلم أنسَ ما حدث.
لكنني رأيت رجلًا يحاول إصلاح خطأ كبير بدلًا من الهروب منه.
بعد فترة، جاء اليوم الذي مشى فيه ياسين من غير العكاز لأول مرة.
كان واقفًا في الحديقة، وكريم أمامه يفتح ذراعيه.
قال له
تعالى يا بطل.
خطوة...
ثم خطوة ثانية...
ثم ركض ياسين ناحيته.
حضنه كريم بقوة، ودموعه نزلت.
همس ياسين
بابا؟
نعم؟
أنا لسه زعلان شوية.
ابتسم كريم وقال
من حقك.
بس... ممكن نبدأ من جديد؟
ضمّه كريم وقال
أجمل حاجة حصلتلي.
وقفت أراقبهم من بعيد.
عرفت وقتها إن بعض الجروح لا تختفي...
لكن يمكن أن تتحول إلى درس.
وفي المساء، أخرجت الورقة القديمة التي كتبها ياسين قبل الرحلة.
بابا... لو فضلت معايا في الرحلة كلها، هعتبرها أحسن يوم في حياتي.
وضعتها في مكان جديد.
ليس كتذكار للألم...
بل كتذكير بأن وجود الإنسان بجانب من يحب، أحيانًا يكون أهم من أي شيء يملكه.
أما كريم...
فلم يعد يحاول أن يكون الأب الذي يشتري كل شيء.
أصبح الأب الذي يبقى.
والطفل الذي ظن يومًا أنه لم يعد يحتاج أباه...
اكتشف أنه كان يحتاج فقط أن يشعر أن أباه اختاره.