ابني الي عنده خمس سنوات
المحتويات
ثم بص على ياسين الجالس على الكرسي المتحرك.
سكت لحظة...
ثم قال لأول مرة منذ سنوات
أي كلام بينا... يبقى في وقت تاني. أنا مع ابني دلوقتي.
اتغيرت ملامح ريم من المفاجأة.
هزت رأسها في هدوء، واستدارت ورحلت من غير كلمة.
أما ياسين...
فرفع عينه ناحية أبوه لأول مرة منذ الحادث.
لكن ملامحه ما كشفتش إذا كان بدأ يسامحه... ولا لسه الطريق بينهم طويل مر أسبوع.
العلاج الطبيعي كان بيتحسن يومًا بعد يوم.
ورجل ياسين بدأت تستجيب، لكنه بقى هادي على غير عادته.
لا بيجري في البيت...
ولا يطلب من كريم يحكيله قصة قبل النوم زي زمان.
وكأن الطفل الصغير قرر يحط مسافة، من غير ما يرفع صوته.
في مساء الجمعة، كنت بساعده يرتب شنطته.
طلع منها ظرف صغير كنت أول مرة أشوفه.
سألته
إيه ده؟
قال بخجل
كنت كاتبه لبابا قبل الرحلة.
فتحته.
كان جواه ورقة متنية أكتر من مرة.
بخط طفل لسه بيتعلم يكتب
بابا... لو فضلت معايا في الرحلة كلها، هعتبرها أحسن يوم في حياتي.
وتحتها قلب صغير، ورسمة لينا إحنا التلاتة ماسكين إيد بعض.
فضلت باصة للورقة وأنا حاسة بغصة.
في اللحظة دي، دخل كريم.
لمح الورقة في إيدي.
قال باستغراب
دي إيه؟
ناولتهاله من غير كلمة.
قرأ أول سطر...
ثم قعد على أقرب كرسي.
وشه شحب، وإيده بدأت ترتعش.
همس لنفسه
كان مستنيني...
ولا حد رد عليه.
في اليوم اللي بعده، المدرسة عملت احتفال بسيط للأطفال بعد ما اتعافوا من الحادث.
المديرة طلبت من كل طفل يرسم الشخص اللي حس إنه كان مصدر أمان ليه وقت الخوف.
الأطفال بدأوا يرسموا.
واحد رسم أمه.
واحدة رسمت جدتها.
واحد رسم المدرس.
أما ياسين...
فضل ماسك الألوان وقت طويل.
ولما خلص، نادى المعلمة.
ابتسمت وهي أخدت الرسمة.
لكن بعد ثواني، ملامحها اتغيرت.
بصت ناحيتي، وقالت بهدوء
ممكن تشوفيها؟
أخدت الورقة.
كان فيها طفل صغير واقف ماسك إيد أمه.
وفي الناحية التانية...
مكان فاضي.
سألته برقة
ليه المكان ده فاضي يا ياسين؟
رد بكل براءة
كان فيه حد واقف هنا... بس مشي.
في اللحظة دي، كان كريم واقف ورايا.
وسمع الإجابة كاملة.
لكن المرة دي...
ما قدرش يستخبى ورا أي مبرر.
لأن الكلمات خرجت من طفل...
ما يعرفش غير الحقيقة اللي حس بيها بقلبه أخد كريم نفسًا عميقًا، لكنه ما قدرش يقول ولا كلمة.
فضل واقف مكانه، عينه على الرسمة.
المعلمة حاولت تخفف الموقف وقالت
الأطفال ساعات بيعبروا بطريقة مختلفة... المهم إننا نساعده يحس بالأمان.
هز كريم رأسه، لكن واضح إن الكلام لمس مكان موجع جواه.
بعد الاحتفال، وإحنا خارجين من المدرسة، وقف ياسين فجأة.
بص ناحية أبوه وقال
بابا...
كريم اتجمد.
يمكن كانت أول مرة من وقت الحادث يسمعها منه.
نزل لمستواه بسرعة.
نعم يا حبيبي؟
سكت ياسين شوية، وبعدين قال
إنت كنت خايف عليا يومها؟
السؤال كان بسيط...
لكن كريم أخد وقت طويل قبل ما يرد.
قال بصوت مكسور
آه... كنت خايف.
بصله ياسين بعيون بريئة
طب ليه مشيت؟
هنا...
اختفت كل الإجابات الجاهزة.
لا شغل.
ولا ظروف.
ولا أعذار.
فقط الحقيقة.
قال كريم
لأني غلطت.
ياسين بصله كأنه بيحاول يفهم معنى الكلمة.
يعني إنت اخترت غلط؟
هز كريم رأسه ببطء.
أيوه.
فضل ياسين ساكت.
ثم مد إيده الصغيرة ومسك إيد أبوه ثواني قليلة.
لكن قبل ما كريم يفرح...
تركها ياسين وقال
أنا محتاج وقت.
كانت جملة صغيرة...
لكنها كانت أول مرة ياسين يعترف إن الباب لسه ممكن يتفتح، لكنه مش هيفتح بسهولة.
في المساء، كنت في المطبخ لما سمعت صوت كريم في غرفة المكتب.
كان بيتكلم في الهاتف.
قربت من الباب من غير ما أقصد أسمع، لكن صوته كان واضحًا.
لا... مش هقدر أكمل بنفس الطريقة.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا محتاج أصلح اللي بوظته مع ابني.
توقفت مكاني.
لأول مرة منذ شهور، كان صوته يحمل ندمًا حقيقيًا.
لكن بعدها بثواني...
سمعت جملة خلتني أتجمد.
قال
بس قبل ما أبدأ... لازم أقول لنادية الحقيقة كاملة.
ابتعدت عن الباب.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أي حقيقة يقصد؟
وفي صباح اليوم التالي...
وجدت كريم ينتظرني على طاولة الإفطار.
أمامه ملف قديم.
ووجهه كان شاحبًا.
قال
نادية... في حاجة مخبيها عنك من زمان.
نظرت للملف.
ولأول مرة شعرت أن الحادث لم يكن بداية المشكلة...
بل كان اللحظة التي كشفتها فضلت واقفة قدام الطاولة، عيني على الملف اللي قدام كريم.
كان واضح من ملامحه إن الموضوع مش سهل.
قلت له بهدوء
إيه الحقيقة يا كريم؟
فتح الملف ببطء.
طلع منه أوراق قديمة وصور ومستندات.
قال
قبل ما ياسين يتولد... كان عندي قرار أخدته وغيّر حاجات كتير.
سكت لحظة.
أنا كنت طول عمري فاكر إن توفير الفلوس والبيت كفاية... وإن وجودي مش مهم طول ما أنا بعمل واجبي.
ضحكت بسخرية خفيفة.
ودلوقتي عرفت إنك كنت غلطان؟
خفض عينه.
آه.
قلب الورق قدامه.
لكن فيه حاجة تانية... أنا كنت عارف من فترة إنك حاسة إني بعيد عنكم.
نظرت له باستغراب.
يعني كنت عارف؟
هز رأسه.
كنت عارف... وكنت بهرب.
صمت المكان.
ثم أكمل
كل مرة كنت بشوف ياسين مستنيني، وكل مرة كنت بوعده بحاجة ومبعملهاش... كنت بحس بالذنب، فبدل ما أصلح، كنت بأبعد أكتر.
لم أجد ما أقوله.
لأن المشكلة لم تكن أنه لم يعرف...
المشكلة أنه عرف واختار الصمت.
فجأة، سمعنا صوت ياسين من خلفنا
بابا...
التفتنا.
كان واقف عند باب المطبخ، ماسك العكاز الصغير بتاعه.
واضح إنه سمع جزء من الكلام.
اقترب كريم بسرعة.
يا حبيبي، إنت صاحي من بدري ليه؟
لكن ياسين لم ينظر له.
نظر للملف وقال
هو في أسرار تانية؟
تبادلنا أنا وكريم النظرات.
ونزل كريم لمستواه.
في حاجات أنا غلطت فيها... بس مش كلها كانت زي ما أنت فاكر.
رفع ياسين عينه.
يعني يوم الأتوبيس... كان في سبب؟
كريم سكت.
وهنا فهمت إن السؤال ده هو اللي كان بيهرب منه.
قال بصوت منخفض
كان فيه سبب... لكن مفيش سبب يخلي بابا يسيب إيد ابنه.
ظل ياسين ينظر إليه.
ثم قال
أنا مش عايز بابا يفضل عشان ماما زعلانة... أنا عايزه يفضل عشان أنا ابنه.
الجملة جعلت كريم يضع يده على وجهه.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتفه.
نظر للشاشة.
تغيرت ملامحه فورًا.
كان اتصالًا من المدرسة.
رد
أيوه؟
استمع لثوانٍ...
ثم قال
إيه؟! متأكدين؟
أنهى المكالمة ببطء.
سألته
في إيه؟
رفع عينه علينا وقال
المدرسة لقت حاجة في تسجيلات الرحلة... حاجة محدش شافها قبل كده.
ثم نظر إلى ياسين.
وقالوا لازم نروح نشوفها فورًا.
ولأول مرة منذ الحادث...
شعرت أن هناك جزءًا من الحقيقة ما زال مخفيًا وصلنا المدرسة بعد أقل من ساعة.
كان واضح إن مديرة المدرسة متوترة، مش زي المرة الأولى.
دخلتنا غرفة الإدارة، وكان موجود مسؤول الرحلات ومعاه نسخة من التسجيل.
قالت المديرة
إحنا راجعنا الفيديو مرة تانية بعد ملاحظات السائق... ولقينا جزء كان خارج إطار العرض الأول.
بص كريم باستغراب
جزء إيه؟
ما ردتش.
شغلت الفيديو.
ظهر الأتوبيس قبل الحادث بدقائق.
الأطفال كانوا قاعدين، والمدرسات بيمروا بينهم يطمنوا عليهم.
وفجأة ظهر ياسين وهو بيقوم من مكانه.
قرب من بنت صغيرة كانت خايفة.
كان بيكلمها ويحاول يضحكها.
قالت المديرة
دي ملك.
كريم رفع عينه بسرعة.
كمل الفيديو.
ظهر ياسين وهو يناولها لعبته الصغيرة.
اللعبة اللي كان متعلق بيها من سنين.
قالت المديرة
قبل الحادث بدقائق، ابنك كان بيحاول يطمن طفل تاني.
فضل كريم ساكت.
لكن المفاجأة كانت في الجزء اللي بعده.
بعد اصطدام الأتوبيس مباشرة...
قبل ما كريم يدخل...
ظهر ياسين وهو مصاب، ورجله محبوسة، لكنه كان بيصرخ
ساعدوا ملك الأول!
تجمد كريم مكانه.
بص للشاشة كأنه مش مصدق.
المديرة قالت
ابنك كان خايف... لكنه كان بيفكر في غيره.
نزلت دمعة من عين كريم.
لأول مرة، ما كانش شايف ابنه كطفل صغير محتاج حماية فقط...
كان شايفه كشخص عنده قلب كبير.
وقف الفيديو.
قالت المديرة
لكن فيه جزء تاني لازم تشوفوه.
شغلت مقطع مختلف.
ظهر كريم وهو داخل الأتوبيس.
لكن هذه المرة...
الصوت كان أوضح.
صوت ياسين وهو ينادي
بابا!
ثم صوت أحد الأطفال من الخلف
عمو... في بنت هنا خايفة!
في اللحظة دي، ظهر كريم وهو يلتفت.
سكت الجميع.
لأن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير.
كريم لم يكن يعرف أن هناك أكثر من طفل يحتاج
متابعة القراءة