ابني الي عنده خمس سنوات

لمحة نيوز

يضغط على زر الرد فضل كريم يبص للموبايل ثواني، وكأنه بيتمنى الرنة تقف لوحدها.
لكنها ما وقفتش.
استأذن وخرج بره الأوضة، ورد بصوت واطي
أيوه... معايا.
السكرتيرة كانت بتتكلم بسرعة.
يا فندم، مجلس الإدارة كله موجود، وفي اجتماع طارئ بعد أقل من ساعة. حضرتك لازم تكون هنا.
غمض عينه وقال بضيق
أنا في المستشفى.
عارفة يا فندم... لكن في أوراق لازم تتوقع النهارده، وتأجيلها هيعمل مشكلة كبيرة.
قفل المكالمة وهو محتار.
بص ناحية أوضة ياسين...
وبص ناحية باب الخروج.
ولأول مرة، حس إن كل اختيار بيعمله بيسيب أثر أكبر مما كان متخيل.
رجع دخل الأوضة.
لقي ياسين مغمض عينه، لكنه كان صاحي.
قرب منه وقال بهدوء
أنا هروح الشغل ساعتين وأرجعلك على طول.
ياسين ما ردش.
ولا حتى فتح عينه.
أنا اللي رديت
هو محتاج أبوه دلوقتي... مش بعد ساعتين.
تنهد كريم وقال
الشغل مهم.
بصيتله بثبات.
وأبوك كان أهم.
سكت.
ثم خرج من غير كلمة.
بعد خروجه بدقائق، دخلت الممرضة وهي شايلة ظرف صغير.
قالت
ده كان مع هدوم ياسين وقت الحادثة.
أخدته منها.
كان جواه ورقة مطوية بعناية.
فتحتها...
ولقيت رسمة مرسومة بألوان شمع.
أنا... وكريم... وياسين.
وتحت الرسمة بخط طفل متكسر
أحسن يوم لما بابا يفضل معانا كلنا.
حسيت دموعي بتنزل لأول مرة من وقت الحادث.
طيّت الورقة بسرعة قبل ما ياسين يشوفني.
لكن كان فات الأوان.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
كنت عاملها مفاجأة لبابا بعد الرحلة.
الكلمات دي كسرتني.
في المساء، رجع كريم فعلًا.
دخل الأوضة وهو شايل كيس فيه لعبة جديدة وعلبة شوكولاتة.
حاول يحطهم على السرير.
لكن ياسين بص للعبة ثواني... ثم زقها برفق بعيد عنه.
وقال بصوت هادئ
أنا مش زعلان عشان اللعبة.
اتجمد كريم مكانه.
وكمل ياسين
أنا كنت عايزك تمسك إيدي بس.
ساد صمت طويل داخل الغرفة.
وفي اللحظة دي، خبط حد على الباب.
دخل المحامي، وبعد ما سلم عليّ، بص لكريم وقال باحترام
أستاذ كريم... محتاجين نتكلم خمس دقائق بخصوص بعض الإجراءات.
عرف كريم فورًا إن المكالمة الهادية اللي عملتها في المستشفى... بدأت تتحول لخطوات حقيقية، لكنه لسه ما كانش يعرف إن الورقة اللي المحامي هيطلعهاله بعد دقائق هتخليه يعيد حساب كل قرار أخده في السنين اللي فاتت المحامي دخل بهدوء، وسلّم على الموجودين.
بعدين قال لكريم
ممكن دقيقة برا؟
بص كريم لياسين، لكنه ما لقاش أي نظرة راجعة منه، فخرج مع المحامي.
وقفوا في آخر الممر.
فتح المحامي الملف، وقال بنبرة مهنية
أنا مش جاي أعمل مشكلة، لكن موكلتي طلبت مني أبلغ حضرتك رسميًا إنها هتبدأ إجراءات تضمن استقرار الطفل في الفترة الجاية.
قطب كريم حاجبيه.
يعني إيه؟
يعني أي قرار يخص ياسين هيكون لازم يراعي مصلحته أولًا، وهنطلب تنظيم واضح لمسؤوليات كل طرف.
شد كريم نفسًا طويلًا.
إنتوا مستعجلين أوي.
رد المحامي بهدوء
اللي حصل النهارده خلّى موكلتي تحس إن التأجيل مش في مصلحة ابنها.
في نفس اللحظة، كان ياسين جوه الأوضة.
بصلي وقال
ماما... هو بابا زعلان مني؟
مسحت على شعره.
لأ يا حبيبي.
أمال ليه كل ما أحتاجه... بيكون عنده حاجة أهم؟
السؤال كان أصعب من أي إجابة.
حضنته من غير كلام.
بعد شوية، رجع كريم.
كان شكله مختلف.
قرب من السرير، ونزل على ركبته قدام ياسين.
قال بصوت هادي
أنا غلطت.
رفع ياسين عينه وبصله.
لكن ملامحه كانت جامدة.
مد كريم إيده عشان يمسك إيد ابنه.
ياسين سحبها بهدوء، وقال
أنا رجلي هي اللي اتكسرت... بس قلبي كمان وجعني.
فضل كريم ساكت.
يمكن لأول مرة، حس إن كلمة من طفل صغير ممكن تكون أثقل من أي حكم.
وقبل ما ينطق...
رن تليفوني.
كان رقم مدرسة ياسين.
رديت بسرعة.
مديرة المدرسة قالت
أستاذة نادية، في حاجة لازم تعرفيها. بعد مراجعة كاميرات الأتوبيس، ظهر تسجيل كامل للحادثة... والإدارة طلبت حضور حضرتك ووالد ياسين بكرة الصبح لمشاهدته.
بصيت لكريم.
هو كمان سمع آخر الجملة.
واتغيرت ملامحه فجأة.
لأنه أدرك أن الكاميرات سجلت كل شيء...
من أول لحظة دخل فيها الأتوبيس...
إلى اللحظة التي اختار فيها من يذهب إليه أولًا تاني يوم الصبح، وصلنا المدرسة قبل الموعد بعشر دقايق.
الجو كان هادي بشكل غريب.
مديرة المدرسة استقبلتنا باحترام، وقالت
الفيديو موجود في مكتب الإدارة... وحابين تشوفوه معانا.
دخلنا.
كان فيه المديرة، ومسؤولة الرحلات، وسائق الأتوبيس.
شغلت المديرة التسجيل.
بدأ الفيديو عادي.
الأطفال بيضحكوا... وياسين بيوري صاحبه البليزر الجديد بفخر.
ابتسمت رغم وجعي.
بعدها بثواني...
ظهر لحظة الحادث.
الأتوبيس اهتز بعنف.
الأطفال اتخضوا.
ثم ظهر كريم وهو بيطلع يجري على باب الأتوبيس.
الصورة كانت واضحة جدًا.
شاف ياسين.
وياسين مد إيده ناحيته.
حتى صوت الطفل وهو بيقول
بابا... متسبنيش.
كان مسموع.
الغرفة كلها سكتت.
بعدها بثانية...
لف كريم ناحية صوت ملك.
وجري ناحيتها.
الفيديو كمل.
ظهر ياسين وهو بيبص ناحية الباب في صمت.
ثم وقع الرف المعدني على رجله.
مديرة المدرسة وقفت الفيديو.
لفت ناحيتها وقالت بهدوء
إحنا عرضنا التسجيل لأننا شايفين إن الحقيقة لازم تكون واضحة.
ما حدش اتكلم.
كريم كان باصص في الشاشة، كأنه بيشوف نفسه لأول مرة.
خرجنا من المكتب.
ولا كلمة اتقالت في الطريق.
وأول ما وصلنا المستشفى، كان ياسين مستني جلسة العلاج الطبيعي الأولى.
المعالج قال بابتسامة
هنحتاج شجاعة النهارده.
قبل ما أرد...
ياسين قال
أنا شجاع.
ثم بص ناحية أبوه، وأضاف بهدوء
بس الشجاعة مش إنك تجري... الشجاعة إنك تفضل مع اللي محتاجك.
الكلمات وقعت كأنها حمل ثقيل.
المعالج أخد ياسين للجلسة.
وأنا فضلت واقفة في الممر.
قرب مني كريم لأول مرة من غير عصبية.
قال بصوت منخفض
أنا مستعد أصلح اللي أقدر عليه.
رديت بهدوء
إصلاح الجروح سهل... لكن استرجاع الثقة أصعب.
وقبل ما يكمل كلامه...
خرج موظف من الاستقبال وهو بينادي
أستاذ كريم؟
التفت.
سلمه ظرفًا جديدًا وقال
في شخص سابه لحضرتك وقال يتفتح لوحدك.
فتح الظرف بسرعة.
كان بداخله صورة مطبوعة من كاميرا الأتوبيس.
الصورة كانت للحظة واحدة فقط...
يد ياسين الصغيرة ممدودة ناحية أبوه...
وفي المقابل، كريم بيلف بجسمه في الاتجاه الآخر.
وعلى ظهر الصورة، كانت مكتوبة جملة واحدة بخط واضح
بعض اللحظات تستغرق ثانية... لكنها تغيّر عمرًا كاملًا.
فضل كريم ممسكًا بالصورة، وعيناه ثابتتان عليها، وكأنه أدرك أن ما ينتظره بعد تلك اللحظة لن يكون سهلًا أبدًا... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك، لم يكن أحد يعرف بعد كريم طوى الصورة ببطء، وحطها في جيب الجاكيت من غير ما ينطق.
فضل واقف مكانه، لحد ما باب غرفة العلاج الطبيعي اتفتح.
خرج ياسين وهو بيعرج خطوات بسيطة، لكنه أول ما شافني ابتسم.
حضنته، وسألته
عامل إيه يا حبيبي؟
قال وهو بيحاول يبين إنه قوي
وجعتني شوية... بس هخف.
بص كريم ناحية ابنه، وكأنه عايز يقرب.
لكن ياسين اتعلق في إيدي أكتر.
وصلنا البيت بعد يومين، بناءً على موافقة الدكتور.
الفيلا كانت هادئة بشكل غريب.
أول حاجة عملها ياسين، إنه دخل أوضته.
وبعد دقائق ناداني.
ماما... ممكن تيجي؟
دخلت.
لقيته واقف قدام رف صغير مليان صور.
كان ماسك برواز فيه صورة قديمة.
أنا... وهو... وكريم في أول عيد ميلاد ليه.
ناولني الصورة وقال
خليها عندك.
استغربت.
ليه يا حبيبي؟
قال بصوت هادئ
مش عايزها هنا.
في اللحظة دي، كان كريم واقف عند الباب.
سمع كل كلمة.
لكن ما دخلش.
لف ورجع أوضة المكتب.
بعد ساعة تقريبًا، خرج وهو شايل صندوق كرتون كبير.
بدأ يجمع كل ملفات الشغل من المكتب.
سألته
إيه اللي بتعمله؟
قال من غير ما يبصلي
من النهارده... الشغل مش هياخدني من ابني.
ما علقتش.
الكلام سهل...
لكن الأفعال هي اللي بتثبت.
في اليوم التالي، كان عند ياسين موعد مراجعة في المستشفى.
المفاجأة إن كريم جهز العربية من بدري.
ركب معانا.
وطول الطريق ما ردش حتى على تليفون واحد، رغم إنه رن أكتر من مرة.
بعد الكشف، الدكتور قال
الحالة ماشية كويس، لكن أهم حاجة الراحة النفسية للطفل.
هزيت راسي.
أما كريم، ففضل ساكت.
وقبل ما نخرج من العيادة، جري علينا عامل الاستقبال.
أستاذ كريم... في أستاذة مستنياك برا.
خرجنا.
لقينا ريم واقفة.
كان واضح إنها جاية على استعجال.
بصت لكريم وقالت
ممكن أتكلم معاك دقيقة؟
بصلها،
تم نسخ الرابط