لم يكن معها

لمحة نيوز

رأته.
وأثناء مرورها بجوار مكتب أدهم، خرج مسرعًا وهو يتحدث في الهاتف بانفعال
لازم نلاقي الحقيبة قبل أي حد... لأنها لو اتفتحت، حاجات كتير هتتغير.
تجمدت فيروز مكانها.
هل كان يقصد الحقيبة الموجودة في منزلها؟
اختبأت حتى ابتعد، ثم أسرعت إلى مكتبها، بينما بدأت الأسئلة تتزاحم داخل رأسها.
من الذي أرسل الحقيبة؟
ولماذا يبحث عنها أدهم؟
وهل كان يعرف أصلًا أن والدتها احتفظت بها طوال هذه السنوات؟
وفي نهاية الدوام...
وصل إلى مكتبها ظرف أبيض صغير، دون اسم مرسل.
فتحته بحذر.
وفي داخله مفتاح نحاسي قديم، وبطاقة مكتوب عليها
الميدالية اللي عندك نصف الحقيقة... أما هذا المفتاح فهو النصف الآخر. ولو عايزة تعرفي سر والدتك، تعالي وحدك غدًا الساعة السادسة مساءً... ولا تخبري أحدًا.
أعادت فيروز قراءة الرسالة أكثر من مرة، وهي لا تعلم أن الشخص الذي أرسلها كان يراقبها من داخل الشركة، وينتظر القرار الذي سيغير حياتها إلى الأبد لم تنم فيروز تلك الليلة.
وضعت الحقيبة أمامها، والمفتاح النحاسي إلى جوار الميدالية الفضية، وظلت تقارن بينهما.
وفجأة...
لاحظت أن الميدالية لم تكن مجرد زينة، بل كان بداخلها تجويف صغير.
أدخلت المفتاح فيه بحذر.
صدر صوت خافت...
وانفتح الجزء الخلفي من الميدالية.
سقطت منها ورقة صغيرة مطوية بعناية.
فتحتها بسرعة، فوجدت سطرًا واحدًا فقط
ابحثي عن الخزانة رقم 17.
لم يكن هناك اسم لمكان أو أي تفسير آخر.
في اليوم التالي، ذهبت إلى الشركة وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنها لاحظت أن أدهم كان شارد الذهن على غير عادته.
وبينما كانت تمر بجوار مكتبه، استوقفها.
قال بهدوء
عاملة إيه؟
أجابت بابتسامة خفيفة
الحمد لله.
نظر إليها لثوانٍ، ثم قال
لو احتجتِ أي مساعدة... متتردديش.
استغربت اهتمامه المفاجئ، لكنها اكتفت بالشكر وانصرفت.
وقبل انتهاء الدوام...
دخلت الحاجة إنعام إلى الشركة لأول مرة منذ سنوات.
ما إن رأت فيروز حتى ابتسمت وقالت
كنت مستنياكي.
اقتربت منها فيروز وهي تشعر أن هذه السيدة تعرف أكثر مما تقول.
همست الحاجة إنعام
والدتك كانت أشجع إنسانة عرفتها... وكانت بتحافظ على أمانة عمرها كله.
ارتبكت فيروز وسألت بسرعة
أمانة إيه؟
لكن قبل أن تجيب...
وصل أحد الموظفين ليخبر الحاجة إنعام أن السيارة بانتظارها.
فاكتفت بابتسامة غامضة، وقالت قبل أن ترحل
قريب جدًا... هتعرفي كل حاجة.
مع حلول السادسة مساءً...
توجهت فيروز إلى العنوان المكتوب داخل الرسالة.
كان مبنى قديمًا هادئًا، وفي الطابق الأرضي وجدت صفًا طويلًا من الخزائن الحديدية.
راحت تبحث بعينيها...
حتى توقفت أمام الخزانة رقم 17.
أخرجت المفتاح النحاسي.
ترددت للحظة...
ثم أدارته داخل القفل.
صدر صوت فتحٍ خافت.
وحين فتحت الباب...
وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وفوقه مظروف كتب عليه بخط يد والدتها
إلى ابنتي فيروز... إذا وصل هذا الصندوق إليك، فاعلمي أن الوقت قد حان لتعرفي الحقيقة كاملة.
ارتجفت يداها وهي تمد أصابعها نحو المظروف...
لكنها سمعت في تلك اللحظة خطوات تقترب بسرعة من خلفها.
استدارت...
فرأت ظل شخص يقف عند مدخل القاعة، ثم قال بصوت هادئ
أخيرًا... وصلتي قبل ما يقع الصندوق في الأيدي الغلط.
ولم تستطع فيروز تمييز ملامحه بسبب ضعف الإضاءة، لكنها شعرت أن هذا الشخص يعرف والدتها منذ سنوات طويلة تراجعت فيروز خطوة إلى الخلف، وهي تضم الصندوق إلى صدرها.
قالت بحذر
مين حضرتك؟
اقترب الرجل ببطء حتى ظهر وجهه تحت ضوء المصباح.
كان في أواخر الستينيات من عمره، يرتدي بدلة بسيطة، وعلى وجهه ملامح الوقار.
قال بهدوء
اسمي حسام... وكنت صديقًا قديمًا لوالدتك.
نظرت إليه بشك.
ولو كلامك صحيح... ليه مستني كل السنين دي؟
تنهد الرجل وقال
لأن والدتك هي اللي طلبت مني. قالت لي ما تسلمش الصندوق لفيروز إلا بعد رحيلي، ولما تتأكد إنها بقت قادرة تواجه الحقيقة.
سكت لحظة، ثم أضاف
وأنا نفذت وصيتها.
فتح الصندوق أمامها ببطء.
لم يكن بداخله ذهب ولا أموال كما توقعت.
بل كانت هناك مجموعة من الأوراق الرسمية، وعدة صور قديمة، ومفكرة صغيرة.
تناولت فيروز أول ورقة.
كانت شهادة تقدير قديمة باسم والدتها، تثبت أنها كانت تعمل محاسبة في إحدى الشركات الكبرى قبل سنوات طويلة.
أما الصورة الأولى...
فكانت تجمع والدتها مع الحاجة إنعام، وعدد من الموظفين داخل الشركة نفسها.
وفي خلفية الصورة وقف شاب صغير يبتسم للكاميرا.
همست فيروز
ده... أدهم وهو صغير.
أومأ حسام برأسه.
أيوه... والدتك اشتغلت مع عائلة المنصوري سنوات، وكانت محل ثقة الجميع.
ثم أشار إلى المفكرة.
الإجابات اللي بتدوري عليها موجودة هنا.
فتحت فيروز أول صفحة.
فوجدت بخط والدتها
لو بتقري كلماتي دلوقتي... يبقى أنا خلاص مشيت، لكن لازم تعرفي إن الإنسان قيمته في أمانته، وإن في يوم هتحتاجي ترجعي حق كان أصحابه فاكرينه ضاع.
توقفت أنفاسها.
حق إيه؟
ابتسم حسام ابتسامة خفيفة.
كملي القراءة... لكن بعيد عن هنا.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت إغلاق الباب الحديدي للمبنى.
التفت الاثنان بسرعة.
كان شخص ما قد أغلق الباب من الخارج.
وسُمعت خطوات تقترب ببطء داخل الممر، بينما انعكس ظل طويل على الأرض...
وظلت فيروز تقبض على المفكرة بقوة، وهي تدرك أن من يقترب لا يريد الصندوق نفسه...
بل يريد أن يمنع الحقيقة من الخروج إلى النور ساد الصمت داخل مكتب أدهم.
لم تُظهر فيروز أي رد فعل، رغم أن اسم والدتها تردد أمامها للمرة الثانية خلال ساعات قليلة.
قالت بهدوء
هو الملف ده كان فيه إيه؟
تنهد أدهم وأجاب
بصراحة... معرفش. الأرشيف قديم جدًا، والملفات دي متقفلة من سنين. لكن الغريب إن الكاميرات سجلت شخص دخل بعد منتصف الليل، ولما خرج كان الملف هو الوحيد اللي اتفتح.
سألته
وقدرتوا تعرفوا مين؟
هز رأسه بالنفي.
كان لابس قبعة وكمامة... ومفيش لقطة واضحة لوشه.
في نهاية الدوام، استأذنت فيروز وذهبت مباشرة إلى منزل الحاجة إنعام.
استقبلتها بابتسامة دافئة، وكأنها كانت تنتظرها.
قالت الحاجة إنعام
كنت عارفة إنك هتيجي.
جلست فيروز أمامها، ثم أخرجت إحدى الصور القديمة من الصندوق.
وضعتها على الطاولة وسألت
الصورة دي... اتصورت إمتى؟
أمسكت الحاجة إنعام بالصورة، وابتسمت بحنين.
من أكتر من خمسة وعشرين سنة... يوم افتتاح أول فرع للشركة.
ثم أشارت إلى أمينة قائلة
والدتك كانت من أخلص الناس اللي اشتغلوا معانا.
ترددت لحظة، ثم أضافت
وفي يوم أنقذت الشركة من خسارة كبيرة، لكنها رفضت أي مكافأة، وقالت إن ضميرها أهم من أي فلوس.
شعرت فيروز بالفخر، لكنها ازدادت حيرة.
إذا كانت والدتها بهذه المكانة...
فلماذا عاشت بقية عمرها في صمت ولم تتحدث عن ذلك أبدًا؟
وقبل أن تنصرف...
ناولتها الحاجة إنعام مفتاحًا صغيرًا.
وقالت
ده كان عند والدتك، وسابتُه عندي أمانة.
نظرت إليه فيروز باستغراب.
كان مختلفًا عن المفتاح الذي فتح الخزانة رقم 17.
وسألت
بيفتح إيه؟
ابتسمت الحاجة إنعام وقالت
أنا معرفش... لكن والدتك قالتلي إنك أول ما تمسكيه هتعرفي المكان بنفسك.
عادت فيروز إلى منزلها، وأخرجت جميع الأشياء التي تركتها لها والدتها.
وضعت المفتاح الجديد بجوار الصور والميدالية والمفكرة.
وفجأة...
لفت انتباهها رسم صغير داخل آخر صفحة من المفكرة.
كان الرسم يشبه بابًا خشبيًا، وتحته ثلاثة أرقام
2... 1... 4
تجمدت في مكانها.
لقد رأت هذه الأرقام من قبل.
لكنها لم تتذكر أين.
ظلت تقلب الصور بسرعة...
حتى توقفت عند صورة قديمة التقطتها لوالدتها قبل سنوات.
وفي خلفية الصورة...
ظهر باب خشبي قديم، تعلوه لوحة معدنية مكتوب عليها الرقم نفسه
214
همست فيروز
الباب ده... فين؟
وبينما كانت تحاول تذكر المكان...
وصلتها رسالة قصيرة على هاتفها من رقم مجهول، جاء فيها
لا تذهبي إلى الباب 214 وحدك... هناك من سبقك إليه قبل ساعة واحدة فقط.
ارتجفت يداها، ونظرت إلى الشاشة في ذهول...
فمن الذي كان يراقب تحركاتها؟ ومن الذي وصل
تم نسخ الرابط