لم يكن معها
المحتويات
إلى الباب 214 قبلها؟تبادل حسام وفيروز النظرات في صمت.
ثم قال بصوت خافت
اقفلي الصندوق بسرعة... ومتطلعيش أي ورقة.
وضعت فيروز المفكرة داخل الصندوق وأغلقته، بينما كانت الخطوات تقترب أكثر فأكثر.
توقف الصوت فجأة أمام باب القاعة.
ثم سُمع صوت رجل يقول
أستاذ حسام... أنا عارف إنك هنا.
نظر حسام إلى فيروز وهمس
متتكلميش مهما حصل.
انفتح الباب ببطء...
ودخل رجل يرتدي بدلة رمادية، تبدو على وجهه ملامح الجدية.
نظر إلى حسام أولًا، ثم إلى فيروز، وقال
الحمد لله... لقيتكم قبل ما يحصل سوء فهم.
سألته فيروز بحذر
حضرتك مين؟
أخرج بطاقة تعريف من جيبه وقال
اسمي المستشار نبيل، وأنا المسؤول عن تنفيذ وصية قانونية تركتها والدتك قبل سنوات.
اتسعت عينا فيروز.
وصية؟!
أومأ برأسه.
والدتك كانت تعرف إن اليوم ده هييجي، وعشان كده حفظت كل المستندات بطريقة قانونية، وحددت أشخاصًا معينين يحضروها وقت فتحها.
نظر إلى حسام وقال
واضح إنك وصلت قبلّي بدقائق.
ابتسم حسام بهدوء.
المهم إنها وصلت للصندوق.
انتقل الثلاثة إلى مكتب صغير داخل المبنى.
وضع المستشار نبيل ملفًا سميكًا فوق الطاولة، ثم قال
قبل أكتر من عشرين سنة، حصلت أزمة مالية كبيرة داخل إحدى الشركات التابعة لعائلة المنصوري.
وساد الصمت.
أكمل
وقتها، اتهموا أحد الموظفين بالإهمال، لكن والدتك اكتشفت أن الحقيقة مختلفة تمامًا، وقدمت مستندات أثبتت براءة الرجل، وحافظت على حقوق ناس كتير.
سألت فيروز بسرعة
وليه عمرها ما حكتلي؟
أجاب حسام
لأنها كانت شايفة إن الأمانة مش لازم تتحكي... الأمانة بتتسلم.
ثم أشار إلى المفكرة.
وكل اللي في الصندوق هو تكملة للأمانة دي.
في صباح اليوم التالي...
وصلت فيروز إلى الشركة وهي تحمل حقيبة صغيرة بداخلها المفكرة فقط، بعدما أخفت باقي المستندات في مكان آمن.
وأثناء مرورها في الردهة الرئيسية، استوقفها أدهم بنفسه.
بدا عليه الإرهاق لأول مرة.
وقال بهدوء
محتاج أتكلم معاكي... لو عندك خمس دقايق.
دخلت مكتبه.
ظل صامتًا للحظات، ثم قال
جدتي قالتلي إنك بقيتي بالنسبة لها زي بنتها.
ابتسمت فيروز باحترام.
وأضاف
وفي حاجة غريبة حصلت من يوم ما دخلتي حياتنا... كل يوم باكتشف إن والدتك كانت إنسانة عظيمة، وأنا للأسف معرفتش ده غير متأخر.
وقبل أن تتمكن من الرد...
رن هاتف أدهم.
نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه فجأة.
أغلق الهاتف دون أن يرد.
سألته فيروز
في حاجة؟
رفع رأسه إليها وقال بقلق
في حد دخل الأرشيف القديم للشركة الليلة... والغريب إنه ما أخدش أي أوراق.
سكت لحظة، ثم أضاف
هو كان بيدور على ملف واحد بس... ملف مكتوب عليه اسم أمينة.
شعرت فيروز بقلبها يخفق بقوة.
وأدركت أن ماضي والدتها لم يعد مجرد ذكريات...
بل أصبح لغزًا يحاول شخص ما الوصول إليه قبل أن تُكشف الحقيقة إليك نهاية مؤثرة ومتماسكة، دون خيانة أو علاقة غير شرعية
ارتجفت يدا فيروز وهي تفتح الظرف.
أخرجت منه عدة صفحات، كانت جميعها بخط يد والدتها.
جلست على أقرب مقعد، وبدأت تقرأ
يا فيروز... لو وصلتِ لهذه الرسالة، فاعلمي أنني أخفيت عنك الحقيقة ليس خوفًا منك، بل خوفًا عليك. قبل أكثر من عشرين عامًا، عملت لدى عائلة المنصوري، وهناك ائتمنوني على مستندات تثبت حقوق عدد من الموظفين البسطاء بعد وقوع خطأ إداري كبير. حاول البعض إخفاء الحقيقة، لكن الحاجة إنعام وقفت إلى جانبي، وأصررنا على إعادة الحقوق إلى أصحابها. ومنذ ذلك اليوم أصبحت تلك الأوراق أمانة في عنقي.
أكملت القراءة والدموع تملأ عينيها.
كنت أعلم أن يومًا سيأتي ويبحث فيه أحد عن هذه المستندات، لذلك فرقتها في أماكن مختلفة، حتى لا تضيع الأمانة. وإذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أن الوقت قد حان لتسلميها لأصحابها، لا لتنتقمي من أحد، بل ليظهر الحق.
ساد الصمت.
نظر أدهم إلى المستندات الموجودة داخل الصندوق، ثم قال بصوت متهدج
دلوقتي فهمت ليه جدتي كانت بتقول إن والدتك أنقذت سمعة الشركة.
استدعى أدهم مجلس إدارة الشركة، وبحضور الحاجة إنعام والمستشار نبيل، فُتحت جميع الملفات القديمة.
وبعد مراجعة المستندات، أُعيدت الحقوق إلى أصحابها وورثتهم، وصدر قرار رسمي بتكريم اسم أمينة، تقديرًا لأمانتها ونزاهتها.
وفي احتفال بسيط داخل مقر الشركة، وقف أدهم أمام الجميع وقال
في زمن كتير من الناس بتدور فيه على المكاسب، كانت السيدة أمينة بتدور على الحق. والنهارده، إحنا مش بنكرم موظفة سابقة... إحنا بنكرم ضميرًا حيًا.
صعدت فيروز إلى المنصة وهي تحمل صورة والدتها.
لم تستطع أن تمنع دموعها، لكنها ابتسمت لأول مرة منذ رحيلها.
اقتربت الحاجة إنعام واحتضنتها قائلة
أمك ربت بنت تستحق تفخر بيها.
رفعت فيروز عينيها إلى صورة والدتها وهمست
وعدك وصل يا أمي... الأمانة رجعت لأصحابها.
خرجت من الشركة وهي تشعر أن الحمل الذي ظل على كتفي والدتها سنوات طويلة قد انتهى أخيرًا.
لم تترك لها أمينة مالًا ولا قصرًا...
بل تركت لها اسمًا نقيًا، وسمعة طيبة، وأمانة أصبحت سببًا في إنصاف كثير من الناس.
وأدركت فيروز أن أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان لأبنائه...
ليس الثروة...
بل الشرف، والصدق، وحسن الأثر.
تمت ظلت فيروز تحدق في الرسالة عدة ثوانٍ، ثم أعادت قراءتها مرة أخرى.
كان الرقم مجهولًا.
حاولت الاتصال به...
لكن الهاتف كان مغلقًا.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أمسكت بالصورة القديمة مرة أخرى.
دققت النظر في كل تفاصيلها، حتى لاحظت لافتة صغيرة ظهرت في زاوية الصورة، كُتب عليها اسم لم تنتبه إليه من قبل.
ابتسمت فجأة.
لقد تذكرت المكان.
كان مبنى قديمًا تابعًا للشركة، أُغلق منذ سنوات بعد نقل الإدارات إلى المقر الجديد.
في صباح اليوم التالي...
وصلت إلى المبنى قبل بداية ساعات العمل.
كان الحارس يجلس أمام البوابة.
نظر إليها باستغراب وقال
المكان ده مقفول من زمان يا أستاذة.
أخرجت له بطاقة عملها، وبعد مكالمة قصيرة مع الإدارة، سمح لها بالدخول.
كان كل شيء مغطى بطبقة سميكة من الغبار.
الممرات هادئة...
والسكون يملأ المكان.
ظلت تبحث حتى وصلت إلى الباب رقم 214.
لكنها فوجئت بأن الباب كان مفتوحًا بالفعل.
تبادرت إلى ذهنها الرسالة التي وصلتها الليلة الماضية.
إذن...
كان هناك من سبقها فعلًا.
دخلت بحذر.
لم تجد أحدًا.
لكن الغرفة كانت في حالة فوضى، وكأن شخصًا قلب محتوياتها بحثًا عن شيء معين.
وعلى الأرض...
وجدت ورقة ممزقة.
جمعت أجزاءها بصعوبة.
ولم يبقَ منها سوى جملة واحدة واضحة
... الأمانة لا تُسلَّم إلا لفيروز أمينة.
توقفت أنفاسها.
كانت هذه أول مرة ترى اسمها مكتوبًا داخل أحد مستندات والدتها.
وأثناء خروجها من الغرفة...
سمعت صوتًا خلفها.
التفتت بسرعة.
كان أدهم يقف عند الباب.
نظر إليها بدهشة وقال
كنت متأكد إنك هتيجي هنا.
ارتبكت وسألته
حضرتك... إزاي عرفت؟
أجاب وهو يرفع هاتفه
نظام الدخول سجّل إن بطاقة موظف اتفعلت في المبنى القديم... ولما عرفت إن البطاقة باسمك، جيت على طول.
ثم نظر إلى الورقة التي تمسكها.
وسألها بهدوء
دي من ملفات والدتك... صح؟
ترددت فيروز للحظة.
ثم هزت رأسها بالإيجاب.
اقترب أدهم خطوة، وقال بصوت منخفض
في حاجة لازم تعرفيها...
جدتي كانت بتدور على والدتك سنين طويلة، مش عشان شغل قديم...
لكن عشان تسلمها أمانة تانية، فضلت محفوظة كل السنين دي.
قبل أن تسأله أي شيء...
دخل الحارس مسرعًا وهو يلهث.
وقال بقلق
يا فندم... في حد خرج من المبنى الخلفي من دقايق، وساب الظرف ده وقال يتسلم للأستاذة فيروز وبس.
تناولت فيروز الظرف بسرعة.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
وعلى ظهره، بخط يد تعرفه جيدًا، كُتبت عبارة واحدة
إذا وصلتك هذه الرسالة... فاعلمي أن الوقت قد حان لتعرفي السر الذي أخفيته عنك طوال عمري.
ارتجفت أصابعها وهي تنظر
متابعة القراءة