لم يكن معها
إلى الظرف...
بينما وقف أدهم والحارس في صمت، ينتظران أن تفتحه، دون أن يعلم أيٌّ منهما أن ما بداخله سيغير مجرى الأحداث كلها إليك نهاية مؤثرة ومتماسكة، دون خيانة أو علاقة غير شرعية
ارتجفت يدا فيروز وهي تفتح الظرف.
أخرجت منه عدة صفحات، كانت جميعها بخط يد والدتها.
جلست على أقرب مقعد، وبدأت تقرأ
يا فيروز... لو وصلتِ لهذه الرسالة، فاعلمي أنني أخفيت عنك الحقيقة ليس خوفًا منك، بل خوفًا عليك. قبل أكثر من عشرين عامًا، عملت لدى عائلة المنصوري، وهناك ائتمنوني على مستندات تثبت حقوق عدد من الموظفين البسطاء بعد وقوع خطأ إداري كبير. حاول البعض إخفاء الحقيقة، لكن الحاجة إنعام وقفت إلى جانبي، وأصررنا على إعادة الحقوق إلى أصحابها. ومنذ ذلك اليوم أصبحت تلك الأوراق أمانة في عنقي.
أكملت القراءة والدموع تملأ عينيها.
كنت أعلم أن يومًا سيأتي ويبحث فيه أحد عن هذه المستندات، لذلك فرقتها في أماكن مختلفة، حتى لا تضيع الأمانة. وإذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أن الوقت قد حان لتسلميها لأصحابها، لا لتنتقمي من أحد، بل ليظهر الحق.
ساد الصمت.
نظر أدهم إلى المستندات الموجودة داخل الصندوق، ثم قال بصوت متهدج
دلوقتي فهمت ليه جدتي كانت بتقول إن والدتك أنقذت سمعة الشركة.
استدعى أدهم مجلس إدارة الشركة، وبحضور الحاجة إنعام والمستشار نبيل، فُتحت جميع الملفات القديمة.
وبعد مراجعة المستندات، أُعيدت الحقوق إلى أصحابها وورثتهم، وصدر قرار رسمي بتكريم اسم أمينة، تقديرًا لأمانتها ونزاهتها.
وفي احتفال بسيط داخل مقر الشركة، وقف أدهم أمام الجميع وقال
في زمن كتير من الناس بتدور فيه على المكاسب، كانت السيدة أمينة بتدور على الحق. والنهارده، إحنا مش بنكرم موظفة سابقة... إحنا بنكرم ضميرًا حيًا.
صعدت فيروز إلى المنصة وهي تحمل صورة والدتها.
لم تستطع أن تمنع دموعها، لكنها ابتسمت لأول مرة منذ رحيلها.
اقتربت الحاجة إنعام واحتضنتها قائلة
أمك ربت بنت تستحق تفخر بيها.
رفعت فيروز عينيها إلى صورة والدتها وهمست
وعدك وصل يا أمي... الأمانة رجعت لأصحابها.
خرجت من الشركة وهي تشعر أن الحمل الذي ظل على كتفي والدتها سنوات طويلة قد انتهى أخيرًا.
لم تترك لها أمينة مالًا ولا قصرًا...
بل تركت لها اسمًا نقيًا، وسمعة طيبة، وأمانة أصبحت سببًا في إنصاف كثير من الناس.
وأدركت فيروز أن أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان لأبنائه...
ليس الثروة...
بل الشرف، والصدق، وحسن الأثر.
تمت.