ابويا وامي

لمحة نيوز

أبويا وأمي ادّوا أختي ٢٠ مليون جنيه تقريبًا هدية جوازها، ولما جه دوري قالولي هما اللي هيتكفلوا بجوازي... وبعدها بيومين بعتولي فاتورة علشان أسدد كل حاجة! دفعت، وقطعت علاقتي بيهم، ودلوقتي أختي واقفة بتخبط على باب شقتي وهي بتصرخ...
بعد يومين من ما أبويا وأمي قالولي إنهم هيدفعوا تكاليف فرحي، لقيت إيميل منهم.
مش بالغلط.
ومش هزار.
فاتورة.
عنوان الإيميل كان
مطلوب سداد مصاريف دعم حفل الزفاف.
إجمالي المبلغ ٧٣٤١٨ ٢٢ دولار.
كنت قاعدة على سفرة المطبخ بالروب، ببص للشاشة ومش مستوعبة، وخطيبي كريم كان واقف ورايا بيقرأ الإيميل من غير ما ينطق.
قبلها بثلاث أسابيع، أختي ندى اتجوزت في فرح أسطوري. ممر من الرخام، وورد مستورد، وفرقة موسيقية، ونافورة شامبانيا. أبويا وأمي دفعوا كل حاجة. القاعة الغالية، الفستان المتفصل مخصوص، شهر العسل في إيطاليا، التصوير بالطائرات الدرون، وحتى المناديل المطرزة باسمها باللون الدهبي، علشان كانت شايفة إن اللون الكريمي عادي أوي.
أبويا قال إنها هدية.
وأمي قالت
الفرح ده مرة واحدة في العمر.
ولما أنا وكريم اتخطبنا، خرجونا على العشا وقالولنا إنهم عايزين يعملوا معايا نفس اللي عملوه مع ندى.
أمي مسكت إيدي وقالت
إحنا عايزين بناتنا الاتنين يحسوا إنهم غاليين علينا.
كان المفروض أعرف إن الكلام ده مش حقيقي.
بس لثانية واحدة... صدقتهم.
سيبتهم يختاروا الشركات والمنظمين.
سيبت أمي تختار الورد.
وأبويا أصر يغير قاعة الفرح لقاعة أغلى علشان شكل العيلة قدام الناس.
وكل ما كنت أقوله نعمل حاجة بسيطة، كانوا يبتسموا ويقولوا
سيبيها علينا يا حبيبتي.
وبعدين وصلت الفاتورة.
كل عربون.
كل مقابلة.
كل تذوق للأكل.
حتى العشا اللي عزمونا عليه علشان يعرضوا يدفعوا الفرح، كان محسوب ضمن مصاريف التخطيط.
وفي آخر الفاتورة، أبويا كاتب
يرجى السداد خلال خمسة أيام عمل لتجنب حدوث مشاكل عائلية.
كريم قال بهدوء
ممكن نرفع عليهم قضية.
قفلت اللابتوب وقلت
لأ.
دفعت المبلغ كله في نفس اليوم.
وبعدها لغيت الفرح اللي هما خططوله، وحجزت أنا وكريم كتب كتاب بسيط في المحكمة الجمعة اللي بعدها، وغيرت رقم موبايلي قبل آخر النهار.
فضلوا أسبوعين يبعتولي رسايل عن طريق القرايب.
ندى كانت بتنزل كلام على السوشيال ميديا عن الغيرة والحقد.
أمي كانت بتعيط في الرسايل الصوتية وتقول إني بوظت فرحة العيلة.
وأبويا بعتلي جدول حسابات جديد يشرحلي قد إيه أنا سببتلهم ضغوط.
ما رديتش على حد.
أنا وكريم اتجوزنا وسط تمن صحاب بس، ولبست فستان أزرق بسيط، وأكلنا بيتزا بعد كتب الكتاب.
وكان أسعد يوم في حياتي... لأن محدش كان بيحسب عليا كل حاجة.
ست شهور عدوا، والسكوت كان أحلى هدية اديتها لنفسي.
لحد ليلة مطر...
فجأة حد فضل يخبط على باب شقتي بعنف.
خبط هيكسر الباب.
وصوت أختي ندى وهي بتصرخ
افتحي الباب! يا أنانية... افتحي حالًا!
كريم مد إيده للموبايل.
وأنا بصيت من العين السحرية.
لقيت ندى واقفة بالكعب العالي، الماسكارا سايحة على وشها، وماسكة جواب من البنك وهو متكرمش في إيديها...
ووراها أمي...
وشها كان أصفر كأنه مفيهوش نقطة دم.
يتبع...وو
ندى كانت بتخبط على الباب بجنون، وكل خبطة أقوى من اللي قبلها.
افتحي! أنا عارفة إنك جوه!
بصيت لكريم، وهو همس متفتحيش... واضح إن في حاجة كبيرة.
لكن قبل ما أرد، سمعت صوت أمي من بره، واطي ومهزوز لأول مرة في حياتي
يا بنتي... افتحي، بالله عليكي.
الجملة دي كانت غريبة.
أمي عمرها ما قالت بالله عليكي.
كانت دايمًا هي اللي بتأمر... والكل ينفذ.
فتحت الباب فتحة صغيرة، والسلسلة لسه راكبة.
ندى زقت الباب بكل قوتها.
إنتي السبب!
بصيتلها باستغراب.
سبب إيه؟
رفعت الورقة اللي في إيدها ورمتها في وشي.
إقري!
كانت ورقة من البنك.
إنذار.
أرقام بالملايين.
وأقساط متأخرة.
وآخر سطر مكتوب فيه إن في إجراءات حجز هتبدأ لو المبالغ متسدّدتش.
رفعت عيني عليها.
وده مالي أنا؟
ندى كانت بتتنفس بسرعة، كأنها كانت جارية.
بابا قال إنك معاكي فلوس!
ابتسمت بسخرية.
بابا يعرف منين معايا كام؟
سكتت.
وأمي اتكلمت وهي بتحاول تمنع نفسها من العياط.
هو... هو افتكر إنك طالما دفعتي فاتورة الفرح مرة واحدة... يبقى أكيد عندك سيولة.
كريم خرج ووقف جنبي.
وحضراتكم جايين تعملوا إيه بالظبط؟
ندى بصتله بحدة وقالت
عايزينها تساعدنا.
أنا ضحكت.
ضحكة قصيرة، من كتر الصدمة.
تساعدكم؟
ندى قربت خطوة.
إحنا في ورطة.
ورطة إيه؟
بصت لأمي... وأمي بصت للأرض.
ولا واحدة فيهم ردت.
ساعتها حسيت إن الحقيقة اللي مستخبية أكبر بكتير من مجرد قسط بنك.
قلت بهدوء
اتفضلوا... قولوا الحقيقة كاملة.
ندى بلعت ريقها، ومسكت طرف الجاكيت بتوتر، وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي
الفلوس اللي اتصرفِت على فرحي... ما كانتش هدية أصلًا.
وسكتت.
ثانيتين...
تلاتة...
قبل ما تكمل وهي بتبكي
بابا... رهن حاجة مهمة جدًا علشان يعمل الفرح... والحاجة دي دلوقتي البنك جاي ياخدها.
وفي اللحظة دي بالذات...
رن تليفون أمي.
بصت للشاشة...
واتغير لون وشها فجأة.
همست بصوت مرتعش
ده... المحامي أمي فضلت تبص لشاشة الموبايل كأنها خايفة ترد.
الموبايل فضل يرن...
ويرن...
لحد ما كريم قال ببرود
ردي. طالما جيتوا لحد هنا، يبقى مفيش داعي للاستخبا.
ردت وهي إيديها بترتعش.
ألو...
فضلت ساكتة تسمع، وكل ثانية كانت ملامحها بتنهار أكتر.
وفجأة قالت
إيه؟! بكرة؟!
قفلت المكالمة وبصتلنا بعينين مليانين رعب.
البنك قدم طلب تنفيذ... ولو المبلغ متدفعش قبل بكرة الصبح... هيبدأوا إجراءات الحجز.
أنا فضلت ساكتة.
ندى قربت مني بسرعة.
إنتي الوحيدة اللي تقدري تنقذينا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أنا؟
أيوه... بابا قال إنك معاكِ فلوس كفاية.
ضحكت.
الغريب إن أبوكي عمره ما سأل أنا جبت الفلوس دي منين.
ندى اتلخبطت.
مش مهم... المهم تنقذينا.
كريم اتكلم لأول مرة بنبرة حادة
قبل ما تطلبوا أي حاجة... جاوبوا على سؤال واحد.
بصوله.
إيه اللي اترهن؟
الصمت نزل على المكان.
أمي كانت بتفرك صوابعها.
ندى كانت بتبص للأرض.
وأنا حسيت إنهم بيخفوا أكتر مما بيقولوا.
كررت السؤال
إيه اللي اترهن؟
أمي أخيرًا رفعت راسها وقالت بصوت مكسور
... البيت.
قلبي دق بقوة.
بيتكم؟
هزت رأسها بالنفي.
لأ.
بصتلها باستغراب.
قالت وهي بتعيط
بيت جدك.
اتجمدت مكاني.
بيت جدي... البيت اللي اتربيت فيه، واللي كان جدي قبل ما يموت يوصي إنه يفضل في العيلة ومايتباعش أبدًا.
قلت ببطء
إزاي؟
ندى ردت بسرعة
بابا قال إنه باسمه.
وده صحيح؟
سكتت.
أمي قالت وهي بتتهرب من عيني
كان... باسمه.
الكلمة دي وقفتني.
كان؟ يعني إيه كان؟
اتبادلوا النظرات.
ولأول مرة، حسيت إن فيه سر مستخبي من سنين.
سر أكبر من الفرح...
وأكبر من الفاتورة...
وأكبر حتى من الرهن نفسه.
وفجأة، افتكرت حاجة حصلت يوم عزاء جدي.
المحامي وقتها كان حاول يكلمني على انفراد...
لكن أبويا قاطعه بسرعة وقال
مفيش داعي... كل حاجة خلصت.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي...
ابتديت أسأل نفسي
هو يا ترى... كانت فعلًا كل حاجة خلصت؟ أم إن وصية جدي كان فيها حاجة محدش عرفني بيها؟فضلت باصة في وش أمي، وأنا بحاول أفتكر كل تفصيلة من يوم جنازة جدي.
المحامي...
النظرة اللي بصهالي.
والملف البني اللي كان ماسكه.
وقبل ما يتكلم، أبويا وقف قدامه وقال بمنتهى الحسم
إحنا هنخلص كل الإجراءات... متقلقش.
وقتها كنت مكسورة من الحزن، ومفكرتش أسأل.
دلوقتي... حسيت إن السؤال اتأخر سنين.
بصيت لأمي.
هو جدي ساب وصية؟
أمي فتحت بقها، لكن ندى سبقتها.
مش وقته الكلام ده.
بصيتلها بحدة.
بالعكس... ده وقته بالظبط.
كريم كان واقف ساكت، بيتابع كل كلمة.
وأمي أخيرًا قالت
كان فيه وصية.
قلبي دق بقوة.
وأنا ليه محدش قالي؟
سكتت.
ندى اتنفست بعصبية.
عشان كانت مجرد إجراءات.
هززت راسي.
لأ... لو كانت مجرد إجراءات، مكنتوش هتخفوها.
أمي بدأت تعيط.
أبوكي هو اللي قرر.
قرر إيه؟
ردت بصوت مكسور
قرر إنك متعرفيش.
الجو في الشقة بقى تقيل.
قلت وأنا بحاول أسيطر على أعصابي
أنا عايزة أعرف كل حاجة... دلوقتي.
ندى قربت خطوة.
طيب اسمعي... بس بعد ما تساعدينا.
ابتسمت ببرود.
لسه بتساوموني؟
إحنا مش بنساومك... إحنا في كارثة.
وأنا كنت في كارثة لما بعتولي فاتورة فرحي... حد فيكم فكر يساعدني؟
ندى سكتت.
وأمي نزلت دموعها.
كريم قال بهدوء
لو عندكم حقيقة، قولوهالها الأول.
أمي أخدت نفس طويل، وقالت
بعد وفاة جدك... المحامي جمعنا كلنا.
وأنا؟
إنتِ كنتِ بره.
استغربت.
أنا كنت في المقابر مع خالاتي.
هزت رأسها.
أيوه... ولما رجعتي، أبوكي قال للمحامي إنه هيبلغك بعدين.
وبلغني؟
أمي غمضت عينيها.
لأ.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
يعني خبيتوا عني وصية جدي سنين؟
ندى قالت بسرعة
الوصية مكانتش فلوس.
أمال كانت إيه؟
بلعت ريقها.
كانت... أوراق.
أوراق إيه؟
بصت لأمي.
وأمي همست
أوراق ملكية.
سكتت الشقة كلها.
حتى صوت المطر بره كأنه اختفى.
قلت ببطء شديد
ملكية... إيه؟
وقبل ما حد يرد...
رن جرس الباب مرة تانية.
كلنا بصينا ناحية الباب.
كريم فتح العين السحرية.
فضل ساكت ثواني...
وبعدين لف ناحيتي وقال بصوت منخفض
فيه راجل كبير واقف بره... ومعاه شنطة جلد قديمة.
مين؟
رد وهو لسه باصص من العين السحرية
بيقول... إنه المحامي اللي كان ماسك وصية جدك... وإنه لازم يشوفك الليلة حالًا قبل ما الوقت يخلص بصيت لكريم، وبعدين على أمي وندى.
الذعر اللي كان في عينيهم أكدلي إنهم عرفوا الراجل قبل ما حتى أشوفه.
قلت بهدوء
افتح.
فتح كريم الباب.
دخل راجل في أواخر الستينات، شعره كله أبيض، وماسك شنطة جلد قديمة باين عليها إنها شافت سنين طويلة.
أول ما عينه وقعت عليا، تنهد وقال
أخيرًا... قابلتك.
أمي قامت بسرعة.
أستاذ فؤاد... حضرتك جيت ليه؟
بصلها بنظرة جامدة.
لأن السكوت طال أكتر من اللازم.
ندى اتوترت.
إحنا كنا هنقولها.
رد من غير حتى يبصلها
بعد كام سنة؟
حط الشنطة على الترابيزة، وطلع منها ظرف أصفر سميك، عليه ختم شمع قديم.
كان مكتوب عليه بخط أعرفه كويس...
خط جدي.
اسمي.
إيدي بدأت تترعش.
الجواب ده... ليّا؟
هز راسه.
كان المفروض يوصلك بعد الوفاة بأسبوع.
لفيت بسرعة ناحية أمي.
يعني كنتوا عارفين؟
أمي

تم نسخ الرابط