ابويا وامي

لمحة نيوز

القرار بنفسك.
طلعنا الشقة.
قفلت الباب.
حطيت الظرف على الترابيزة.
فضلنا نبصله كلنا.
ولا حد نطق.
بعد عشر دقايق...
رن موبايل كريم.
رد.
وفضل ساكت بيسمع.
بعدين قال
إحنا جايين.
قفل وبصلي.
المستشفى.
قلبي انقبض.
في إيه؟
أبوكي فاق...
اتنفست الصعداء.
لكن كريم كمل
...وطلب يشوفك لوحدك.
المحامي وقف فجأة.
لوحدها؟
أيوه.
قال المحامي بسرعة
يبقى متفتحيش الظرف دلوقتي.
استغربت.
ليه؟
رد وهو بيبص للظرف
لأن اللي فيه... غالبًا آخر حاجة كتبها والدك.
أخدت الظرف وحطيته في شنطتي.
ورحنا المستشفى.
دخلت أوضة العناية.
أبويا كان شاحب جدًا، لكن واعي.
أول ما شافني، طلب من الممرضة تخرج.
ولما بقينا لوحدنا...
مد إيده المرتعشة ناحية الكومود.
كان عليه مفتاح صغير، نحاس، عليه رقم 27.
حطه في كفي، وقال بصعوبة
خزنة... محطة القطار القديمة...
اتجمدت.
خزنة؟
هز رأسه.
كل... الحقيقة... هناك.
حاولت أسأله
وحقيقة إيه؟
لكن قبل ما ينطق...
دخل جهاز مراقبة القلب في إنذار حاد، والممرضين اندفعوا إلى الغرفة، واضطررت أخرج وأنا ما زلت قابضة على المفتاح... وفي رأسي سؤال واحد
ما الذي يخفيه المفتاح رقم 27، ولماذا لم يثق أبي أن يحتفظ بالحقيقة في البيت؟وقفت برا أوضة العناية، والمفتاح لسه في إيدي.
كنت ببص للرقم المحفور عليه
27
كريم قرب مني.
هنعمل إيه؟
بصيت للمفتاح، ثم للظرف اللي في شنطتي.
هنستنى.
المحامي هز رأسه بالموافقة.
قرار سليم.
بعد حوالي ساعة، خرج الدكتور.
قال إن حالة أبويا استقرت، لكن ممنوع أي حد يشوفه الليلة.
ندى جريت عليه.
هنقدر ندخل إمتى؟
الدكتور رد
بكرة.
ركبنا العربية في صمت.
لكن قبل ما ندور العربية...
وصلتلي رسالة من رقم غريب.
فتحتها.
كانت جملة واحدة
لو روحتي للخزنة قبل الساعة 12 ظهرًا... هتلاقيها فاضية.
بصيت لكريم.
حد بيراقبنا.
المحامي مد إيده.
وريني الرسالة.
قرأها، واتغيرت ملامحه.
كنت متوقع.
متوقع إيه؟
إن في حد تاني بيدور على اللي في الخزنة.
سألته بسرعة
مين؟
رد بهدوء
مش عارف... لكن أكيد الشخص ده عارف رقم الخزنة.
عدت الليلة كلها من غير نوم.
الساعة كانت ستة الصبح.
فضلت أبص للمفتاح.
وأفكر...
لو استنيت لبكرة، ممكن اللي في الخزنة يختفي.
ولو رحت دلوقتي، ممكن أمشي في فخ.
الساعة تسعة صباحًا...
اتصلت ندى.
صوتها كان مكسور.
بابا صحي.
قال إيه؟
سأل عليكي.
بس؟
سكتت.
وبعدين قالت
وقال جملة غريبة.
إيه هي؟
قال... متخلوهاش تفتح الدرج السفلي.
اتجمدت.
درج سفلي؟
معرفش.
قفلت المكالمة.
المحامي بصلي.
واضح إن الخزنة فيها أكتر من حاجة.
خرجنا فورًا.
وصلنا محطة القطار القديمة.
المكان كان شبه مهجور.
الخزن المعدنية القديمة لسه موجودة في ممر طويل.
فضلنا نمشي لحد ما لقينا رقم...
27.
طلعت المفتاح.
لكن قبل ما أحطه...
سمعنا صوت تصفيق هادي ورا ضهرنا.
لفينا كلنا.
كان راجل لابس بدلة رمادي ونضارة سوداء.
واقف مبتسم.
وقال بهدوء
اتأخرتوا عشر دقايق.
أنا عبست.
حضرتك مين؟
ابتسم أكتر.
أنا الشخص اللي والدك كان مستنيني من سبع سنين.
ومد إيده ناحيتي، وقال
هاتي المفتاح... لأنه في الحقيقة مش بتاعك بصيت للمفتاح في إيدي... وبعدين للراجل.
كان واقف بكل هدوء، كأنه واثق إننا هنسلمه المفتاح من غير نقاش.
قلت ببرود
وحضرتك مين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
اسمي هتعرفيه بعدين... دلوقتي المهم إن الوقت بيجري.
المحامي اتحرك خطوة قدامه.
أنا أعرفك؟
الراجل بصله ثواني، وبعدها قال
آخر مرة شوفنا بعض كانت في مكتب الأستاذ محمود.
المحامي اتغير وشه.
واضح إنه افتكره.
إنت...
قاطعه الراجل
أيوه... بس بلاش أسماء دلوقتي.
كريم قرب مني وهمس
واضح إنه مش غريب عنهم.
هززت راسي، لكن المفتاح فضل في إيدي.
قلت للراجل
لو عندك حق فيه، أثبته.
ابتسم.
كويس... دي أول مرة حد في العيلة يسأل عن دليل.
طلع من جيبه ظرف صغير.
فتحته.
كان فيه صورة قديمة.
أبيض وأسود.
جدي واقف قدام نفس محطة القطار...
وجنبه نفس الراجل، لكنه كان أصغر بكتير.
وفي ضهر الصورة، بخط جدي
لو أنا مت قبله... هو هيسلم الأمانة لصاحبها.
بصيت للمحامي.
إنت كنت تعرف؟
اتنهد.
كنت أعرف إن فيه شخص... لكن معرفش مين.
الراجل مد إيده للصورة.
دلوقتي... هاتي المفتاح.
لسه هرد...
وفجأة، سمعنا صوت عربية فراملها صرخت قدام المحطة.
بصينا ناحية الباب.
أبواب عربية سودا اتفتحت بسرعة.
ونزل منها تلات رجالة.
واحد منهم شاور علينا وهو بيصرخ
هما هناك!
الراجل اللي قدامنا اتغيرت ملامحه لأول مرة.
وقال بسرعة
افتحوا الخزنة... حالًا!
كريم مسكني من دراعي.
إحنا نجري.
لكن الراجل هز رأسه بعنف.
لو هربتوا دلوقتي... الحقيقة هتضيع للأبد.
مديت المفتاح بإيدي المرتعشة ناحية القفل.
لفيته.
سمعنا صوت...
تك.
باب الخزنة اتفتح ببطء.
كلنا بصينا جوه.
ماكانش فيها فلوس...
ولا دهب...
ولا أوراق ملكية.
كان فيها صندوق خشب صغير، وأسفله درج معدني رفيع مخفي.
افتكرت فورًا كلام أبويا
متخلوهاش تفتح الدرج السفلي.
وقبل ما ألمس الدرج...
وصلت خطوات الرجالة للممر.
وأحدهم صرخ
اقفلوا عليهم المخرج!اتجمدنا كلنا.
الخطوات كانت بتقرب بسرعة.
الممر المعدني بقى كله صدى.
واحد...
اتنين...
تلاتة...
الراجل الغريب بصلي بعصبية لأول مرة.
خدي الصندوق وسيبي الدرج.
بصيتله.
ليه؟
قال بسرعة
مفيش وقت للشرح.
لكن في نفس اللحظة افتكرت كلام أبويا وهو على سرير المستشفى
متخلوهاش تفتح الدرج السفلي.
الكلمة كانت واضحة...
متخلوهاش.
مش متفتحيهوش.
كأنه كان بيحذر من شخص تاني... مش مني.
بصيت حواليا.
المحامي.
كريم.
الراجل الغريب.
مين فيهم كان أبويا خايف منه؟
وقبل ما أوصل لإجابة...
حصل اللي محدش كان متوقعه.
الراجل الغريب اندفع فجأة ناحيتي.
مش ناحية الصندوق...
ناحية الدرج السفلي.
مسك إيدي وهو بيحاول يبعدني.
سيبيه!
في نفس اللحظة، كريم شده بعيد عني.
واتشابكوا مع بعض.
المحامي صرخ
اقفلي الخزنة!
لكن الرجالة كانوا وصلوا آخر الممر.
واحد منهم طلع ورقة قديمة من جيبه، ورفعها في وش الراجل الغريب وهو بيقول
انتهى الاتفاق... هات اللي جوه.
الراجل رد بعصبية
بعد كل السنين دي... لسه فاكرين إنكم هتاخدوه؟
أنا استغليت اللحظة.
مسكت الصندوق الخشبي بسرعة.
كان خفيف بشكل غريب.
لكن عيني وقعت على الدرج السفلي.
كان فيه تجويف صغير للمفتاح.
يعني نفس المفتاح يفتح الدرج كمان.
قلبي كان بيقولي أفتحه...
لكن صوت أبويا كان بيرن في دماغي.
متخلوهاش تفتح الدرج السفلي.
لفيت ناحية الراجل الغريب.
كان بيصارع واحد من الرجالة.
وفجأة صرخ بأعلى صوته
إوعي... تفتحيه!
اتجمدت.
هو كمان بيحذرني؟
ولا بيحاول يمنعني؟
وقبل ما أقرر...
واحد من الرجالة دفع كريم بقوة، وخطف المفتاح من على الأرض بعد ما وقع أثناء الزحمة.
جري ناحية الخزنة.
وحط المفتاح في فتحة الدرج السفلي.
لفه...
وسمعنا صوت نقرة خافتة.
الدرج خرج سنتيمترات قليلة...
لكن قبل ما يفتحه بالكامل...
انطفأت أنوار المحطة كلها دفعة واحدة.
وغرق المكان في ظلام دامس...
ثم دوّى صوت إنذار قديم في أرجاء المحطة، كأنه لم يعمل منذ سنوات، بينما جاء من داخل الدرج المفتوح صوت معدني خافت... كأن شيئًا كان مغلقًا منذ زمن طويل، وبدأ يتحرك الآن دخلت أوضة العناية، وقلبي بيدق بعنف.
أبويا كان مرهق جدًا، لكن أول ما شافني ابتسم لأول مرة من سنين.
أشار للممرضة تخرج.
ولما بقينا لوحدنا، قال بصوت ضعيف
أنا غلطت.
فضلت ساكتة.
قال
كل حاجة بدأت بغلط واحد... وكبرت لحد ما خرجت من إيدي.
سألته
الفاتورة كانت غلط برضه؟
نزلت دمعة من عينه.
لأ... دي كانت أكبر غلطة عملتها.
اتصدمت.
ليه عملتها؟
قال
لأننا صرفنا كل اللي نملكه على فرح أختك... واستلفنا فوق طاقتنا. ولما الديون بدأت تخنقنا، خفت أخسركم كلكم... فبدل ما أعترف، بدأت أغطي غلطة بغلط.
طلع نفس طويل، وكمل
الفاتورة ما كانتش عشان الفلوس... كانت عشان أجبرك تدفعي الديون من غير ما تعرفي.
دموعي نزلت لأول مرة.
وزورت توقيعي؟
غمض عينيه.
أنا المسؤول... محدش غيري.
وماما؟
كانت تعرف جزء... لكنها ما كانتش تعرف التزوير.
وندى؟
ولا هي.
سكت لحظة، ثم قال
أنا كنت الوصي على أملاك أبويا... مش المالك. ولما رهنت البيت، كنت فاكر إني هسدده بسرعة. لكن كل حاجة انهارت.
بصيتله وأنا حاسة إن سنين من الغضب قدامي.
قال بصعوبة
الظرف... افتحيه.
طلعت الظرف من الشنطة.
فتحته.
كان فيه جواب واحد.
بخط إيده.
يا بنتي... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أصلح اللي عملته وأنا عايش. متسامحنيش إلا لو قلبك يقدر، لكن متكرريش غلطي. الفلوس بتتعوض... أما العيلة لما تتكسر، صعب ترجع.
وفي آخر الجواب...
كان فيه مستند تحويل.
أبويا باع آخر قطعة أرض كانت باسمه، وسدد منها كل الديون، وفك رهن بيت جدي قبل دخوله العمليات بيوم واحد.
المحامي أكد بعدها إن الرهن اتشال رسميًا، وإن البيت رجع باسم الورثة وفقًا لوصية الجد والقانون، وإن التوقيع المزور اتبلغ عنه لإثبات الحقيقة، لكن أبويا اعترف بكل شيء بنفسه قبل وفاته، فتحمل المسؤولية كاملة.
بعد أسابيع...
خرجنا من المحكمة.
ندى وقفت قدامي.
كانت أول مرة تعتذر.
قالت وهي بتبكي
أنا كنت فاكرة إنك بتكرهيني... لكن الحقيقة إننا كلنا كنا ضحية خوف بابا.
حضنتها.
مش لأن كل حاجة اتصلحت...
لكن لأن الكره كان هيضيع اللي باقي من العيلة.
أما أمي...
احتاجت وقت طويل عشان تسامح نفسها.
وأنا؟
عمري ما نسيت الفاتورة.
احتفظت بيها في درج مكتبي.
كل ما أشوفها أفتكر إن أغلى حاجة في الدنيا مش الفرح الكبير... ولا الفلوس...
أغلى حاجة هي الصدق.
لأن كذبة واحدة، مهما كانت صغيرة، ممكن تدمر عيلة كاملة.
تمت الظلام لف المكان كله.
ندى من بعيد كانت بتصرخ.
كريم ناداني
متتحركيش!
لكن كان فات الأوان.
سمعنا صوت ارتطام...
ثم صرخة رجل.
وبعدها سكون.
ثواني...
وفجأة اشتغلت لمبة طوارئ حمراء خافتة.
نورها كان يكفي بالعافية نشوف بعض.
بصيت ناحية الخزنة.
الراجل اللي فتح الدرج كان واقع على الأرض.
وإيده لسه ماسكة الغطا المعدني.
أما الدرج...
فكان مفتوحًا بالكامل.
قربت بحذر.
جوه الدرج كان فيه...
دفتر جلد أسود.
ومعاه فلاشة صغيرة.
ومظروف مختوم بالشمع.
الراجل الغريب صرخ
متلمسيهمش!
لكن المحامي رد عليه بعصبية
ده حقها!
الرجالة التانيين اندفعوا ناحية الخزنة.
كريم وقف قدامهم.
حصلت حالة شد وجذب.
استغليت اللحظة، وخطفت الدفتر والفلاشة والمظروف، وحطيتهم في شنطتي.
في اللحظة دي...
دوّت صفارات الشرطة بره المحطة.
الرجالة بصوا لبعض.
واضح إن حد بلغ.
واحد منهم قال
انسحبوا!
وفي أقل من ثواني، جريوا ناحية المخرج واختفوا.
المكان هدي فجأة.
الراجل الغريب بصلي وقال وهو بياخد نفسه
إوعي تفتحي الفلاشة.
استغربت.
ليه؟
افتحي الدفتر الأول.
طلعت الدفتر.
أول صفحة كان مكتوب فيها بخط جدي
لو وصل الدفتر ده لحفيدتي، يبقى الحقيقة أخيرًا لقت طريقها.
قلّبت الصفحة.
كان فيه أسماء...
وتواريخ...
ومبالغ مالية.
وكل صفحة
تم نسخ الرابط