ابويا وامي

لمحة نيوز

انهارت على الكنبة.
أبوكي هو اللي أخده.
المحامي فتح ملف تاني، وطلع ورقة.
وده محضر الاستلام.
ناولني الورقة.
في آخرها...
توقيع أبويا.
وتاريخ من سبع سنين.
يعني أبويا استلم الجواب باسمي...
وخلاه عنده كل السنين دي.
حسيت بغصة في حلقي.
ليه؟
المحامي قال بهدوء
لأنه كان عارف إن اللي في الجواب هيغيّر كل حاجة.
ندى صرخت
لو سمحت... بلاش!
بصلها لأول مرة.
كفاية.
مديت إيدي، أخدت الظرف.
الختم كان لسه سليم.
ماحدش فتحه.
يعني أبويا خده...
لكنه خاف يفتحه.
أو يمكن...
ماكانش يقدر يفتحه لأنه مكتوب باسمي أنا.
فتحت الظرف ببطء.
طلع منه جواب بخط جدي، ومعاه مستند مطوي.
أول سطر في الجواب كان
يا حفيدتي... لو وصلِك الخطاب ده، يبقى فيه ناس حاولت تمنع الحقيقة عنك.
قلبي دق بعنف.
كملت القراءة.
أنا عارف إنك الوحيدة اللي عمرك ما طلبتي مني حاجة، وعشان كده قررت أسيب أمانة في رقبتك.
رفعت عيني للمحامي.
أمانة إيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
كملي.
نزلت عيني على السطور اللي بعدها...
لكن قبل ما أقرأها...
أبويا اتصل.
اسمه ظهر على شاشة موبايلي لأول مرة من ست شهور.
مرة...
اتنين...
تلاتة...
كل اللي في الشقة كانوا باصين للموبايل.
والمحامي قال جملة خلتني أرفع حاجبي
قبل ما تردي... اعرفي إنه عرف إني جيت هنا.
رن الموبايل مرة رابعة...
وبعدها وصلت رسالة واحدة.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
إوعي تقري اللي في الخطاب... لأن أول ما تعرفي الحقيقة، مش هتسامحيني أنا... ولا هتسامحي أمك أبدًا الموبايل فضل في إيدي.
الرسالة قدامي.
وأبويا بيتصل للمرة الخامسة.
عملت كتم للصوت، وحطيته على الترابيزة من غير ما أرد.
بصيت للمحامي.
هكمل.
ندى قامت فجأة.
لأ!
مدت إيدها ناحية الخطاب، لكن كريم وقف بينها وبيني.
خليها تقرأ.
أخدت نفس عميق، وكملت.
لو بتقري الرسالة دي، يبقى غالبًا حصل اللي كنت خايف منه.
أنا بحب أولادي الاتنين، لكني شفت بعيني إن العدل بينهم بقى مستحيل.
وقفت لحظة.
بصيت لأمي.
كانت بتبكي في صمت.
رجعت للخطاب.
لذلك عملت حاجة واحدة بس... سيبت كل حاجة بالقانون، وسيبت الحقيقة في الورق المرفق.
فتحت المستند المطوي.
كان عبارة عن عدة صفحات.
أول صفحة عنوانها
إقرار بتسوية ملكية.
قلّبت الصفحة.
ولقيت توقيع جدي...
وتوقيع أبويا...
وتوقيع شاهدين.
لكن اللي شد انتباهي أكتر كان السطر الأخير.
يقر السيد... بأنه استلم من والده مبلغًا ماليًا كاملًا مقابل تنازله عن أي حقوق مستقبلية في العقار محل الاتفاق.
رفعت عيني للمحامي.
يعني إيه الكلام ده؟
قال بهدوء
يعني والدك اشترى نصيبه من جدك وهو لسه عايش.
ندى شهقت.
إيه؟!
المحامي كمل
جدك دفع له قيمته كاملة وقتها.
أنا لسه مش فاهمة.
وده معناه إيه؟
رد وهو بيشاور على الورقة
معناه إن البيت اللي اترهن... ماكانش من حق والدك يرهنه باعتباره ملكه الشخصي.
أمي غطت وشها بإيديها.
ندى لفت ناحيتها بصدمة.
ماما... الكلام ده حقيقي؟
أمي هزت رأسها ببطء.
أيوه...
حسيت الدنيا بتلف بيا.
يعني بابا كان عارف إنه أخد تمن نصيبه... وبرضه تصرف في البيت؟
المحامي قال
وده مش كل شيء.
طلع ورقة تانية من الملف.
فيه مستند تاني... هو اللي كنت محتفظ بيه.
بصيت للورقة.
كانت مختومة من الشهر اللي فات.
وقال
أنا ماجتش النهارده علشان الخطاب بس...
أمال ليه؟
بصلي مباشرة وقال
لأن البنك بعتلي نسخة من أوراق الرهن... واكتشفت إن فيه توقيع على العقد...
سكت لحظة...
ثم حط الورقة قدامي.
باسمك إنتِ.
اتجمدت.
إيه؟!
خدت الورقة بسرعة.
بصيت على خانة التوقيع...
وكان فعلاً مكتوب اسمي.
لكن...
التوقيع...
ماكانش توقيعي إيدي بدأت ترتعش وأنا ماسكة الورقة.
قربتها من وشي أكتر.
الاسم اسمي...
الرقم القومي رقمي...
حتى عنواني القديم مكتوب صح.
لكن التوقيع...
عمري ما كتبته بالشكل ده.
رفعت عيني للمحامي.
ده مزور.
هز رأسه بهدوء.
أنا عارف.
ندى خطفت الورقة من إيدي، وأول ما شافتها وشها اصفر.
بابا قال إنك وافقت...
صرخت فيها
وافقت إمتى؟! أنا أصلًا معرفش إن في رهن!
أمي انفجرت في العياط.
أنا كنت فاكرة إنك مضيتي... هو قال إنك جيتي المكتب وخلصتي كل حاجة.
المحامي قال بحدة لأول مرة
أنا ما شفتهاش في المكتب ولا مرة.
بصينا له كلنا.
كمل
ولما سألت والدك وقتها، قال إن عنده توكيل.
قلبي وقع.
توكيل؟!
أيوه.
وأنا عمري ما عملتله توكيل.
المحامي فتح الملف وطلع صورة ضوئية.
وده اللي خلاني أرجع أدور.
ناولني الورقة.
كانت صورة لتوكيل رسمي باسمي.
أول ما شفته، عرفت إنه مزور.
صورتي القديمة متلزقة عليه بطريقة بدائية.
وتاريخ الإصدار...
كنت وقتها مسافرة مع كريم برة المحافظة أصلاً.
قلت بصوت مخنوق
إزاي ده اتوثق؟
المحامي تنهد.
وده السؤال اللي لازم النيابة تجاوب عليه.
ندى وقعت على الكنبة وهي بتحط إيديها على راسها.
يعني... إحنا ممكن ندخل في قضية؟
رد عليها بهدوء
دي مش مجرد قضية.
أمال إيه؟
دي سلسلة جرائم... لو ثبت التزوير.
الشقة كلها سكتت.
حتى صوت المطر وقف.
وفجأة...
سمعنا صوت أسانسير العمارة.
بعدها خطوات تقيلة.
خطوة...
وخطوة...
وخطوة...
لحد ما وقفت قدام باب شقتي.
كلنا بصينا ناحية الباب.
ثم...
رن الجرس.
مرة واحدة.
وبعدها صوت أعرفه كويس.
صوت أبويا.
لكن المرة دي...
ماكانش فيه أي هدوء.
كان بيصرخ من برة
افتحوا الباب... قبل ما تسمعوا أي كلام من المحامي!
وبعدين خبط بإيده على الباب وقال
لأن الراجل ده... مخبي عنكم أهم جزء في الحقيقة!كل الأنظار اتجهت للمحامي.
لأول مرة من ساعة ما دخل، ملامحه اتغيرت.
مش خوف...
لكن تردد.
كريم قرب من الباب من غير ما يفتحه.
وقال بصوت عالي
لو عندك حاجة تقولها، قولها من بره.
أبويا رد بعصبية
مش هقول كلمة إلا وأنا جوه.
المحامي اتكلم بهدوء
إوعى تفتح.
بصيتله.
ليه؟
قال وهو ماسك الملف بإيده بقوة
لأن أول ما يدخل، هيحاول ياخد الملف.
في نفس اللحظة...
سمعنا صوت أبويا بيقول من بره
هو معاه ملف بني، صح؟
اتجمدنا.
إزاي عرف؟
المحامي بصلي وقال
واضح إنه كان متابعني.
أبويا كمل وهو بيخبط على الباب
الملف ده ناقص!
ندى بصوت مرتعش
يعني إيه ناقص؟
رد من بره
فيه ورقة هو مخبيها.
المحامي لأول مرة رفع صوته
أنا مخبيتش حاجة.
أبويا ضحك ضحكة قصيرة.
بجد؟
وسكت ثانيتين...
ثم قال
طب ورقة الوصية الأصلية فين؟
سكت المحامي.
السكون اللي حصل بعدها كان أخطر من أي صريخ.
بصيت للمحامي.
هو بيقول إيه؟
اتنهد وقال
النسخة اللي معاكي صورة طبق الأصل.
قلبي دق.
والأصل؟
ما ردش.
كررت السؤال
الأصل فين؟
قبل ما يتكلم...
أبويا صرخ من بره
قولي لها الحقيقة يا أستاذ فؤاد!
المحامي قفل عينيه ثواني، وبعدها قال
الأصل... اختفى.
ندى شهقت.
وأمي همست
يعني حد سرقه؟
المحامي هز رأسه ببطء.
لأ.
أمال؟
بصلنا واحد واحد...
وقال
أنا سلمته لصاحبه.
استغربت.
لصاحبه مين؟
رد بهدوء
جدك... قبل ما يموت بيوم.
اتجمدت مكاني.
إزاي؟!
قال
طلب يشوف الوصية للمرة الأخيرة، وبعدها قال إنه هيحتفظ بالأصل عنده، وأنا احتفظت بصورة موثقة.
أنا حسيت إن الكلام مش راكب.
يعني الأصل كان مع جدي... وبعد وفاته اختفى؟
أيوه.
بصيت ناحية الباب.
أبويا كان ساكت.
سألته بصوت عالي
إنت أخدت الوصية الأصلية بعد وفاة جدي؟
عدت ثواني طويلة...
قبل ما يرد.
أيوه.
أمي بصت ناحية الباب بصدمة.
إنت قلتلنا إنها مش موجودة!
قال من بره
لأنها كانت هتولع البيت.
قلبي انقبض.
فيها إيه؟
رد بصوت هادي لأول مرة
فيها اسم الشخص اللي جدي كان ناوي يحرمه من الميراث... وسبب الحرمان.
كلنا سكتنا.
ثم قال الجملة اللي قلبت كل اللي عرفناه
والاسم ده... مش اسمي.
وتوقف الكلام...
وساد صمت ثقيل، بينما كل واحد في الشقة بدأ يتساءل
إذا لم يكن والدها هو المقصود بالحرمان... فمن كان؟اتجمدت مكاني.
بصيت لأمي.
كانت وشها شاحب، وعينيها بتلف بين الباب والمحامي.
ندى همست
بابا... بتقول إيه؟
جاله الرد من بره بسرعة
بقول الحقيقة.
أنا قربت من الباب، لكن من غير ما أفتحه.
لو مش إنت... يبقى مين؟
سكت ثواني.
لدرجة إني افتكرت إنه مش هيرد.
وبعدين قال
اسألي أمك.
لفيت ناحيتها ببطء.
أمي كانت بتتنفس بسرعة، وإيديها بتترعش.
الكلام ده حقيقي؟
دموعها نزلت من غير صوت.
لكنها ما ردتش.
ندى صرخت
ماما... انطقي!
المحامي حط الملف على الترابيزة وقال
أنا قلت من الأول إن الحقيقة كاملة مؤلمة.
بصيتله بعصبية.
حضرتك تعرف؟
هز راسه.
أعرف جزء.
إيه هو؟
قال بهدوء
آخر مرة شفت فيها جدك، قبل وفاته بساعات، قال جملة عمري ما نسيتها.
سكت لحظة، وكأنه بيراجع الذكرى.
ثم قال
قال لي أنا مش خايف على الفلوس... أنا خايف السر يدفن معايا.
الكلمات وقعت على قلبي تقيلة.
في نفس اللحظة...
أمي انهارت.
وقعت على الكنبة وهي بتبكي بحرقة.
خلاص... كفاية.
ندى جريت عليها.
ماما... في إيه؟
أمي رفعت وشها وهي بتبصلي.
ولأول مرة من سنين، بصتلي من غير قوة... ولا كبرياء.
بصتلي كأنها بتطلب السماح قبل ما تتكلم.
وقالت بصوت مخنوق
أبوكي... عمره ما كان السبب الحقيقي.
أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
أمال مين؟
أغمضت عينيها.
وقبل ما تنطق...
سمعنا صوت حاجة وقعت بره الشقة.
صوت ارتطام قوي.
وبعدين صوت حد بيصرخ في طرقة العمارة
الحقونا... الراجل وقع!
كريم فتح الباب بسرعة.
أبويا كان واقع على الأرض، وسكان العمارة متجمعين حواليه.
لكن الغريب...
إنه كان قابض بإيده على ظرف أبيض صغير.
بقوة.
لدرجة إن محدش قدر يطلعه من بين صوابعه.
وقبل ما يفقد وعيه بلحظة...
فتح عينيه وبصلي مباشرة.
وطلع منه همس بالكاد اتسمع
الظرف... متديهوش... لأي حد...جريت ناحيته من غير ما أفكر.
ندى كانت بتصرخ، وأمي ركعت جنبه وهي بتهز فيه.
أما كريم فاتصل بالإسعاف في نفس اللحظة.
أبويا كان نفسه متقطع.
إيده مقفولة على الظرف بقوة غريبة.
حاولت أفتحه برفق.
فتح عينيه بصعوبة، وبصلي.
وقال بصوت واطي جدًا
وعديني...
قربت ودني منه.
أوعدك بإيه؟
متفتحيهوش... قدامهم.
بصيت ناحية أمي وندى.
كانوا منهارين من العياط.
هزيت راسي من غير ما أتكلم.
بعدها فك صوابعه بنفسه، وحط الظرف في إيدي.
ووصلت الإسعاف بعدها بثواني.
المسعفين نقلوه بسرعة، وطلبوا من شخص واحد يركب معاهم.
ندى طلعت تجري وركبت.
وأمي ركبت وراها.
قبل ما العربية تتحرك، ندى بصتلي من الشباك.
أول مرة ميبقاش في عينيها كره...
كان فيها خوف.
خوف حقيقي.
العربية مشت.
وسابوني أنا وكريم والمحامي واقفين في مدخل العمارة.
بصيت للظرف.
كان قديم.
ومقفول بالشمع الأحمر.
ومكتوب عليه بخط أبويا
لا يُفتح إلا إذا عجزتُ عن شرح الحقيقة بنفسي.
المحامي قرب خطوة.
ممكن أشوفه؟
رجعته لورا.
لأ.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
كويس... دي أول مرة تاخدي
تم نسخ الرابط