ابويا وامي
فيها توقيع مختلف.
لحد ما وصلت لآخر صفحة.
وهناك...
كان فيه اسم واحد متكرر عشرات المرات.
اسم أبويا.
لكن مش كمدين...
ولا كمستفيد.
كان مكتوب جنب اسمه
الوصي.
رفعت عيني للمحامي.
يعني إيه وصي؟
قبل ما يرد...
رن موبايلي.
كان رقم المستشفى.
رديت بسرعة.
صوت الدكتور كان هادئًا جدًا.
وقال
حضرتك لازم تيجي حالًا... والدك أصر يوقّع على إقرار قبل ما يدخل العمليات.
اتجمدت.
عمليات؟!
حالته ساءت فجأة... لكنه رافض يبدأ أي إجراء قبل ما يشوفك.
قفلت المكالمة.
بصيت للدفتر...
ثم للفلاشة...
ثم للمظروف المختوم.
وحسيت إن كل إجابة هتجيب وراها عشر أسئلة جديدة.
يتبع...دخلت أوضة العناية، وقلبي بيدق بعنف.
أبويا كان مرهق جدًا، لكن أول ما شافني ابتسم لأول مرة من سنين.
أشار للممرضة تخرج.
ولما بقينا لوحدنا، قال بصوت ضعيف
أنا غلطت.
فضلت ساكتة.
قال
كل حاجة بدأت بغلط واحد... وكبرت لحد ما خرجت من إيدي.
سألته
الفاتورة كانت غلط برضه؟
نزلت دمعة من عينه.
لأ... دي كانت أكبر غلطة عملتها.
اتصدمت.
ليه عملتها؟
قال
لأننا صرفنا كل اللي نملكه على فرح أختك... واستلفنا فوق طاقتنا. ولما الديون بدأت تخنقنا، خفت أخسركم كلكم... فبدل ما أعترف، بدأت أغطي غلطة بغلط.
طلع نفس طويل، وكمل
الفاتورة ما كانتش عشان الفلوس... كانت عشان أجبرك تدفعي الديون من غير ما تعرفي.
دموعي نزلت لأول مرة.
وزورت توقيعي؟
غمض عينيه.
أنا المسؤول... محدش غيري.
وماما؟
كانت تعرف جزء... لكنها ما كانتش تعرف التزوير.
وندى؟
ولا هي.
سكت لحظة، ثم قال
أنا كنت الوصي على أملاك أبويا... مش المالك. ولما رهنت البيت، كنت فاكر إني هسدده بسرعة. لكن كل حاجة انهارت.
بصيتله وأنا حاسة إن سنين من الغضب قدامي.
قال بصعوبة
الظرف... افتحيه.
طلعت الظرف من الشنطة.
فتحته.
كان فيه جواب واحد.
بخط إيده.
يا بنتي... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا فشلت أصلح اللي عملته وأنا عايش. متسامحنيش إلا لو قلبك يقدر، لكن متكرريش غلطي. الفلوس بتتعوض... أما العيلة لما تتكسر، صعب ترجع.
وفي آخر الجواب...
كان فيه مستند تحويل.
أبويا باع آخر قطعة أرض كانت باسمه، وسدد منها كل الديون، وفك رهن بيت جدي قبل دخوله العمليات بيوم واحد.
المحامي أكد بعدها إن الرهن اتشال رسميًا، وإن البيت رجع باسم الورثة وفقًا لوصية الجد والقانون، وإن التوقيع المزور اتبلغ عنه لإثبات الحقيقة، لكن أبويا اعترف بكل شيء بنفسه قبل وفاته، فتحمل المسؤولية كاملة.
بعد أسابيع...
خرجنا من المحكمة.
ندى وقفت قدامي.
كانت أول مرة تعتذر.
قالت وهي بتبكي
أنا كنت فاكرة إنك بتكرهيني... لكن الحقيقة إننا كلنا كنا ضحية خوف بابا.
حضنتها.
مش لأن كل حاجة اتصلحت...
لكن لأن الكره كان هيضيع اللي باقي من العيلة.
أما أمي...
احتاجت وقت طويل عشان تسامح نفسها.
وأنا؟
عمري ما نسيت الفاتورة.
احتفظت بيها في درج مكتبي.
كل ما أشوفها أفتكر إن أغلى حاجة في الدنيا مش الفرح الكبير... ولا الفلوس...
أغلى حاجة هي الصدق.
لأن كذبة واحدة، مهما كانت صغيرة، ممكن تدمر عيلة كاملة.
تمت.