بعد ثلاث ايام

لمحة نيوز

هيفرق إنك تسمع للنهاية قبل ما تحكم.
مديت إيدي ناحية الطفل.
هات ابني.
هز راسه بهدوء.
هيكون عندك... بس بعد ما تعرف ليه كل ده حصل.
في اللحظة دي سمعت صوت باب المخزن الخارجي بيتقفل بعنف.
لفيت بسرعة.
حد دخل.
خطواته كانت بتقرب.
الراجل بص ناحيتي وقال بسرعة
اسمع كويس... اللي داخل ده ما يعرفش إن الطفل هنا.
قبل ما أسأله...
اتفتح الباب.
دخل كريم.
كان نفسه مقطوع، وكأنه كان بيدور على المكان من فترة.
أول ما شاف الراجل، اتراجع خطوة لورا وقال بذهول
إنت... مستحيل!
الراجل رد عليه بهدوء
واضح إنك افتكرت إني اختفيت.
كريم لف ناحيتي بسرعة وقال
متسمعش منه كلمة! ده السبب في كل اللي حصل.
لكن الراجل قاطعه
لو أنا السبب... قول لأخوك ليه كنت أول
واحد وصلت المستشفى يوم الولادة؟
الصمت نزل على المكان.
بصيت لكريم.
كان بيحاول يلاقي رد.
قلت له
جاوب.
بلع ريقه وقال
كنت... كنت رايح أطمن عليكم.
الراجل ضحك ضحكة قصيرة.
غريبة... لأن سجل الزيارات بيقول إنك دخلت قبل الولادة بساعتين، وخرجت بعد إعلان الوفاة مباشرة.
وش كريم بدأ يفقد لونه.
وقبل ما ينطق...
سمعنا صوت سيارة تقف خارج المخزن.
ثم أبواب اتفتحت.
وأكتر من شخص نزل.
الراجل حضن الطفل بسرعة وقال بصوت منخفض
هما وصلوا... ولسه اللعبة الحقيقية ما بدأتش.
وفي اللحظة نفسها...
انطفأ نور المخزن بالكامل.
وغرق المكان في ظلام تام.
يتبع...الظلام كان خانق.
ماكنتش شايف حتى إيدي.
كل اللي كنت سامعه...
أنفاس كريم السريعة.
وبكاء الطفل اللي رجع يعلى.
وفجأة...
نور كشاف صغير اشتغل.
الراجل الكبير كان ماسكه، ووشه بقى واضح لأول مرة.
بصلي وقال بسرعة
خد الطفل... ومهما حصل ما تسيبوش.
جريت ناحيته.
أول ما شلت الطفل، حضنته بكل قوتي.
كان دافي...
وبيتنفس بهدوء.
في اللحظة دي...
اتفتح باب المخزن بعنف.
ودخل تلات رجالة لابسين أسود.
واحد منهم صرخ
فتشوا المكان!
الراجل الكبير بص لي، وشاور على دولاب حديد ضخم في آخر الأوضة.
فتحت بابه.
لقيت وراه ممر ضيق جدًا.
همس
امشِ... ومتلفتش وراك.
لسه داخل الممر...
سمعت صوت خناقة ورايا.
وصوت حاجة تقيلة وقعت على الأرض.
لكن مقدرتش أرجع.
كل اللي كان يهمني...
إن ابني يفضل في حضني.
الممر انتهى عند باب حديد صغير.
فتحته.
خرجت في فناء قديم تابع للمستشفى.
كنت لسه باخد نفسي...
لما سمعت صوت عربية بتقف قدامي.
الزجاج نزل ببطء.
ولقيت ياسمين قاعدة في المقعد الخلفي.
وشها كان مليان دموع.
بصت للطفل...
وقالت
الحمد لله... لحقناه.
لكن قبل ما أتحرك...
السواق نزل من العربية.
كان لابس بدلة سودة ونضارة.
فتح الباب الخلفي، وقال بهدوء
اركب بسرعة... مفيش وقت.
حاجة جوايا قالتلي أقف.
بصيت للوحة العربية.
مكانش عليها أرقام.
وفي نفس اللحظة...
رن موبايل الراجل الكبير اللي كان حاطه في جيب بطانية الطفل.
استغربت إنه معايا.
رديت بسرعة.
جالي صوته، وكان بيتكلم بصعوبة كأنه مصاب.
قال
إوعى تركب العربية... اللي جواها مش جايين ينقذوك.
بصيت ناحية ياسمين.
كانت بتصرخ
اركب بسرعة!
لكن لأول مرة...
لاحظت إن عينيها مكانوش علىَّ...
كانوا ثابتين على الطفل.
وقبل ما أقرر...
باب العربية الخلفي اتفتح لوحده من الداخل.
وخرجت منه طفلة صغيرة...
أول ما شافت مريم بنت الخدامة اللي كانت وصلت تجري مع أمها...
صرخت بأعلى صوتها
هي دي! هي الست اللي بدلت الأطفال!
وساعتها...
اتجمدت ياسمين في مكانها، ونظراتها اتغيرت تمامًا.
يتبع...الشارع كله سكت.
حتى صوت العربيات اللي كانت معدية كأنه اختفى.
الطفلة كانت بتترعش، ومستخبية ورا ضهري.
شاورِت بإيدها على ياسمين وهي بتقول
أنا شوفتها... يومها كانت لابسة نفس السلسلة.
ياسمين بصتلها بذهول، ثم قالت بعصبية
أنا معرفهاش!
لكن الطفلة هزت راسها بقوة.
إنتِ كنتِ في أوضة الحضّانات... وكنتِ بتتكلمي مع واحدة لابسة بالطو أبيض.
قبل ما حد يرد...
السواق مسك الطفلة من دراعها بعنف.
صرخت.
شديتها منه بسرعة.
وفي اللحظة دي، العربية انطلقت بأقصى سرعة، وياسمين لسه جواها.
وقفت أبص للعربية وهي بتختفي في آخر الشارع.
كنت هاجري وراها...
لكن الراجل الكبير خرج من باب جانبي للمستشفى، وهدومه كانت متقطعة، وفي وشه آثار خناقة.
قال وهو بيلهث
سيبها... هي هترجع بنفسها.
بصيت له باندهاش.
إزاي؟
رد
لأن في حاجة أهم من ياسمين.
أخرج من جيبه ملفًا قديمًا، مربوطًا بشريط أحمر.
كان عليه ختم المستشفى.
ناولني الملف.
افتح.
فتحت أول صفحة.
كانت تقارير ولادة.
الثانية...
شهادات ميلاد.
الثالثة...
صور أطفال حديثي الولادة.
وفجأة...
وقعت من الملف صورة قديمة.
صورة لياسمين.
لكنها ماكنتش لوحدها.
كانت واقفة جنب كريم...
وبينهم نفس الراجل الكبير.
والتاريخ المكتوب خلف الصورة كان قبل زواجي بيخمس سنين.
رفعت الصورة قدامه.
إيه دي؟
تنهد وقال
دي الصورة اللي كنت خايف تشوفها.
لسه هيكمل...
سمعنا صفارات سيارات بتقرب بسرعة.
أكتر من عربية وقفت قدام المستشفى.
ونزل منها رجال بملابس رسمية.
أول واحد فيهم بص للراجل الكبير وقال
أخيرًا لقيناك.
ثم بص لي مباشرة، وقال
قبل ما تسمع أي كلمة منه... لازم تعرف إنه مخبي عنك سر واحد، والسر ده هو سبب كل اللي حصل من البداية.
الراجل الكبير غمض عينيه للحظة...
وقال بهدوء
كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي.
يتبع...الراجل الكبير رفع إيده بهدوء وقال
قبل ما أي حد يتكلم... خلّوا الطفل بعيد عن الزحمة.
واحد من الرجال بالملابس الرسمية قرب خطوة وقال
الملف اللي معاك.
الراجل هز رأسه.
مش قبل ما الأب يعرف الحقيقة.
أنا كنت واقف في النص.
الطفل في حضني.
والملف في إيدي.
وحاسس إن كل واحد قدامي بيشدني في اتجاه.
فتحت الملف بسرعة قبل ما حد يقدر يمنعني.
أول صفحة كانت تقرير ولادة ابني.
التانية كانت نسخة من شهادة الوفاة.
لكن التالتة...
كانت قائمة طويلة فيها أسماء أطفال.
جنب كل اسم تاريخ.
ورقم ملف.
وفي آخر كل سطر ملاحظة قصيرة.
نُقل.
استُبدل.
أُلغي.
اتجمدت.
قلبت الصفحة اللي بعدها.
كان فيها خطاب رسمي، لكن آخره ممزق.
وأول سطر فيه كان
بناءً على البلاغ الوارد عن وجود تلاعب في سجلات قسم حديثي الولادة...
رفعت رأسي بسرعة.
يعني... في شبكة كاملة كانت بتشتغل هنا؟
قبل ما حد يرد...
أحد الرجال قال
وده بالضبط اللي كنا بنحقق فيه.
لكن الراجل الكبير قاطعه فورًا
لا... مش كله.
بصيت له.
قال وهو بيبص في عيني مباشرة
في اسم واحد ناقص من الملف.
مين؟
سكت ثواني...
ثم قال
الشخص اللي كان بيصدر الأوامر.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت موتور عربية بيقف بعنف قدام باب المستشفى.
كل اللي واقفين بصوا ناحية الباب.
نزل شخص لابس بدلة رمادي.
وشه ماكنش باين كويس من بعيد.
أول ما قرب...
الرجال الرسميون اتبادلوا النظرات.
واضح إنهم عرفوه.
أما الراجل الكبير...
فاتغيرت ملامحه لأول مرة.
وقال بصوت منخفض
هو وصل...
الشخص وقف على بعد خطوات مني.
بص للطفل في حضني...
ثم ابتسم ابتسامة غامضة وقال
واضح إن الخطة فشلت.
وقبل ما ينطق بأي كلمة تانية...
رن موبايله.
بص للشاشة...
واختفت الابتسامة من على وشه فجأة.
ثم قال بصوت منخفض جدًا
إيه؟... إزاي خرج من الغرفة؟
رفع عينيه ناحيتي مرة تانية...
وكأن كل الحسابات اللي كانت مرسومة اتغيرت في ثانية واحدة.
يتبع...الست كانت بتبكي وهي ضامة الصورة لصدرها.
قربت منها بهدوء وقلت
حضرتك تقصدي إيه؟
مدت الصورة ناحيتي.
ورّتني ظهرها.
كان مكتوب بخط قديم
غرفة حضانات رقم 3 الساعة 217 صباحًا.
وتحت التاريخ...
توقيع ممرضة.
الراجل الكبير أول ما شاف التوقيع، اتنهد وقال
كنت خايف أشوف الاسم ده تاني.
سألته بسرعة
تعرفها؟
هز رأسه.
كانت آخر واحدة دخلت الحضانة قبل ما كل الكاميرات تفصل.
الرجال الرسميون بدأوا يتبادلوا الكلام بصوت منخفض.
واضح إن الاسم بالنسبة لهم معروف.
لكن قبل ما حد يوضح أي حاجة...
أحد أفراد الأمن جري من ناحية الأرشيف وهو بيصرخ
يا فندم... لقينا أوضة مستخبية!
كلنا اتحركنا وراه.
في آخر الممر كان في باب حديد قديم، وراه حائط متغطي بدولاب ملفات.
الدولاب كان متزحزح كأنه اتفتح قريب.
زقيناه.
ظهر باب صغير.
فتحناه.
الأوضة كانت ضيقة، وفيها مكتب قديم، وخزنة، وشاشة مراقبة مطفية.
لكن أكتر حاجة شدت انتباهي...
حائط كامل متغطي بصور.
صور أطفال.
عشرات الصور.
وتحت كل صورة رقم ملف.
وتاريخ.
وملاحظات مكتوبة بالقلم الأحمر.
قربت وأنا قلبي بيدق.
بدأت أبص على الصور واحدة واحدة.
وفجأة...
لقيت صورة ابني.
نفس البطانية.
نفس الإسورة.
لكن تحتها كانت مكتوبة كلمة واحدة
نُقل.
وبجوارها سهم.
يشير إلى رقم ملف آخر.
مديت إيدي بسرعة وفتحت الدرج اللي تحت الحائط.
كان مليان ملفات.
بدأت أقلب فيها بجنون.
لحد ما لقيت الملف اللي عليه نفس الرقم.
فتحته...
لكن الأوراق اللي جواه كانت كلها ممزقة.
ماعدا ورقة واحدة.
كان فيها عنوان مكتوب بخط اليد.
من غير اسم.
من غير مدينة.
مجرد اسم مكان...
وكأنه كان كفاية لوحده يوصل للحقيقة.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت تكة جاية من الخزنة.
كلنا بصينا ناحيتها.
وبعد ثانيتين...
الخزنة اتفتحت لوحدها ببطء.
وظهر بداخلها صندوق خشبي صغير.
وعلى غطاه من فوق...
كانت محفورة عبارة
لا تفتح الصندوق إلا إذا كنت مستعد تعرف الحقيقة كاملة.
الكل وقف مكانه...
ولا حد مد إيده.
لأن إحساس واحد سيطر علينا جميعًا...
إن اللي جوه الصندوق...
هيغير كل حاجة.
يتبع...اتجمدت مكاني.
الجملة الأخيرة كانت أوضح من أي اعتراف.
إزاي خرج من الغرفة؟
يعني في حد تاني...
وفي غرفة تانية...
ولسه فيه سر مستخبي.
الرجل صاحب البدلة أنهى المكالمة بسرعة، وبص للرجال اللي معاه وقال
فتشوا المكان كله.
لكن قبل ما حد يتحرك...
الراجل الكبير ضحك لأول مرة.
ضحكة قصيرة، واثقة.
وقال
اتأخرتوا.
الرجل رد بعصبية
تقصد إيه؟
الراجل الكبير شاور على الملف اللي في إيدي.
النسخة اللي كنتم بتدوروا عليها... دي مجرد صورة.
شهقت من الصدمة.
يعني إيه صورة؟
رد وهو بيبصلي
الأصل مستخبي في مكان محدش فيهم يعرفه.
الرجل صاحب البدلة فقد أعصابه، وصرخ
امسكوه!
في نفس اللحظة، دوى إنذار الحريق في المستشفى.
الأضواء بدأت تومض.
والناس خرجت تجري من كل الاتجاهات.
وسط الفوضى...
حسيت بحد بيحط ورقة مطوية في جيب الجاكيت بتاعي.
لفيت بسرعة.
ملقتش حد.
فتحت الورقة بسرعة.
كان مكتوب فيها بخط واضح
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة... دور على أم الطفل اللي اتبدل بابنك.
عقدت حاجبي.
يعني إيه؟
الراجل الكبير سمعني، وتنهد وقال
لأن ابنك ماكانش الطفل الوحيد اللي اختفى يومها.
وقبل ما يشرح...
سمعنا صوت ست بتصرخ من آخر الممر
وقفوه!
كلنا بصينا ناحية الصوت.
ست في أواخر الخمسين، شكلها منهار، كانت بتجري وهي ماسكة صورة قديمة.
أول ما وصلت قدامي، بصت للطفل اللي في حضني، وانفجرت في البكاء.
ثم رفعت الصورة قدام وشي.
كانت صورة لطفلين رضّع...
واحد منهم لابس نفس الإسورة اللي في إيد ابني.
أما الطفل التاني...
فكان لابس إسورة عليها اسم مختلف تمامًا.
الست قالت وهي بتنهج
أنا استنيت اتناشر سنة عشان اليوم ده... لأن ابني هو كمان اختفى من نفس المستشفى.
ثم أشارت إلى الصورة، وقالت الجملة التي جعلت الجميع يلتفت إليها في صدمة
والطفلين دول... خرجوا من غرفة واحدة، وفي نفس الدقيقة.
يتبع...وقفت قدام الشاشة وأنا مش قادر أستوعب.
لسه فيه طفل مفقود.
الجملة فضلت تلف في دماغي.
بصيت للطفل اللي في حضني، ثم للملفات
تم نسخ الرابط