حماتي حكايات بسمه
المحتويات
يسحب من الحساب المشترك... من غير توقيعها في كل مرة.
الكل بصلي.
قلت بهدوء
أنا كنت فاكرة إن الورق اللي مضيته وقت فتح الحساب مجرد إجراءات عادية.
جوزي حاول يتكلم
الموظف قال وقتها إن ده هيسهل التعامل...
قاطعته
صح... هيسهل التعامل في مصاريف البيت، مش في تحويلات محدش يعرف عنها حاجة.
حماتي حاولت ترجع تهاجمني.
يعني البنك وافق... يبقى مفيش مخالفة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أنا مقولتش إن فيه مخالفة.
ثم سحبت الورقة الثانية من الظرف.
المهم هو اللي مكتوب هنا.
جوزي أول ما لمح الورقة الثانية، قام من مكانه بعصبية.
كفاية!
لكن أخوه وقف قدامه ومنعه.
لا... المرة دي هنسمع للآخر.
مسكت الورقة، ونظرت إليها لثوانٍ، ثم قلت
دي مش ورقة من البنك... دي نسخة من إقرار بخط إيد جوزي، كتبه بنفسه بعد آخر سحب كبير.
ساد صمت ثقيل.
حتى الأطفال اللي كانوا بيلعبوا في الصالة، صوتهم اختفى.
رفعت الورقة قليلًا وقلت
الإقرار ده فيه جملة واحدة... هي اللي خلتني أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد مساعدة بين إخوات.
وتوقفت عن القراءة، بينما كانت كل العيون معلقة بالورقة، وجوزي واقف مكانه وكأنه يعرف أن الكلمات المكتوبة فيها إذا خرجت للنور، فلن يعود أي شيء في العائلة كما كان أخدت نفسًا هادئًا، وبصيت حواليا.
كل واحد على السفرة كان مستني أقرأ.
فتحت الورقة، وقلت
الإقرار مكتوب بخط إيده، وبيقول...
وتعمدت أسكت ثانيتين.
جوزي صرخ
متقريش!
لكن أخوه رد عليه بحزم
خليها تكمل.
نزلت عيني على الورقة، وبدأت أقرأ
أُقر أنا... أن جميع المبالغ التي تم تحويلها خلال الفترة الماضية تمت بإرادتي الكاملة، دون علم زوجتي، وأتحمل وحدي مسؤولية هذا القرار.
حماتي قالت بسرعة
أهو اعترف إنه هو المسؤول... خلاص بقى.
هزيت رأسي.
استني يا طنط... الإقرار لسه مخلصش.
كملت القراءة
وأتعهد بسداد جميع المبالغ إلى الحساب المشترك من مالي الخاص، حتى لا تتحمل زوجتي أي خسارة مالية.
أخو جوزي رفع رأسه فجأة.
يعني إنت كنت عارف إن اللي عملته غلط.
جوزي رد بصوت مكسور
أنا كنت ناوي أعوض كل جنيه.
قلت بهدوء
بس عمر التعويض ما حصل.
قلبت الصفحة.
كانت فيها كشف بالمبلغ الإجمالي.
أخو جوزي أول ما شاف الرقم، شهق.
المبلغ ده كله؟!
ضرتي قربت تشوف، وأول ما وقعت عينها على الرقم، وشها شحب.
حماتي سألت بلهفة
كام؟
لكن محدش رد عليها.
فضلت عيونهم كلها على الورقة.
قلت
عارفين إيه أغرب حاجة؟
الكل بصلي.
إن الرقم ده مش أكبر صدمة بالنسبة لي.
جوزي غمض عينه، وكأنه عارف اللي جاي.
قلت
أكبر صدمة كانت تاريخ كتابة الإقرار.
أخو جوزي بص للتاريخ، واتجمد مكانه.
ده... ده مكتوب من سنة ونص!
هزيت رأسي.
يعني من سنة ونص وهو عارف إنه لازم يرجع الفلوس، ومع ذلك كل مرة كان يقول لي اصبري... الظروف صعبة.
ساد صمت ثقيل.
وفجأة، رن جرس الباب.
الخادمة راحت تفتح.
بعد لحظات رجعت وهي ماسكة ظرفًا بنيًا كبيرًا.
قالت
فيه مندوب جه مخصوص، وقال لازم يسلمه للأستاذ بنفسه.
جوزي أول ما شاف شعار الجهة المطبوع على الظرف، فقد لونه تمامًا.
وقبل ما أي حد يسأله، همس لنفسه بصوت بالكاد اتسمع
إزاي وصل دلوقتي؟!كل الأنظار اتجهت ناحية الظرف البني.
المندوب كان لسه واقف على الباب، وقال
حضرتك الأستاذ...؟
جوزي رد بسرعة وهو بيحاول يخفي ارتباكه
أيوه... أنا.
مد إيده ياخد الظرف، لكن المندوب قال
بعد إذنك، لازم توقع بالاستلام الأول.
وقع بسرعة، وقفله قبل ما حد يلمح المكتوب عليه.
لكن أخوه قال
استنى... إيه الجهة اللي بعتاه؟
جوزي رد وهو بيحطه تحت دراعه
ورق خاص بالشغل.
ابتسمت وأنا أبص للظرف.
غريبة... أصل الشغل عندك عمره ما كان بيبعت مكاتيب للبيت يوم إجازة.
اتوتر أكتر، وقال بنبرة حادة
قولتلك مالكيش دعوة.
وقبل ما يتحرك، ابنه الصغير جري عليه وهو بيضحك
بابا... الظرف اتقطع.
من غير قصد، طرف الظرف اتفتح، ووقعت منه ورقتين على الأرض.
أخو جوزي انحنى بسرعة يلمهم.
لكن أول ما بص في أول سطر، سكت تمامًا.
جوزي حاول يخطف الورق من إيده، إلا إن أخوه بعده عنه وقال
إنت مخبي إيه تاني؟
حماتي قامت من مكانها وهي بتقول
هات أشوف.
لكن أخو جوزي فضل باصص في الورقة، وبعدين قال ببطء
دي... مش ورق شغل.
ضرتي سألت بخوف
أمال إيه؟
رفع الورقة شوية، وقال
دي مطالبة رسمية برد مبلغ مالي.
جوزي قاطع بسرعة
الموضوع بسيط... سوء تفاهم.
لكن أخوه قلب الصفحة التانية، واتغيرت ملامحه أكتر.
لا... ده مش سوء تفاهم.
سكت ثواني، ثم بص لأخوه مباشرة وقال
المطالبة دي مرتبطة بنفس التحويلات اللي كانت من الحساب المشترك.
بصيت لجوزي، لكنه كان واقف ساكت، لأول مرة من بداية الجلسة.
قلت بهدوء
واضح إن في حاجة أكبر إحنا لسه ما نعرفهاش.
حماتي بدأت تبص بين ابنها وبين الورق، والقلق باين على وشها.
أما أخوه، فطوى الورقتين ببطء، وقال
قبل ما أي حد يتكلم... أنا محتاج أفهم إزاي التحويلات دي خلت جهة رسمية تبعت مطالبة بالمبلغ.
وجوزي... نزل رأسه، وأغمض عينيه، وكأنه عرف أن الحقيقة الكاملة لم يعد ممكنًا إخفاؤها، لكن أحدًا في الغرفة لم يكن يعرف بعد ما الذي تخفيه بقية الأوراق داخل الظرف أخو جوزي ظل ماسك الورقة بإيد مرتعشة، وعينه رايحة جاية بين الاسم المكتوب وبين أخوه.
حماتي مقدرتش تستحمل أكتر.
قالت بانفعال
حد يفهمني! اسم مين؟
أخو جوزي أخد نفسًا طويلًا، لكنه مطلعش الاسم.
بص لأخوه وقال
قول لهم بنفسك.
جوزي قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
لأول مرة، شكله كان منهار فعلًا.
أما أنا، فقلت بهدوء
أنا مش فارق معايا الاسم بقدر ما فارق معايا الكذب.
ضرتي مسحت دموعها وقالت
والله العظيم لو ليّا علاقة بأي حاجة زيادة عن اللي عرفته، أنا أول واحدة همشي من البيت.
بصيت لها وقلت
وأنا مصدقاكي... لأن الورق نفسه بيقول إن أغلب التحويلات كانت بتتم من غير ما حد منكم يعرف.
الكل بصلي باستغراب.
حتى جوزي رفع رأسه فجأة.
قلت
لما راجعت التواريخ، لقيت إن فيه تحويلات اتعملت في أيام كان أخوه مسافر فيها، وفي أيام ضرتي كانت أصلًا عند أهلها.
أخو جوزي قال باستغراب
يعني الفلوس ما وصلتش لينا؟
هزيت رأسي.
مش كلها.
حماتي عقدت حاجبيها.
أمال كانت بتروح فين؟
سكتُّ لحظة، ثم لمست الورقة اللي في إيد أخو جوزي.
الاسم اللي قدامك هو اسم صاحب الحساب.
قبل ما ينطق، جوزي وقف بسرعة وقال
كفاية!
أخو جوزي قال بحزم
لا... المرة دي مش هسكت.
بدأ يقرأ الاسم بصوت منخفض...
لكن في اللحظة دي، دوّى صوت تكسير من المطبخ.
الكل جري ناحية الصوت.
لقينا ابن ضرتي الصغير وقع منه طبق العصير، واتكسر على الأرض.
الدنيا اتلخبطت لدقائق.
الأطفال بيعيطوا، والستات بتنضف، والكلام اتقطع.
استغل جوزي الزحمة، ومد إيده بسرعة على الورقة اللي كانت فوق الترابيزة.
لكن أول ما لمسها، أخوه مسك إيده بقوة.
وقال له وهو بيبص في عينيه
متفكرش تمزقها... لأن واضح إن عندها نسخة تانية.
ابتسمت بهدوء، وربتُّ على شنطتي.
مش نسخة تانية بس...
وسكت.
كلهم بصوا لي.
قلت
فيه مكان أمين حاطة فيه كل أصل، وكل كشف، وكل رسالة من أول يوم بدأت أشك.
ملامح جوزي اتغيرت تمامًا.
واضح إنه أدرك إن الموضوع خرج من مجرد خناقة عائلية، وبقى ملف كامل، لكنه لم يكن يعرف بعد ما هو الدليل الأخير الذي ما زلت أحتفظ به ولم أخرجه حتى الآن أخو جوزي حط الورقتين على الترابيزة، وقال بهدوء غريب
أنا مش هسأل تاني... هديك فرصة تقول الحقيقة بنفسك.
جوزي فضل ساكت.
حماتي قربت منه وربتت على كتفه.
اتكلم يا ابني... أكيد في تفسير.
رفع رأسه ببطء، وقال
التفسير موجود... بس مش هيعجب حد.
قلت
إحنا من أول العزومة بنسمع إن كل حاجة ليها تفسير. قول بقى.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال
أول سنة كنت بساعد أخويا فعلًا.
أخو جوزي قاطعه فورًا
أنا قلتلك قبل كده متبعتش
متابعة القراءة