حماتي حكايات بسمه
مني أراجع حساباته، لأنه كان ناوي يعمل تسوية مالية بينه وبين أكتر من طرف.
أخو جوزي سأله بسرعة
تسوية مع مين؟
رد
ده اللي كنت هشرحه.
قلب الصفحة، وطلع جدول.
كان فيه أسماء، ومبالغ، وتواريخ.
لكن أول اسم كان مغطى بورقة صغيرة.
قال
أنا غطيت الاسم احترامًا للخصوصية، لأن الشخص ده مش موجود هنا.
جوزي قال بصوت متعب
لو سمحت... بلاش.
المحاسب هز رأسه.
أنا وعدتك إني هديك فرصة تعترف بنفسك، لكن إنت سكت.
وبعدين بص ناحيتي.
حضرتك... هل كنتِ تعرفي إن جوزك كان كاتب وصية مالية؟
شهقت من المفاجأة.
وصية؟
قال
أيوه... وصية خاصة بتوزيع التزاماته لو حصله أي ظرف.
الكل بص لجوزي.
حتى حماتي قالت بدهشة
وصية؟ وإحنا منعرفش؟
قال المحاسب
الغريب إن أول بند فيها مش خاص بأمه، ولا أخوه، ولا أي حد من العيلة.
سكت لحظة، وهو بيقلب الصفحة.
أول بند كان بيقول أي مبلغ خرج من الحساب المشترك بدون علم زوجتي، يُعاد كاملًا إليها قبل تنفيذ أي التزام آخر.
أخو جوزي رفع عينه لأخوه في ذهول.
يعني... إنت كنت ناوي ترجع كل حاجة؟
جوزي هز رأسه ببطء.
أيوه.
قلت وأنا ببصله لأول مرة من بداية الجلسة
ولو كنت ناوي... ليه ما قلتش الحقيقة؟
فتح بقه يرد...
لكن المحاسب رفع إيده وقال
الإجابة موجودة في آخر صفحة.
جوزي قال بعصبية
لا... الصفحة دي لأ.
المحاسب رد بهدوء
دي الصفحة الوحيدة اللي هتفسر كل اللي حصل.
ثم وضع يده على آخر صفحة، واستعد لقلبها، بينما كانت أنفاس كل من في الغرفة محبوسة، في انتظار ما تحتويه تلك الصفحة التي ظل جوزي يحاول إخفاءها حتى اللحظة في صباح اليوم التالي، لم ينم أحد تقريبًا.
المفتاح ظل في مكانه على السفرة، وكل واحد يمر من جانبه ينظر إليه ثم يكمل طريقه.
الساعة بقت التاسعة...
ثم العاشرة...
وجوزي لم يظهر.
حماتي بدأت تمشي في الصالة وهي تقول
أكيد هييجي... هو وعد.
لكن أخوه كان كل شوية يبص في ساعته، وملامحه بتقول إنه فقد الأمل.
أما أنا، فكنت قاعدة في هدوء، أراقب الباب.
عند الحادية عشرة إلا ربعًا، رن هاتف المحاسب.
رد، واستمع لثوانٍ، ثم أغلق المكالمة ببطء.
كلنا بصينا له.
قال
الأستاذ مش هيقدر ييجي.
حماتي شهقت
ليه؟
رد
مقالش... لكنه طلب مني أقولكم تفتحوا الخزنة.
ساد صمت ثقيل.
أخو جوزي مد إيده ناحية المفتاح، لكنه توقف.
بصلي وقال
بما إن الحساب حسابكم... إنتِ اللي افتحيها.
أخذت المفتاح، وشعرت ببرودته في إيدي.
طلعنا كلنا على المكتب.
الخزنة كانت مستخبية خلف لوحة كبيرة على الحائط.
دخلت المفتاح.
لفّ مرة...
واتنين...
ثم سمعنا صوت تك.
فتحت الباب ببطء.
الغريب إن الخزنة ما كانتش مليانة فلوس ولا دهب.
كان فيها ثلاث حاجات فقط
ملف أسود.
فلاشة صغيرة.
ظرف أبيض مكتوب عليه بخط إيد جوزي
لا يُفتح إلا بحضور الجميع.
حماتي قالت بسرعة
افتحيه.
لكن قبل ما ألمس الظرف، لقيت الفلاشة وعليها ورقة لاصقة صغيرة مكتوب فيها
شاهدوا التسجيل أولًا.
أخو جوزي أخذ الفلاشة وقال
هاتوا اللاب.
بعد دقائق، اشتغل الفيديو.
ظهر جوزي على الشاشة، قاعد في نفس المكتب، ونفس الملابس اللي كان لابسها قبل أسبوع.
بص مباشرة للكاميرا، وقال
لو أنتم بتشوفوا الفيديو ده... يبقى أنا مقدرتش أقول الحقيقة بنفسي.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
وأول حاجة لازم تعرفوها... إن كل اللي حصل في السنتين اللي فاتوا، بدأ بسبب قرار واحد أخدته في يوم واحد... والقرار ده هو اللي دمّر بيتي.
وفجأة توقف الفيديو، وظهرت رسالة على الشاشة
الجزء الثاني من التسجيل محمي بكلمة مرور.
الكل اتجمد.
أخو جوزي قال باستغراب
كلمة مرور؟
نظرت إلى الفلاشة مرة أخرى، ولاحظت لأول مرة أن على ظهرها أربعة أرقام صغيرة محفورة، لكن لم يكن واضحًا إن كانت هي كلمة المرور... أم مجرد رقم لا علاقة له بالتسجيل بعد لحظات من الصمت، قلت
مش لازم نفتح الفيديو... ولا الخزنة... ولا أي ورقة تانية.
الكل بصلي باستغراب.
أخو جوزي قال
بعد كل اللي وصلنا له؟
هزيت رأسي.
لأن الحقيقة اللي كنت بدور عليها خلاص عرفتها.
بصلي جوزي وعينه مليانة ندم.
قلت له
أنا ما زعلتش عشان الفلوس... زعلت لأنك كنت كل مرة تخليني أحس إني قليلة، وإن طلباتي حمل عليك، بينما الحقيقة إنك كنت بتصرف آلاف الجنيهات من غير حتى ما تقولي.
نزل رأسه، والدموع لمعت في عينه.
وقف قدام الكل وقال
أنا غلطت... ومفيش مبرر. ظلمت مراتي، وخلّيت أمي تفتكر إنها أنانية، وخلّيت أخويا يعيش وهو فاكر إنه سبب مشاكل بيتي.
أخو جوزي رد بحزم
من النهارده، أي مساعدة بينا هتبقى بعلم زوجاتنا، أو بلاش منها.
أما ضرتي، فقامت من مكانها وقالت وهي بتبكي
أنا ماكنتش أعرف إن أي حاجة اتجابت لبيتي كانت سبب في كسر قلب حد.
حماتي كانت أول مرة تسكت تمامًا.
وبعد دقائق، قامت، وقربت مني، وقالت بصوت مكسور
أنا ظلمتك... كنت بسمع طرف واحد، وعمري ما سألتك إنتِ.
ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت
الاعتذار بيرجع الكرامة... لكنه مش بيرجع السنين.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى البنك.
أغلقنا الحساب المشترك، وتمت تسوية كل المبالغ التي خرجت منه، وأعاد جوزي كل جنيه أخذه دون علمي.
وبعدها بأيام، اتخذت قراري الأخير.
لم أطلب تعويضًا، ولا ذهبًا، ولا تلاجة جديدة.
طلبت شيئًا واحدًا فقط...
الطلاق.
لأن المشكلة لم تكن في المال، بل في الثقة.
وخرجت من المحكمة وأنا أشعر بخفة لم أشعر بها منذ سنوات.
بعد عدة أشهر، اشتريت أول تلاجة من مالي الخاص.
وعلّقت عليها ورقة صغيرة كتبت فيها
البيت لا ينهار عندما تقل الفلوس... بل عندما تغيب الأمانة.
تمت.