حماتي حكايات بسمه
المحتويات
فلوس.
هز رأسه.
عارف... ومن بعدها بطلت أبعتلك.
سألته
أمال الفلوس كانت بتروح لمين؟
سكت.
حماتي بدأت تتوتر.
رد يا ابني.
قال بصوت خافت
كنت بحولها لحساب تاني.
ضرتي شهقت.
حساب مين؟
رد بسرعة
مش دلوقتي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
بس الظرف اللي وصلك واضح إنه عايز يقول دلوقتي.
أخو جوزي مد إيده ناحية الظرف البني، وطلع باقي الأوراق.
كان بينهم كشف تحويلات جديد.
لكن المرة دي... اسم المستفيد متغطي بشريط أسود، وكأن حد حاول يخفيه.
أخو جوزي قال باستغراب
ليه الاسم متغطي؟
قلت
لأن دي نسخة وصلت له هو.
ثم فتحت شنطتي مرة تانية.
حماتي بصتلي بدهشة.
لسه عندك ورق؟
قلت
أنا من يوم ما بدأت أجمع، قررت مجيبش حاجة ناقصة.
طلعت نسخة تانية من نفس الكشف.
لكن النسخة دي... الاسم فيها واضح بالكامل.
جوزي أول ما شافها، قام من مكانه بسرعة.
إنتِ جبتيها منين؟!
ابتسمت بهدوء.
ده السؤال اللي كان لازم تسأله لنفسك قبل ما تستخبى ورا كلمة ظروف.
أخو جوزي مد إيده وقال
اديني الورقة.
ناولته النسخة.
أول ما قرأ الاسم، وسّع عينيه في ذهول.
بص مرة على الورقة... ومرة على جوزي.
وضرتي بدأت تبكي وهي بتقول
لا... مستحيل.
حتى حماتي، اللي كانت طول الوقت بتدافع عنه، اتغيرت ملامحها وهي تقول
الاسم ده... إزاي؟
أما أنا، فاكتفيت إني أقفل الملف بهدوء وأقول
واضح إن الحكاية من البداية ما كانتش مجرد مساعدة بين إخوات... والاسم المكتوب في الورقة هيغير نظرة كل واحد في البيت، لكن لسه محدش نطق به تبادل الجميع النظرات في صمت.
أخو جوزي كسر السكوت وقال
أنا مش فاهم... إنت واقع في مشكلة مع مين؟
جوزي أخد نفسًا طويلًا، وبدا كأنه هيحكي، لكنه وقف فجأة لما سمع صوت جرس الباب بيرن للمرة التانية.
الخادمة راحت تفتح.
رجعت بعد لحظات وهي بتقول
في راجل بره بيقول إنه ميعادُه مع الأستاذ، ومش هيمشي غير لما يقابله.
حماتي قامت وهي متوترة.
قوله مش موجود.
لكن صوت الراجل وصل من بره قبل ما الباب يتقفل
هو موجود... وعارف أنا جاي ليه.
جوزي غمض عينه للحظة، وكأنه استسلم.
أخو جوزي قال
دخله.
بعد ثواني دخل رجل في الخمسينات، ماسك حقيبة جلد سوداء.
سلّم على الموجودين، وقال بهدوء
أنا آسف إني جيت من غير ميعاد... لكن الموضوع مينفعش يتأجل.
حط الحقيبة على الترابيزة، وفتحها.
طلع منها ملف أزرق سميك.
بص لجوزي وقال
أنا ادّيتك مهلة شهر.
ثم بص في ساعته.
والنهارده آخر يوم.
حماتي سألت بقلق
حضرتك مين؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال
أنا مجرد شخص جاي يسلّم ورق... لكن اللي فيه هيجاوب على أسئلة كتير.
مد الملف ناحية جوزي.
لكن قبل ما ياخده، قال الرجل
بالمناسبة... أنا كنت أتمنى إن مراتك تكون موجودة.
ابتسمت وقلت
أنا موجودة.
التفت ناحيتي، وظهرت الدهشة على وشه.
كويس... لأن فيه مستند من ضمن الملف محتاج توقيعك، ومحتاج كمان تعرفي ليه اسمك مذكور فيه، رغم إنك بتقولي إنك مكنتيش تعرفي أي حاجة.
كل الموجودين بصوا لي في صدمة.
أما أنا... فشعرت لأول مرة إن الموضوع أكبر حتى من التحويلات اللي جمعتها.
مد الرجل يده داخل الملف، وأخرج مستندًا، لكنه لم يفتحه بعد، وقال
قبل ما حد يمضي أو يتكلم... لازم الكل يعرف القصة من أولها.
وتوقفت الأنظار عند المستند المغلق، بينما ظل الجميع ينتظر ما الذي سيكشفه، دون أن ينطق الرجل بكلمة أخرى بعد رجعت قعدت على الكرسي بهدوء، بينما الكل رجع يبصلي.
جوزي قال بصوت متوتر
إنتِ عايزة توصلي لإيه؟
قلت
ولا حاجة... أنا بس عايزة الحقيقة.
أخو جوزي حط الورقة قدامه وقال
وأنا كمان.
حماتي حاولت تهدي الجو.
يا جماعة، مهما حصل، دي عيلة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
عشان كده استحملت سنتين كاملين قبل ما أفتح الملف ده.
الجملة دي خلت الكل يسكت.
كملت
أول مرة شفت تحويل غريب، قلت أكيد ظرف. تاني مرة قلت مساعدة. تالت مرة بدأت أشك.
طلعت من الملف ورقة صغيرة.
دي أول ورقة طبعتها.
وبعدين طلعت ورقة أكبر.
ودي بعد ست شهور.
ثم حطيت رزمة أوراق على الترابيزة.
ودي بعد سنتين.
أخو جوزي قلب في الرزمة وقال بدهشة
إنتِ متابعة كل حركة؟
قلت
لأ... كنت بدور على سبب واحد يخليني أقول إني ظلمته.
سكت الجميع.
وأضافت
لكن كل ورقة كانت بتأكد اللي قبلها.
جوزي رفع رأسه وقال لأول مرة بنبرة هادئة
أنا غلطت.
حماتي التفتت له بسرعة.
يعني إيه غلطت؟
قال
غلطت لما خبيت.
أخو جوزي سأله
بس خبيت إيه بالضبط؟
بلع ريقه، وكأنه هيجاوب.
لكن في نفس اللحظة، رن موبايل حماتي.
بصت للشاشة وقالت
ده خالك.
ردت عليه، وبعد ثواني اتغير لون وشها.
قالت
إيه؟!... إنت متأكد؟
قفلت المكالمة ببطء.
كلنا بصينا لها.
قالت وهي بتبص لجوزي
خالك بيقول إن في حد راح يسأل عنه النهارده... وكان معاه صورة ليك، وبيسأل عن عنوانك.
ساد صمت ثقيل.
أخو جوزي سأل
مين؟
حماتي هزت رأسها.
مقالش... بس قال إن الراجل كان ماسك ملف كبير، وقال إنه لازم يقابل ابني في أقرب وقت.
جوزي غمض عينيه، وكأنه كان متوقع الخبر.
أما أنا، فبصيت للملف اللي قدامي، وقلت في هدوء
واضح إن اللي جمعته أنا... مش الوحيد اللي بيتجمع من فترة.
وانتهى الكلام عند هذه اللحظة، بينما ظل الجميع يتساءل من هو الشخص الذي يبحث عن جوزي؟ وما الذي يحمله في ذلك الملف؟ دون أن تنكشف الحقيقة بعد المحاسب أمسك آخر صفحة، لكنه ما قلبهاش على طول.
بص لجوزي وقال
آخر مرة اتقابلنا، قلتلي بالحرف لو اضطريت، افتح الصفحة دي قدامهم كلهم.
جوزي قفل عينيه، وكأنه استسلم.
حماتي بصت له باستغراب.
إنت كنت متوقع إن اليوم ده ييجي؟
مردش.
قلب المحاسب الصفحة ببطء، وقال
الصفحة دي مش فيها أرقام... فيها إقرار مكتوب بخط إيد الأستاذ.
وبدأ يقرأ
أنا المسؤول الوحيد عن كل قرار مالي اتخذته، ولا تتحمل زوجتي أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية عن أي مبلغ خرج من الحساب المشترك.
تنفست براحة لأول مرة.
لكن المحاسب كمل القراءة
وأعترف أنني أخفيت عنها الحقيقة، لأنني كنت أخشى أن تعرف السبب الحقيقي للتحويلات.
أخو جوزي قال بسرعة
خلاص... قول السبب.
سكت المحاسب، وقفل الورقة.
وقال
السبب مش موجود هنا.
الكل اتصدم.
حماتي قالت بانفعال
يعني إيه مش موجود؟
رد بهدوء
لأن الأستاذ طلب مني أحتفظ بالجزء ده في مظروف منفصل، وقال ما يتفتحش إلا إذا أنا وافقت.
جوزي رفع رأسه لأول مرة.
ووافقت؟
المحاسب رد
لأ... لحد النهارده موافقتش.
ساد الصمت.
أخو جوزي بص لأخوه وقال
يبقى قول إنت.
جوزي شبك إيديه، وظل ساكت لثوانٍ طويلة.
ثم قال بصوت منخفض
لو قلت الحقيقة... في ناس هتتجرح، وفي علاقات هتنتهي.
قلت بهدوء
العلاقات اللي مبنية على الكذب، هي أصلًا منتهية.
رفع عينه ناحيتي، وكأنه كان بيدور على أي مخرج.
ثم قال
ادوني الليلة دي بس... وبكرة الصبح هجمعكم كلكم، وهقول الحقيقة من أولها لآخرها... من غير ورق، ومن غير محاسب.
أخو جوزي رد بحزم
ولو ما جيتش؟
جوزي مد إيده في جيبه، وطلع مفتاحًا صغيرًا.
حطه فوق الترابيزة.
وقال
لو ما جيتش... افتحوا الخزنة اللي في المكتب بالمفتاح ده.
الكل بص للمفتاح.
أما أنا، فلاحظت إن عليه رقمًا صغيرًا مكتوبًا بقلم أسود.
المحاسب أول ما شاف الرقم، اتغيرت ملامحه وقال
إنت لسه محتفظ بنفس الخزنة؟
جوزي هز رأسه.
المحاسب تنهد وقال
إذن... كل الإجابات ما زالت جواها.
وانتهت الليلة على هذا المشهد، بينما ظل المفتاح في منتصف الترابيزة، دون أن يجرؤ أحد على لمسه، وكل واحد يتساءل ماذا تخفي تلك الخزنة التي جعلت جوزي يفضل مواجهة عائلته كلها، على أن تُفتح قبل أن يتكلم؟الرجل حط المستند قدامه، وبص لكل واحد على السفرة قبل ما يتكلم.
وقال بهدوء
أنا محاسب قانوني، ومش جاي أتهم حد... أنا جاي أقفل ملف بقاله أكتر من سنتين.
جوزي نزل راسه، وكأنه كان عارف إن اللحظة دي هتيجي.
حماتي قالت بتوتر
ملف إيه؟
فتح الرجل أول صفحة، وقال
قبل سنتين، الأستاذ... وأشار ناحية جوزي، طلب
متابعة القراءة