ماكنتش تعرف
ماكنتش تعرف إن جوزها فاكرها موظفة عادية وهو أصلًا متجوز صاحبة شركة طيران بمليارات.
طول سنين جوازهم، عاش معاها وهو شايف إنها ست بسيطة، هادية، ملهاش علاقة بعالم البيزنس والمليارات. كانت بتلبس لبس عادي، وتهتم ببيتها وابنها، وتخليه يفتكر إنها مجرد زوجة بتعيش على راتبه.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا
هي كانت صاحبة أكبر شركة طيران، والمالكة الحقيقية للإمبراطورية اللي هو نفسه كان بيفتخر إنه واحد من مديريها.
بس عمرها ما قالت له.
كانت عايزة تعرف هل هيحترمها لأنها هي ولا عشان اسمها وثروتها.
وفي يوم السفر
كانوا واقفين عند بوابة المطار، وابنهم الصغير بين إيديها، جسمه سخن ووشه مرهق.
جاء أول نداء للركاب، وفي نفس اللحظة بص جوزها في ساعته، ثم شال ابنه وحطه في حضنها وقال ببرود
خديه وارجعي البيت أنا مش هفوّت الطيارة عشان شوية سخونية.
حضنته أكتر وهي حاسة إن حرارته عالية.
وقالت بقلق
دي مش سخونية عادية الدكتور قال لو تعبان لازم يتكشف عليه فورًا.
بص لها بضيق وقال
إنتِ أمه تصرفي.
وقبل ما ترد، ظهرت زوجته الثانية التي كانت مسافرة معه.
اقتربت منه وقالت بهدوء
يلا البوابة هتقفل.
كانت تقف بجانبه بثقة، وكأنها صاحبة القرار.
أما هو، فاختار يذهب معها.
وقبل أن يتحرك، قالت له زوجته الأولى
هتسيب ابنك وهو تعبان وتمشي؟
توقف للحظة
لكن بعدها قال
هكلمك لما أوصل.
ومشى.
من غير ما يعرف إن اللحظة دي كانت بداية سقوط كل شيء بناه.
بعد دقائق، اضطرت تنقل ابنها للمستشفى.
وبعد الفحوصات، قال الطبيب
ابنك عنده التهاب شديد، وكان لازم يتكشف عليه بسرعة.
جلست بجانبه طوال الليل، تمسك يده الصغيرة، بينما هاتفها لا يتوقف عن الرسائل.
لكن جوزها لم يأتِ.
كان يرسل فقط
طمنيني عليه.
وفي نفس الوقت، كان يتعامل وكأن حياته لم تتغير.
بعد ثلاثة أيام
دخلت عليها والدته وهي تحمل ملفًا.
وضعته أمامها وقالت
دي أوراق الطلاق.
رفعت عينيها بهدوء.
فتحت الملف، فوجدت طلبات كثيرة، منها التنازل عن بعض الحقوق، ومحاولة إثبات أنها غير قادرة على تحمل مسؤولية الطفل.
ابتسمت بهدوء وأغلقت الملف.
وقالت
مش همضي.
ضحكت حماتها بسخرية
إنتِ فاكرة إنك تقدري تقفي قدامنا؟ ابني بقى له مكانة كبيرة في الشركة، وإنتِ مجرد ست عادية.
نظرت لها للحظات
ثم قالت
أحيانًا الناس بتغلط لما تحكم على اللي قدامها من شكله.
خرجت حماتها وهي غير فاهمة معنى كلامها.
وبعدها بدقائق
نظرت لابنها النائم على السرير.
ثم أخرجت من حقيبتها دبوسًا صغيرًا على شكل جناحين.
كان نفس الدبوس الذي احتفظت به لسنوات.
أمسكته بين أصابعها وقالت
كفاية سكوت.
ثم أخرجت هاتفها، واتصلت برقم لم تستخدمه منذ سنوات.
جاءها الرد فورًا
تحت أمرك يا فندم.
قالت بصوت هادئ
اجمع مجلس الإدارة وابدأوا مراجعة كاملة لكل ملفات محمود من يوم دخوله الشركة.
سكت الرجل لحظة، ثم قال باحترام
أوامرك يا فندم.
أغلقت الهاتف.
ولأول مرة منذ سنوات
قررت أن يعرف الجميع الحقيقة.
لكنها لم تكن تعرف أن ما سيظهر في التحقيقات سيكشف أمورًا لم تكن تتوقعها حتى هي في صباح اليوم التالي
كان مقر الشركة مختلفًا عن أي يوم عادي.
الموظفون لاحظوا حركة غير معتادة، مدراء الأقسام مجتمعين، والاتصالات لا تتوقف.
الجميع كان يتساءل
إيه اللي حصل؟
أما محمود
فدخل الشركة وهو في قمة ثقته.
كان يعتقد أن الأيام القادمة ستكون بداية صعوده لمنصب أكبر.
بدلته الأنيقة، خطواته الواثقة، وطريقته في إلقاء التحية على الجميع
كل شيء كان يقول إنه لا يعرف أن هناك عاصفة تنتظره.
دخل مكتبه، فوجد السكرتيرة واقفة.
قال لها بابتسامة
واضح إن في أخبار حلوة النهارده.
نظرت له للحظة، ثم قالت
أستاذ محمود مطلوب حضورك لاجتماع مجلس الإدارة بعد ساعة.
ابتسم وقال
أخيرًا كنت مستني الاجتماع ده.
لكن السكرتيرة لم تبتسم.
فقالت بهدوء
كل أعضاء المجلس هيكونوا موجودين.
تغيرت ملامحه قليلًا.
لأن اجتماعات المجلس عادة لم تكن تُعقد بهذه الطريقة.
في نفس الوقت
كانت زوجته في المستشفى بجانب ابنها.
فتح عينيه بصعوبة وقال
ماما بابا هييجي؟
سكتت للحظة.
كان السؤال أصعب من أي شيء آخر.
ثم ابتسمت وربتت على شعره.
وقالت
المهم إنك تبقى كويس يا حبيبي.
خرجت من الغرفة، فوجدت مديرها القديم في انتظارها.
كان يحمل ملفًا كبيرًا.
قال لها
كل المستندات جاهزة يا فندم.
فتحت الملف.
وجدت تقارير عن مصروفات، رحلات، واعتمادات مالية.
بدأت تقلب الصفحات بهدوء.
ثم توقفت عند بعض الأرقام.
سألت
هل أنت متأكد من التواريخ؟
أجاب
راجعناها أكثر من مرة.
أغلقت الملف.
وقالت
إذن نبدأ بالإجراءات الرسمية.
أما محمود
فكان جالسًا مع والدته قبل الاجتماع.
قالت له بثقة
خليك قوي مراتك دي عمرها ما هتقدر تعمل حاجة.
ابتسم وقال
هي فاكرة إنها هتضغط عليا بالولد.
ولم يكن يعرف أن كل كلمة قالها كانت ستعود إليه بطريقة لم يتخيلها.
دخل قاعة الاجتماعات.
جلس على الكرسي وهو ينتظر إعلان ترقيته.
لكن بعد دقائق
فتح الباب.
دخل أعضاء مجلس الإدارة واحدًا تلو الآخر.
ثم وقف الجميع عندما دخلت هي.
زوجته.
لكنها لم تدخل كزوجة هذه المرة.
دخلت بصفتها التي أخفتها عنه سنوات طويلة.
توجهت إلى المقعد الرئيسي وجلست.
نظر إليها محمود بعدم فهم.
ضحك وقال
واضح إن فيه خطأ المكان ده مش للضيوف.
ساد الصمت.
ثم وقف المستشار القانوني وقال
الأستاذ محمود يرجى احترام الاجتماع.
نظر له محمود باستغراب.
احترام إيه؟ هي مين أصلًا؟
رفعت هي عينيها إليه بهدوء.
وقالت
أنا الشخص اللي هيدير الاجتماع النهارده.
ابتسم بسخرية.
إنتِ؟
لكن قبل أن يكمل
فتح سكرتير المجلس الملف أمامه وقال بصوت واضح
نثبت حضور السيدة رئيسة مجلس الإدارة والمالكة الرئيسية للشركة.
تجمد محمود مكانه.
للحظة
لم يسمع أي صوت حوله.
كان يحاول يستوعب الجملة.
زوجته
الست اللي كان فاكرها عادية
هي صاحبة المكان كله.
لكن المفاجأة الحقيقية
لم تكن في أنها المالكة.
المفاجأة كانت في الملف الذي وضعه المدير المالي أمام المجلس.
ملف يحمل اسم محمود.
ومكتوب على الغلاف
مراجعة عاجلة.
وعندما فتحوا الصفحة الأولى
ظهرت أول معلومة جعلت كل الموجودين ينظرون إليه بدهشة وقف الرجل عند باب القاعة، ممسكًا بالحقيبة القديمة بكلتا يديه.
لم يتكلم أحد.
الجميع كان ينتظر.
أما محمود
فكان ينظر إليه وكأنه رأى شبحًا من الماضي.
قال بصوت متوتر
إنت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.
وقال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي يا محمود.
تدخل المستشار القانوني
من فضلك عرف نفسك للحضور.
تقدم الرجل خطوة إلى الأمام.
أنا سامح كنت مسؤول الحسابات في الشركة من سنين، قبل ما أطلع معاش.
ثم وضع الحقيبة على الطاولة.
واللي معايا هنا مستندات احتفظت بيها لأني كنت حاسس إن في يوم هتكون مهمة.
بدأ أعضاء المجلس ينظرون لبعضهم البعض.
فتحت رئيسة المجلس الملف الذي أمامها وقالت
اتفضل قدم ما لديك.
فتح سامح الحقيبة.
أخرج مجموعة أوراق قديمة.
قال
في بداية شغل الأستاذ محمود، كان موظف مجتهد فعلًا وكان عنده فرصة كبيرة يكبر.
نظر محمود إليه بصمت.
تابع سامح
لكن بعد فترة، بدأت تظهر تصرفات مريبة.
اقترب المستشار القانوني من الأوراق.
ما نوع هذه التصرفات؟
رد سامح
طلبات اعتماد، تغييرات في بعض البيانات، ومحاولات لتجاوز الإجراءات.
ضرب محمود يده على الطاولة.
الكلام ده افتراء! ليه مستني كل السنين دي؟
نظر له سامح بهدوء.
لأني ماكنتش عايز أظلمك بكلام من غير دليل.
ثم أشار إلى الأوراق.
عشان كده احتفظت بالمستندات.
بدأ المستشار يقلب الصفحات.
كل ورقة تحمل تاريخًا وتوقيعًا وملاحظات مراجعة.
لكن المفاجأة لم تكن في وجود المخالفات فقط
بل في أن آخر ورقة كانت تحمل توقيعًا آخر.
توقيع شخص كان محمود يظن أنه لن يظهر أبدًا.
رفع المستشار عينه وقال
هذا التوقيع يحتاج تفسير.
نظر محمود إلى الورقة.
وفجأة اختفى اللون من وجهه.
قال بصوت منخفض
ده مش ممكن.
سألته رئيسة المجلس
تعرف التوقيع؟
ظل صامتًا.
لكن صمته كان كافيًا للجميع.
اقتربت منه وقالت
محمود إحنا مش هنا عشان ننتقم من حد. إحنا هنا عشان نعرف الحقيقة.
خفض عينيه.
ولأول مرة منذ بداية الاجتماع، لم يجد جملة يرد بها.
في نفس اللحظة
وصلت رسالة إلى هاتف رئيسة المجلس.
فتحتها.
كانت من المستشفى.
توقفت للحظة عند محتواها.
لاحظ محمود تغير ملامحها.
سأل دون تفكير
ابننا؟
نظرت إليه.
وكان هذا أول سؤال يسأله عن