ماكنتش تعرف
المحتويات
بثقل الأيام الماضية.
لكن في نفس اللحظة
وصل اتصال إلى هاتف زوجته.
كان من المستشار القانوني.
نظرت إلى الشاشة، ثم أجابت.
وبعد ثوانٍ
تغير وجهها.
قالت
متأكد؟
ساد الصمت.
أنهت المكالمة ببطء.
سألها محمود
فيه إيه؟
نظرت إليه.
وقالت
طلع إن الملف اللي ظهر النهارده مش آخر مفاجأة.
اقتربت من النافذة.
وأضافت
في مستند جديد وصل للشركة ومستند فيه اسم شخص قريب جدًا منك.
تجمد محمود.
قريب مني؟ مين؟
نظرت إليه للحظات.
ثم قالت
الشخص اللي كان بيساعدك من البداية واللي كنت فاكره إنه عمرك ما هتحتاج تقلق منه ساد الصمت داخل القاعة.
كانت كلمة واحدة هي التي تسيطر على تفكير الجميع
قريب من العائلة.
نظر محمود حوله.
بدأت أسماء كثيرة تمر في ذهنه.
لكن أكثر اسم أخافه كان اسمًا لم يرد أن يصدقه.
قال بصوت منخفض
مين؟
لم يرد المستشار القانوني فورًا.
وضع الملف أمامه، ثم قال
قبل ذكر الاسم لازم أوضح إن التحقيق ما زال مستمر، وأي شخص مذكور في المستندات له حق الرد.
أومأ الجميع.
ثم فتح الصفحة الأخيرة.
الشخص الذي تم رصد تواصله مع المدير السابق هو أحد أفراد عائلة الأستاذ محمود.
شعر محمود بأن قلبه توقف للحظة.
أما زوجته، فظلت تنظر إلى الملف بهدوء.
قال أحد أعضاء المجلس
هل توجد أدلة؟
رد المستشار
هناك رسائل وتحويلات مالية قيد المراجعة.
ثم وضع بعض الأوراق على الطاولة.
بدأ محمود يقرأ.
وفي كل سطر
كانت الصدمة تكبر.
لأن الأرقام والتواريخ كانت تشير إلى فترة كان يظن فيها أن كل شيء يسير طبيعيًا.
رفع رأسه وقال
أنا مش فاهم ليه حد يعمل كده؟
لم يرد أحد.
حتى المدير السابق اكتفى بالنظر إلى الأرض.
في هذه اللحظة
دخلت السكرتيرة بسرعة.
وقالت
يا فندم والدته حضرت وتطلب مقابلة الأستاذ محمود.
ساد صمت قصير.
نظر محمود إلى الباب.
ثم قال
دخلوها.
دخلت والدته وهي قلقة.
كانت تشعر أن هناك شيئًا كبيرًا يحدث.
اقتربت منه وقالت
محمود فيه إيه؟
لكنه لم يجب.
نظر إليها فقط.
وكانت نظرته مختلفة.
سألها
ماما في حاجة كنتِ مخبياها عني؟
تغير وجهها.
قالت بسرعة
مخبية إيه؟
أخرج محمود الورقة من الملف.
ووضعها أمامها.
تعرفي الاسم ده؟
نظرت إلى الورقة.
وفي اللحظة التي قرأت فيها الاسم
تغير لون وجهها.
لم تقل شيئًا.
وهذا الصمت كان كافيًا.
قال محمود بصوت مكسور
إنتِ عارفة؟
جلست والدته ببطء.
وقالت
كنت خايفة أقولك.
اقترب منها.
خايفة من إيه؟
تنهدت.
خايفة أخسر ابني.
كانت القاعة كلها تتابع المشهد في صمت.
أما زوجته
فلم تتدخل.
كانت تريد أن تسمع الحقيقة منهما.
رفعت والدته عينيها وقالت
في حاجات حصلت زمان وأنا حاولت أحميك منها.
سألها محمود
تحميني من إيه؟
قبل أن تجيب
رن هاتف رئيسة المجلس.
كان اتصالًا من المستشفى.
نظرت إلى الشاشة، ثم أجابت.
وبعد لحظات
ابتسمت لأول مرة.
قالت
الحمد لله.
أنهت المكالمة.
نظر إليها محمود.
فقالت
ابننا خرج من المستشفى.
كانت هذه أول لحظة منذ أيام يشعر فيها محمود براحة حقيقية.
لكنها لم تدم طويلًا.
لأن والدته أمسكت بالملف وقالت بصوت مرتجف
قبل ما تعرف الحقيقة كلها لازم تعرف حاجة عني أنا.
رفع محمود عينيه إليها.
فأكملت
أنا كنت السبب إن بعض الأمور اتخفت عنك.
وتوقفت لحظة
ثم قالت الجملة التي جعلت الجميع يصمت
لأن والدك قبل وفاته ترك رسالة لي، وطلب مني ما أفتحهاش إلا لو حصل اللي حصل النهارده تجمد محمود في مكانه.
كان ينظر إلى الورقة في يد المدير السابق، وكأنه يحاول يقنع نفسه أن ما يراه غير حقيقي.
قال بصوت مرتفع
مستحيل الاسم ده ما ينفعش يكون هنا.
نظر أعضاء المجلس لبعضهم البعض.
أما رئيسة المجلس، فظلت هادئة.
وقالت
اقرأ الاسم.
تنفس المدير السابق بعمق.
ثم قال
الاسم الموجود في المستندات هو اسم أحد الأشخاص المقربين من الأستاذ محمود.
ساد الصمت.
اقترب المستشار القانوني من الورقة، وبدأ يراجعها بدقة.
ثم قال
المستند يحمل تاريخًا قديمًا، وهناك مراسلات مرتبطة به.
نظر إلى محمود.
هل تعرف صاحب هذا الاسم؟
ظل ساكتًا.
كانت ملامحه تقول إنه يعرف.
لكن الصدمة كانت أكبر من قدرته على الكلام.
قالت زوجته بهدوء
محمود الحقيقة مش هتتغير سواء قلتها أو لا.
أغلق عينيه للحظة.
ثم قال
هو كان صديقي.
سأل أحد أعضاء المجلس
وهل كنت تعلم بأي تصرفات مخالفة قام بها؟
هز رأسه بسرعة.
لا.
ثم أضاف
أنا كنت فاكره بيساعدني.
رفع المدير السابق حاجبه.
وقال
وده كان السبب في إني طلبت الحضور.
فتح ملفه مرة أخرى.
لأن في البداية كنت فاكر إن محمود هو المسؤول عن كل شيء لكن لما راجعت التفاصيل، اكتشفت إن في حد كان بيستغل ثقته فيه.
نظر محمود إليه باستغراب.
يعني إيه؟
رد الرجل
يعني إنك كنت بتوقع على أوراق من غير ما تعرف كل تفاصيلها.
ساد الهدوء.
كانت جملة يمكن أن تغير شكل القضية بالكامل.
لكن المستشار القانوني تدخل
هذا لا يعفي أي شخص من المسؤولية، لكنه يغير طريقة تقييم الأمر.
أومأت رئيسة المجلس.
بالضبط.
ثم نظرت إلى محمود.
دلوقتي عندك فرصة تقول كل حاجة تعرفها.
لأول مرة
لم يحاول محمود الدفاع عن نفسه بغرور.
قال بصوت منخفض
أنا غلطت.
تفاجأ الجميع.
أكمل
غلطت لما وثقت في الشخص الخطأ وغلطت لما كنت فاكر إن النجاح معناه إني أبقى أقوى من غيري.
سكت قليلًا.
ثم نظر إليها.
وغلطت أكتر لما نسيت قيمة الناس اللي حواليا.
لم ترد.
لكن نظرتها كانت مختلفة.
لم تكن نظرة انتصار
بل نظرة شخص تعب من كثرة الخذلان.
وفي نفس اللحظة
رن هاتف المستشار القانوني.
نظر إلى الشاشة.
ثم قال
وصل رد من الجهة المختصة على المستندات التي أرسلناها.
فتح الرسالة.
وبعد ثوانٍ
تغير وجهه.
سألته رئيسة المجلس
خير؟
رفع عينيه ببطء.
وقال
في معلومة جديدة الشخص الذي ظهر اسمه في الملف لم يكن يعمل وحده.
تجمد الجميع.
ثم أضاف
هناك شخص آخر كان يتواصل معه.
نظر إلى محمود.
والشخص الثاني قريب من دائرة العائلة.
ساد الصمت.
أما محمود
فشعر أن الماضي الذي ظن أنه انتهى
بدأ يفتح أبوابه من جديد تجمدت والدة محمود في مكانها.
كل الأنظار اتجهت إليها.
أما محمود
فكان ينظر بين المستشار القانوني ووالدته، وكأنه ينتظر أن يقول أحدهم إن هناك خطأ.
قال بصوت متوتر
اسم مين؟
فتح المستشار الملف مرة أخرى.
التحويلات خرجت من أكثر من جهة، لكن فيه حساب تم استخدامه كحلقة وسيطة.
ثم نظر إلى الورقة.
الحساب باسم شخص من العائلة.
ساد الصمت.
اقترب محمود من الطاولة.
أنا عايز أشوف الورقة.
ناولها له المستشار.
قرأ الاسم.
وفي لحظة
تغير وجهه.
لأنه لم يكن اسم والدته.
لكنه كان اسم شخص قريب منها جدًا.
قال بصوت منخفض
مش ممكن...
سألته زوجته
تعرفه؟
لم يرد فورًا.
كان يحاول استيعاب الصدمة.
ثم قال
ده ابن خالي.
نظر الجميع إليه.
أكمل
هو كان أقرب شخص ليا بعد والدي.
قالت والدته بسرعة
أنا ما كنتش أعرف بكل حاجة.
التفت لها محمود.
بس كنتِ تعرفيه.
سكتت.
وهذه المرة كان صمتها يحمل إجابة.
قالت بصوت ضعيف
كان بييجي يسأل عليا ويقول إنه بيساعدك ويحاول يسهّل لك أمور الشغل.
ضحك محمود بحزن.
وأنا كنت فاكر إن كل الناس اللي حواليا بيساعدوني عشان بيحبوني.
نظرت إليه زوجته، لكنها لم تقل شيئًا.
لأنها رأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل.
رجل بدأ يفهم.
تدخل المستشار القانوني
لازم نوضح إن وجود الاسم في التحويلات لا يعني الإدانة، لكن سيتم استدعاؤه لسماع أقواله.
أومأت رئيسة المجلس.
نحن نبحث عن الحقيقة فقط.
في المساء
كان محمود واقفًا أمام غرفة ابنه في المستشفى قبل خروجه النهائي.
نظر إلى الطفل النائم.
ثم جلس بجانبه.
لأول مرة منذ وقت طويل، لم يكن يفكر في الشركة، ولا المنصب، ولا كلام الناس.
كان يفكر في سؤال واحد
كيف وصل به الحال إلى هنا؟
دخلت زوجته الغرفة بهدوء.
قالت
الدكتور قال إن حالته اتحسنت.
أومأ.
ثم قال
أنا قصرت معاه.
لم تجبه.
فأكمل
وقصرت معاكي.
نظرت إليه للحظات.
وقالت
الاعتراف بداية لكنه مش كفاية.
هز رأسه.
عارف.
قبل أن يكمل
وصل اتصال إلى هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
كان من المستشار القانوني.
أجابت.
وبعد ثوانٍ
تغيرت ملامحها.
سألها محمود
فيه إيه؟
أغلقت الهاتف ببطء.
وقالت
الشخص اللي طلبنا حضوره للتحقيق وصل.
سأل
ابن خالي؟
هزت رأسها.
لا.
توقفت لحظة.
ثم قالت
الشخص اللي وصل طلب يقابلني أنا بالذات.
نظر لها محمود باستغراب.
مين؟
نظرت إليه.
وقالت
شخص من الماضي كنت فاكرة إنه اختفى من حياتي من سنين ساد الصمت داخل القاعة.
حتى صوت حركة الأوراق توقف.
الجميع نظر إلى والدة محمود.
أما هو
فكان ينظر إليها وكأنه يسمع عنها لأول مرة.
قال بصوت منخفض
بابا؟ رسالة؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه.
أخرجت من
متابعة القراءة