ماكنتش تعرف
المحتويات
ابنه منذ أيام بصوت يحمل قلقًا حقيقيًا.
لكنها لم تجبه فورًا.
وضعت الهاتف جانبًا وقالت
الاجتماع الأول ينتهي هنا.
وقف الجميع.
أما محمود
فبقي مكانه.
لأنه شعر لأول مرة أن القضية لم تعد فقط عن الشركة أو المنصب
بل عن كل شيء خسره بسبب اختياراته.
وفي الخارج
كانت والدته تنتظر بفارغ الصبر.
وعندما خرجت رئيسة المجلس، اقتربت منها بسرعة وقالت
عايزة أفهم اللي بيحصل.
لكن قبل أن ترد
خرج محمود خلفها.
وكان وجهه مختلفًا تمامًا.
فتوقفت والدته وسألته
إيه اللي حصل جوه؟
نظر إليها طويلًا
ثم قال جملة واحدة جعلتها تصمت
إنتِ كنتِ تعرفي إن مراتي هي صاحبة الشركة؟فتح المدير المالي الملف ببطء
وساد الصمت داخل القاعة.
كان محمود يحاول يضحك، يحاول يظهر إنه غير مهتم، لكن عينيه كانت تتحرك بين الأوراق والوجوه حوله.
قال بثقة مصطنعة
أتمنى بس نفهم الأول سبب وجود اسمي في ملف بالشكل ده.
لم ترد عليه زوجته.
أشارت فقط للمدير المالي أن يبدأ.
قال الرجل
التقرير الأولي يتعلق بمراجعة بعض المصروفات والقرارات الإدارية خلال الفترة الماضية.
فتح الصفحة الأولى.
هناك عدد من رحلات العمل تم تسجيلها على حساب الشركة، لكن عند مراجعة البيانات لم نجد تقارير أو نتائج أعمال مرتبطة بهذه الرحلات.
رفع محمود حاجبه وقال بسرعة
كل الرحلات كانت تخص الشغل.
رد المدير المالي
وعشان كده تم فتح المراجعة للتأكد.
انتقل للصفحة التالية.
كذلك توجد بعض المصروفات التي تم اعتمادها بشكل استثنائي، وتحتاج إلى توضيح من المسؤول عنها.
بدأ التوتر يظهر على وجه محمود.
لكنه حاول السيطرة على نفسه.
قال
أنا كنت مسؤول عن قسم كبير، طبيعي يكون عندي مصروفات.
هزت رأسها بهدوء.
وقالت
وده سبب وجود التحقيق مش اتهام.
تلك الجملة جعلته يصمت للحظة.
لأنه لأول مرة يسمع منها نبرة مختلفة.
لم تكن الزوجة التي تعود أن يرفع صوته عليها.
كانت صاحبة قرار.
في تلك اللحظة
دخل أحد الموظفين يحمل ظرفًا مغلقًا.
اقترب من المستشار القانوني وقال
ده وصل من الأرشيف بعد مراجعة طلباتكم.
أخذ المستشار الظرف.
فتحه.
وبمجرد أن قرأ أول ورقة
تغيرت ملامحه.
لاحظت هي ذلك.
سألته
فيه شيء مهم؟
رفع الورقة ببطء وقال
هذه مستندات قديمة لكنها مرتبطة بفترة بداية عمل الأستاذ محمود في الشركة.
التفت الجميع إليه.
أما محمود، فبدأ يشعر بالقلق.
قال
يعني إيه مرتبطة بيا؟
لم يرد المستشار فورًا.
بل وضع الأوراق على الطاولة وقال
قبل ما نكمل أعتقد أن الأستاذ محمود يجب أن يطلع على هذه المستندات بنفسه.
مد يده وأخذ الملف.
قرأ أول سطر.
ثم توقف.
لأن المستند لم يكن عن مصروفات أو رحلات
كان عن قرار تعيينه في الشركة منذ سنوات.
وعليه ملاحظة مكتوبة بخط رئيسة مجلس الإدارة.
ملاحظة لم يرها من قبل.
قرأها مرة
ثم مرة أخرى.
وتغير لون وجهه.
سأل بصوت منخفض
إنتِ كنتِ عارفة؟
نظرت له بهدوء.
عارفة إيه؟
رفع الورقة أمامها.
إن أنا كنت هنا بسبب قرار منك؟
لم تجبه مباشرة.
فزاد ارتباكه.
ثم قالت
أنا لم أوظفك عشان أنت زوجي أنت دخلت الشركة باختبارات ومقابلات.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
لكن كنت دائمًا حريصة إن نجاحك يكون باسمك أنت.
بدأت الهمسات تنتشر داخل القاعة.
أما محمود
فكان يشعر أن كل شيء كان ينهار حوله.
لأنه تذكر كل مرة قال فيها
أنا وصلت لوحدي.
وكل مرة سخر فيها من كلامها عن العمل.
لكن قبل أن يستوعب الصدمة
رن هاتف المستشار القانوني.
نظر إلى الشاشة.
ثم قال
هناك شخص ينتظر خارج القاعة ويقول إنه يحمل معلومات إضافية عن الأستاذ محمود.
نظرت رئيسة المجلس إلى الباب.
وقالت
دخلوه.
انفتح الباب ببطء
ودخل رجل يحمل حقيبة قديمة.
نظر مباشرة إلى محمود.
ثم قال
كنت مستني اليوم ده من سنين.
تجمد محمود في مكانه
لأنه عرف الرجل.
وكان آخر شخص يتمنى أن يظهر أمام الجميع ظل محمود واقفًا مكانه.
الجملة الأخيرة ظلت تتردد في رأسه
الشخص اللي كان بيساعدك من البداية...
نظر إلى زوجته بقلق.
مين؟
لم تجبه فورًا.
كانت تنظر إلى ابنها الذي عاد للنوم، وكأنها تحاول تختار كلماتها بعناية.
ثم قالت
المستندات وصلت للمجلس مش ليا أنا بس. واللي هيحدد الحقيقة هو التحقيق.
اقترب منها خطوة.
أنا عايز أعرف.
أخرجت هاتفها، وفتحت الرسالة التي وصلتها من المستشار القانوني.
كان فيها ملخص قصير
تم العثور على مراسلات قديمة مرتبطة بملف الأستاذ محمود، وجارٍ التحقق من مصدرها.
رفع محمود عينيه.
مراسلات مع مين؟
قالت بهدوء
مع مدير سابق في الشركة.
سكت للحظة.
ثم تغير وجهه.
لأنه عرف الاسم قبل أن تقوله.
لا
نظرت له.
أنت عرفت.
جلس على الكرسي بجانب سرير ابنه.
كان واضحًا أنه يحاول ترتيب أفكاره.
هو كان مجرد شخص بيساعدني.
قالت
وده اللي لازم يتأكد منه التحقيق.
في صباح اليوم التالي
عاد الجميع إلى مقر الشركة.
هذه المرة لم يكن الاجتماع عاديًا.
لم يكن محمود يدخل وهو ينتظر ترقية.
ولم تكن هي تدخل كزوجة تخفي حقيقتها.
الجميع كان ينتظر معرفة الحقيقة كاملة.
جلس أعضاء المجلس في أماكنهم.
دخل المستشار القانوني ومعه ملف جديد.
قال
بعد مراجعة المستندات الإضافية، ظهرت معلومات تحتاج إلى توضيح.
فتح الملف.
هناك مراسلات تثبت أن بعض القرارات الإدارية تم مناقشتها خارج القنوات الرسمية.
نظر إلى محمود.
والاسم الموجود في هذه المراسلات هو الأستاذ محمود، بالإضافة إلى مسؤول سابق بالشركة.
قال محمود بسرعة
أنا لم أطلب من أي شخص مخالفة القوانين.
رد المستشار
ولهذا سنستمع إلى كل الأطراف.
في هذه اللحظة
فتح الباب.
ودخل الرجل الذي كان اسمه في الملف.
كان المدير السابق.
تقدم بخطوات بطيئة.
لكن المفاجأة
أنه لم يدخل ليدافع عن نفسه.
بل كان يحمل ملفًا آخر.
قال
قبل ما حد يحكم عليا لازم أقول الحقيقة.
ساد الصمت.
وضع الملف على الطاولة.
وقال
أنا أخطأت في بعض القرارات لكن الأستاذ محمود لم يكن يعرف كل شيء.
نظر الجميع إليه بدهشة.
أما محمود
فرفع رأسه لأول مرة منذ بداية التحقيق.
لم يكن يتوقع أن يدافع عنه هذا الرجل.
لكن المدير السابق أكمل
ومع ذلك هناك شيء آخر يجب أن يعرفه المجلس.
فتح الملف.
وأخرج ورقة واحدة.
ثم نظر إلى رئيسة المجلس وقال
هذه الورقة تثبت أن شخصًا آخر كان يحاول توجيه القرارات من خلف الستار.
سأله أحد الأعضاء
من هو؟
ظل الرجل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال
شخص لم يتوقع أحد أن يكون له علاقة بالأمر.
اتجهت كل العيون نحوه.
وببطء
رفع الورقة.
وكان الاسم المكتوب عليها
اسمًا جعل محمود ينهض من مكانه مصدومًا سكتت والدة محمود للحظات
وكأن السؤال نزل عليها فجأة.
نظرت إلى ابنها، ثم إلى زوجته الواقفة على بُعد خطوات.
وقالت بتوتر
يعني هي قالتلك؟
اتسعت عينا محمود.
قالتلي إيه؟ يعني إنتِ كنتِ عارفة؟
حاولت تتهرب من نظره.
لكن صمتها كان أوضح من أي إجابة.
اقترب منها محمود وقال بصوت منخفض
إنتِ كنتِ عارفة طول الوقت؟
تنهدت والدته وقالت
عرفت قبل الجواز بفترة قصيرة.
تجمد مكانه.
وما قولتيليش؟
ردت بسرعة
لأنها طلبت إن الموضوع يفضل سر وكانت عايزة تعرف إذا كنت هتحبها هي ولا فلوسها.
ضحك محمود ضحكة قصيرة مليئة بالصدمة.
وأنا قضيت سنين فاكر نفسي أنا اللي أعلى منها.
لم ترد والدته.
لأول مرة لم تجد شيئًا تقوله.
في تلك اللحظة
خرجت زوجته من الممر.
كانت تحمل حقيبتها، وتستعد للذهاب إلى المستشفى.
نظر لها محمود.
وقال
ليه ما قولتيليش؟
توقفت.
ثم قالت بهدوء
لأنك ما سألتش.
استغرب.
يعني إيه؟
نظرت له وقالت
طول الوقت كنت بتتكلم عن شغلك، عن مكانتك، عن نجاحك لكن عمرك ما حاولت تعرف أنا مين.
خفض عينيه.
لأن جزءًا منه كان يعرف أنها محقة.
ثم قالت
أنا ما كنتش محتاجة أكون صاحبة شركة عشان أستحق الاحترام.
سكتت لحظة.
كنت محتاجاني أكون زوجتك وبس.
قبل أن يرد
رن هاتفها.
كان اتصالًا من المستشفى.
أجابت بسرعة.
وبعد ثوانٍ تغيرت ملامحها.
قالت
أنا جاية حالًا.
أغلقت الهاتف.
نظر لها محمود بقلق.
فيه حاجة حصلت لابني؟
قالت
الدكتور طلب يشوفني.
ثم تحركت.
ولأول مرة منذ أيام
مشى محمود خلفها.
قال
هآجي معاكي.
توقفت ونظرت إليه.
كان واضحًا عليها أنها لم تتوقع هذا العرض.
لكنها لم تجادله.
في الطريق إلى المستشفى
كان الصمت يملأ السيارة.
حتى وصلوا.
دخلوا غرفة الطفل.
كان مستيقظًا، وأول ما رأى والده
ابتسم ابتسامة صغيرة.
بابا؟
توقف محمود عند الباب.
كلمة واحدة من ابنه كانت أقوى من أي مواجهة.
اقترب ببطء.
جلس بجانبه وقال
عامل إيه يا بطل؟
أمسك الطفل يده.
وقال
كنت مستنيك.
خفض محمود رأسه.
ولأول مرة شعر
متابعة القراءة