خطيبي حكايات زيزي

لمحة نيوز

مليانة ملاحظات قصيرة.
غسل إيديه خمس مرات قبل الأكل.
رفض يلمس ألعابه بعد ما وقعت على الأرض.
فضل ساعة كاملة يبكي لأنه حس إن هدومه اتسخت.
كل صفحة كانت بتحكي موقف أصعب من اللي قبله.
قلت وأنا مش مستوعبة يعني... هو من زمان كده؟
هزت رأسها بأسى.
إحنا تعبنا معاه سنين... وكان بيتحسن فترة ويرجع يتعب تاني.
سكتت لحظة، ثم أكملت
ولما كبر، بقى يحاول يسيطر على خوفه بطريقة غلط.
سألتها إزاي؟
قالت بدل ما يطمن نفسه... بقى يحاول يطمن أي حد قريب منه. كان يفتكر إن لو الناس حواليه عملت نفس اللي هو بيعمله، هيحس بالأمان.
الكلمات بدأت تفسر حاجات كتير.
إصراره المستمر.
طلبه إني أستحمى مرتين.
ملاحظاته اللي مكنتش بتنتهي.
لكن لسه كان فيه سؤال محيرني.
قلت طيب ليه مقاليش الحقيقة؟
خفضت عينيها وقالت
لأنه كان دايمًا خايف.
خايف من إيه؟
ردت بصوت مكسور
إن أول ما أي بنت تعرف... تسيبه.
في اللحظة دي، الباب الزجاجي للكافيه اتفتح.
التفتنا تلقائيًا.
وكان جاكوب واقف عند المدخل...
واضح من ملامحه إنه شاف الملف على الترابيزة.
تجمد مكانه لثوانٍ، ثم بدأ يمشي ناحيتنا بخطوات سريعة، وعيناه لا تفارقان الملف، وكأنه يعرف بالضبط ماذا يحتوي... ولم ينطق بكلمة واحدة كل خطوة كان بيقربها، كانت بتزود التوتر اللي في المكان.
وقف جنب الترابيزة، وبص الأول لوالدته، ثم بصلي.
قال بصوت هادئ، لكنه كان مليان انفعال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي... لكن مكنتش عايزك تعرفي بالطريقة دي.
سكتت والدته.
ومد إيده بهدوء وسحب الكرسي وقعد قدامي.
فضل ساكت شوية، وبعدها قال
أنا مش زعلان من ماما... أنا زعلان إني مقدرتش أقولك بنفسي.
قلت وأنا ببصله طب قولّي دلوقتي.
أخذ نفسًا عميقًا، وقال
من وأنا صغير، كنت بخاف من أي حاجة أحس إنها مش نضيفة. الخوف كان بيكبر في دماغي لدرجة إني كنت أعمل نفس الحاجة عشرات المرات عشان أرتاح.
سكت لحظة ثم أكمل
مع العلاج بقيت أحسن بكتير... لكن في أوقات الضغط، الخوف بيرجع يهمسلي من تاني.
بصلي مباشرة لأول مرة من ساعة ما دخل.
ولما ارتبطنا... كنت خايف أخسرك.
استغربت.
قال
كل مرة كنت أقولك تستحمي، كنت مقتنع إني بحميكي... لكن الحقيقة إني كنت بهدي خوفي أنا.
ساد الصمت.
ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطوية.
حطها قدامي.
دي آخر ورقة كتبها الدكتور بعد آخر متابعة.
فتحتها.
كانت مجرد ملاحظات قصيرة، وفي آخرها جملة مكتوبة بخط واضح
إذا شعرت أن مخاوفك بدأت تتحكم في من تحب... اطلب المساعدة قبل أن تطلب منهم أن يتغيروا.
نزل جاكوب بعينيه للأرض وقال
أنا خالفت النصيحة دي.
والدته وضعت يدها على كتفه وقالت بهدوء
والاعتراف بالغلط هو أول خطوة لإصلاحه.
رفع رأسه ونظر إليّ، وقال بصراحة
أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. لكن من النهارده، أنا اللي هرجع أكمل علاجي، ومش هخلي خوفي يتحكم فيكي تاني.
ظللت أنظر إليه للحظات، أحاول أستوعب كل ما سمعته.
كنت أعرف أن القرار الذي سأتخذه بعد هذه الجلسة قد يغيّر مستقبلنا كله...
لكنني لم أنطق بكلمة بعد فضلت ساكتة لدقايق.
كنت ببص للورقة، وبعدين أبص لجاكوب، وبعدين لوالدته.
وأخيرًا قلت بهدوء
أنا مش زعلانة إنك بتعاني... أنا زعلانة إنك خليتني أصدق إن العيب فيا.
أغمض عينيه للحظة، وكأنه كان مستني يسمع الجملة دي من زمان.
قال بصوت منخفض
عندك حق.
ثم كمل
كل مرة كنت أقولك تستحمي، كنت بشوف الارتياح على نفسي... مش عليكي. ولما كنتِ تنفذي كلامي، كنت بحس إن خوفي سكت شوية.
والدته قالت بحزن
وده اللي كنت خايفة منه. الخوف لما يفضل من غير مواجهة، بيبدأ يأثر على الناس اللي حوالينا.
سألته
إنت بطلت العلاج ليه؟
سكت شوية، وبعدين قال
لأني افتكرت إني بقيت كويس. وبعدها بسنين، رجعتلي الأفكار تدريجيًا... لكن كنت كل مرة أقنع نفسي إنها طبيعية.
قلت
يعني لما كنت أقولك إن الدكتور قالي مفيش أي مشكلة، كنت مش مصدق؟
هز رأسه وقال
كنت بصدق الدكتور... لكن بعد ساعات الخوف كان يرجع يقنعني بالعكس.
خرجنا من الكافيه، وكل واحد فينا ساكت.
قبل ما أركب العربية، قلت له
أنا محتاجة وقت أفكر.
رد من غير اعتراض
خدي كل الوقت اللي تحتاجيه.
عدت أيام قليلة، ومفيش بينا غير رسائل بسيطة.
الغريب إنه لأول مرة من يوم عرفته...
ولا مرة كتبلي
استحمي.
ولا مرة سألني إذا غيرت هدومي أو استخدمت نوع صابون معين.
كان كلامه كله عن مواعيد شغله، وعن إنه حجز موعد مع الأخصائي، وإنه بدأ يلتزم بالخطة العلاجية من جديد.
كنت بقرأ الرسائل وأنا حاسة إن فيه فرق حقيقي...
لكن في نفس الوقت، كنت عارفة إن التغيير الحقيقي مش هيبان في أسبوع ولا اتنين.
وفي مساء أحد الأيام، وصلتني منه رسالة قصيرة جدًا.
كتب فيها
بكرة عندي أول جلسة بعد سنين... ولو حبيتي، بعد ما أخلصها نتقابل. ولو مش حابة، هتفهم.
بصيت للرسالة طويلًا...
وأخدت نفسًا عميقًا، وأنا لسه محتارة بين قلبي... وعقلي بصيت للرسالة أكتر من مرة.
إيدي كانت فوق زر إرسال، لكني كل مرة أتراجع.
في النهاية كتبت
هقابلك... بعد الجلسة.
رد في أقل من دقيقة
شكرًا.
بس.
مفيش قلوب، ولا كلام طويل، ولا وعود.
تاني يوم وصلت الكافيه قبل ميعادي بعشر دقايق.
دخل جاكوب بعدها بشوية.
أول حاجة لاحظتها... إنه كان هادي بشكل مختلف.
قعد قدامي، وابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال
الجلسة كانت أصعب مما توقعت.
سألته
ليه؟
قال
لأن أول حاجة طلبها مني الأخصائي... إني أكتب قائمة بكل التصرفات اللي خلت الناس اللي بحبهم يشكوا في نفسهم.
سكت لحظة، ثم أخرج ورقة من شنطته.
كانت مليانة نقاط.
قرأ أول نقطة
لما خلتك تفتكري إن عندك مشكلة من غير أي دليل.
ثم الثانية
لما كررت الطلب رغم إنك نفذتيه.
ثم الثالثة
لما خليتك تخافي من نفسك بدل ما تحسي بالأمان معايا.
كان صوته بيضعف مع كل سطر.
وفي الآخر، طوى الورقة وقال
الأخصائي قالي حاجة عمرها ما هتنسى.
سألته
قالك إيه؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
قال لو الشخص اللي بتحبه بقى عايش تحت ضغط مستمر علشان يرضيك... يبقى لازم تراجع نفسك، مش هو.
فضلنا ساكتين شوية.
بعدها مد نحوي كيس ورقي صغير.
قلت باستغراب
إيه ده؟
قال
افتحيه.
فتحته.
كان فيه كل أنواع الصابون والعطور اللي كنت اشتريتها بسببه خلال الشهور اللي فاتت.
حتى مزيل العرق اللي كنت بغيره كل أسبوع كان موجود.
قلت باستغراب
إيه معنى ده؟
قال
افتكرت إن الحاجات دي هي اللي هتخليني أرتاح... لكن اكتشفت إن المشكلة عمرها ما كانت فيها.
ثم أكمل بهدوء
احتفظت بيها علشان أفتكر كل مرة خلتك تتعبي بسبب خوفي.
مد إيده وأخذ الكيس مني مرة تانية.
وقال
مش عايزك تشوفيهم تاني.
قام واتجه ناحية سلة إعادة التدوير الموجودة في الكافيه.
وبدأ يخرج كل حاجة من الكيس واحدة واحدة...
وفي كل مرة يرمي فيها منتج، كان كأنه بيتخلص من جزء من الذنب اللي شايله جواه.
رجع وقعد قدامي، وقال
عارف إن ده مش هيصلح اللي فات... لكنه أول تصرف عملته علشان أتغير، مش علشان أرتاح أنا.
ولأول مرة من شهور...
حسيت إن الشخص اللي قدامي بدأ يواجه نفسه فعلًا، بدل ما يحاول يغير كل اللي حواليه مرت أسابيع.
مبقاش فيه أي طلبات غريبة.
ولا تعليق على ريحة برفان، ولا على عدد مرات الاستحمام، ولا حتى سؤال من النوع اللي كان بيخليني أشك في نفسي.
الغريب إن جاكوب نفسه بقى هو اللي يحكيلي عن الجلسات.
كان يقول
النهارده اتكلمنا عن إزاي أفرق بين الحقيقة وبين الخوف.
وفي مرة تانية قال
الأخصائي طلب مني كل ما يجيلي إحساس إني أطلب من حد يعمل حاجة بسبب خوفي... أكتبها الأول، وأستنى نص ساعة.
كنت بسمعه من غير ما أعلّق كتير.
لأن الثقة... لما بتتكسر، مبتترجعش بالكلام.
بعد حوالي شهر، اتصلت بيا والدته.
قالت بابتسامة
ينفع
تم نسخ الرابط