خطيبي حكايات زيزي

لمحة نيوز

لأنكم متفقين على طول... لكن لأنكم بقيتم تعرفوا تتكلموا قبل ما المشاكل تكبر.
قرأت البطاقة وابتسمت.
وفي مساء اليوم نفسه، كنت أنا وجاكوب قاعدين في الشرفة.
قال لي فجأة
فاكرة أول مرة قلتلك تستحمي مرتين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أنساها إزاي؟
خفض رأسه وقال
كل ما أفتكرها... أستغرب إزاي كنت مقتنع إن ده تصرف طبيعي.
ثم رفع عينيه وقال
شكراً إنك واجهتيني بالحقيقة، بدل ما تسيبيني أعيش في الوهم.
نظرت إليه وقلت
وأنا كمان اتعلمت حاجة.
سألني
إيه هي؟
قلت
إن الحب الحقيقي مش معناه إننا نستحمل أي حاجة... الحب الحقيقي معناه إن كل واحد يساعد التاني يبقى أفضل، من غير ما يكسره.
ابتسم، وأمسك يدي في هدوء.
وكان واضح إن الرحلة لسه مستمرة...
لكن المرة دي، كانوا ماشيين فيها جنب بعض، مش واحد بيجر التاني وراء خوفه ساد صمت ثقيل في الصالة.
بصّ جاكوب للشابة، وحاول يتذكرها.
وبعد لحظات، قال باستغراب
إحنا... اتقابلنا قبل كده؟
هزت رأسها بالإيجاب.
وقالت
يمكن إنت مش فاكرني... لكن أنا فاكراك كويس.
جلست بهدوء، وحطت الملف على الترابيزة.
أنا ووالدته تبادلنا نظرة سريعة، من غير ما حد فينا ينطق.
قالت الشابة
اسمي سارة... كنا في نفس المدرسة.
جاكوب حاول يفتكر، لكنه كان واضح إنه مش قادر.
فتحت الملف، وأخرجت منه صورة قديمة لفصل دراسي.
وأشارت لطفل واقف في آخر الصف.
ده إنت.
ثم أشارت لطفلة في الصف الأول.
وده أنا.
ابتسم جاكوب باعتذار وقال
معلش... السنين طويلة.
ابتسمت هي وقالت
طبيعي متفتكرنيش.
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأكملت
أنا جيت النهارده مش علشان أعاتبك... بالعكس.
كلنا ركزنا معاها.
قالت
وأحنا صغيرين، كنت دايمًا تعتذر لو حسيت إنك ضايقت حد... حتى لو من غير قصد.
بص لها جاكوب باستغراب.
أكملت
في يوم، كنت خايف تلمس كراستي بعد ما وقعت على الأرض... وفضلت تعتذرلي طول اليوم.
خفض جاكوب رأسه.
واضح إنه بدأ يفتكر الموقف.
قالت سارة بابتسامة
وقتها مكنتش فاهمة ليه بتتصرف كده... لكن بعد سنين، لما درست علم النفس، فهمت إنك كنت بتعاني وبتحاول تتعامل مع خوفك.
استغربت والدته وقالت
إنتِ بتدرسي علم نفس؟
هزت رأسها.
أيوه... ولما عرفت بالصدفة إنه رجع يكمل علاجه، حسيت إني لازم أجي.
ثم التفتت إلى جاكوب وقالت
كنت عايزة أقولك حاجة واحدة.
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت وقالت
متفضلش تعاقب نفسك على أخطاء زمان... المهم إنك متكررهاش.
ظل جاكوب صامتًا، وعيناه امتلأتا بالدموع.
ولأول مرة منذ عرفته...
شعرت أنه بدأ يسامح نفسه، بعد سنوات طويلة كان يحمل فيها شعورًا بالذنب أكثر مما يحمل الخوف نفسه بعد أسبوع...
طلبت من جاكوب يقابلني في نفس الكافيه اللي اتقابلنا فيه أول مرة بعد ما عرفت الحقيقة.
وصل قبلي بخمس دقايق.
كان واضح عليه التوتر.
قعد قدامي، وقال بابتسامة خفيفة
حاسس إنك جاية تقولي قرارك.
ابتسمت وقلت
صح.
سكت.
كان مستني أي كلمة.
طلعت من شنطتي ظرف أبيض.
نفس الظرف اللي كان ادهولي زمان، واللي مكتوب فيه
أي قرار يخص حياتنا هنخده مع بعض... مش مع خوفي.
حطيته قدامه.
قلت
أنا قريته يمكن مية مرة.
رفع عينيه ناحيتي.
قلت بهدوء
ولقيت إنك وفيت بوعدك.
بدأت دموعه تلمع، لكنه فضل ساكت.
كملت
أنا مش هنسى اللي حصل... لأن اللي حصل وجعني جدًا.
هز رأسه وقال
ومش بطلب منك تنسي.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت
لكن أنا شايفة الإنسان اللي قدامي دلوقتي... مختلف.
مد إيده على الطاولة، لكنه وقف في نص الطريق.
وكأنه مستني إذني.
ابتسمت، ومديت إيدي أنا.
مسكها بهدوء.
وفي اللحظة دي، حسيت إن الخوف اللي عاش بينا شهور... أخيرًا خرج من بين إيدينا.
بعد ثلاثة أشهر...
كان يوم الفرح.
والدته كانت أول واحدة تستقبلني.
حضنتني وقالت وهي دموعها في عينيها
أنا مش بس كسبت كنّة... أنا كسبت بنت.
ابتسمت وأنا أضمها.
أما جاكوب، فكان واقف عند باب القاعة، يبتسم بهدوء.
بعد انتهاء الحفل، وإحنا راجعين البيت، وقف فجأة وقال ضاحكًا
عارفة أغرب حاجة؟
قلت
إيه؟
قال
من سنة، كنت فاكر إن السعادة معناها إن كل حاجة تبقى مثالية.
سألته
ودلوقتي؟
بصلي وقال
دلوقتي عرفت إن السعادة معناها إنك تلاقي حد يساعدك تواجه خوفك... من غير ما يسمحله يكسرك.
ابتسمت، وربطت إيدي في إيده.
وأنا بافتكر أول يوم طلب مني أستحمى مرتين.
وقتها كنت فاكرة إن المشكلة فيا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
المشكلة لم تكن في رائحة، ولا في نظافة، ولا في أي شيء ظننته عن نفسي...
كانت في خوفٍ عاش سنوات داخل إنسان، حتى ظن أنه الطريقة الوحيدة لحماية من يحب.
وحين واجه هذا الخوف، وطلب المساعدة، وتحمّل مسؤولية أفعاله...
لم يتغير وحده.
بل تغيّرت حياتنا كلّها.
تمت.

تم نسخ الرابط