خطيبي حكايات زيزي
المحتويات
تيجي تتغدي عندنا الجمعة؟
اترددت.
لكن وافقت.
وأنا رايحة، لاحظت إني لأول مرة من شهور...
مفكرتش كام مرة استحميت.
ولا وقفت قدام المراية أفتش في هدومي.
لبست بشكل طبيعي، وخرجت.
ولما وصلت البيت، حسيت إن فيه حاجة مختلفة.
زجاجات المعقم اللي كانت في كل مكان اختفى معظمها.
الريموت مبقاش ملفوف.
والجو كله بقى أهدى.
ابتسمت والدته وقالت
شايفة الفرق؟
بصيت حواليّ وهززت راسي.
قالت
إحنا كلنا بنحاول نتغير معاه... علشان يحس إن البيت مكان طبيعي، مش مكان يخوفه.
بعد الغدا، جاكوب استأذن دقيقة، ورجع ماسك صندوق خشب صغير.
حطه قدامي.
وقال
ده كان عندي من زمان... وعايزك تشوفيه.
فتحت الصندوق.
كان فيه صور قديمة، ورسومات وهو طفل، وشهادات مدرسية.
وفي آخر الصندوق، لقيت دفتر صغير جدًا.
أول صفحة فيه مكتوب عليها بخط طفل
لما أكبر... نفسي أبقى طبيعي زي باقي الناس.
وقفت عن القراءة.
حسيت بغصة في قلبي.
لكن الصفحة اللي بعدها كانت فاضية...
ما عدا سطر واحد مكتوب بقلم حديث، واضح إنه اتكتب قريب.
النهارده بدأت أحاول... بجد.
رفعت عيني إليه.
ابتسم ابتسامة هادئة، وقال
مش بطلب منك قرار النهارده... بس بطلب منك تحكمي عليا من اللي هعمله بعد كده، مش من اللي كنت بعمله قبل كده.
نظرت إلى الدفتر مرة أخرى...
وفي تلك اللحظة، سمعنا جرس الباب يرن.
نظرت والدته إلى الساعة باستغراب وقالت
غريبة... إحنا مش مستنيين حد.
ذهب جاكوب ليفتح الباب...
وبمجرد أن فتحه، تغيرت ملامحه فجأة، وقال بدهشة
إنت؟!اتلفتُّ أنا ووالدته ناحية الباب.
كان راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، وفي إيده ظرف بني.
فضل جاكوب واقف ثواني وهو مصدوم، قبل ما يقول
حضرتك... إزاي عرفت العنوان؟
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة وقال
والدتك هي اللي كلمتني.
بص جاكوب لأمه باستغراب.
قالت له
أنا استأذنته قبل ما أكلمك... وحسيت إن الوقت بقى مناسب.
رحبت بيه ودخل.
قعد على الكنبة، وحط الظرف قدامه.
بصيت لجاكوب وهمست
مين ده؟
رد بهدوء
الأخصائي اللي كنت بتابع معاه وأنا صغير.
ساد الصمت في المكان.
فتح الرجل الظرف، وأخرج منه ورقة قديمة جدًا.
وقال
دي أول ملاحظة كتبتها عن جاكوب من أكتر من عشرين سنة... واحتفظت بنسخة منها.
ناولها لجاكوب.
قرأها بصمت، ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
قال له الأخصائي
فاكر قلتلك إيه في آخر جلسة قبل ما توقف المتابعة؟
هز جاكوب رأسه بالنفي.
ابتسم الرجل وقال
قلتلك إن التعافي مش معناه إن الخوف يختفي... التعافي معناه إنك متخليش الخوف هو اللي ياخد القرارات.
نظر جاكوب إلى الأرض.
ثم قال بصوت خافت
افتكرت إني بقيت قوي... ولما رجعتلي الأفكار، خجلت أطلب المساعدة.
رد الأخصائي
وده بيحصل مع ناس كتير. المهم إنك رجعت.
ثم التفت ناحيتي لأول مرة.
وقال بلطف
واضح إنك مريتي بفترة صعبة.
اكتفيت بهزة رأس.
فأكمل
أي علاقة صحية لازم يكون فيها احترام وحدود واضحة. ومهما كانت ظروف أي شخص، من حق الطرف الآخر يعبر عن اللي أذاه.
ثم التفت إلى جاكوب وقال
واعتذارك الحقيقي مش هيكون بالكلام... هيكون بالاستمرار.
هز جاكوب رأسه موافقًا.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن الطريق أمامهما ما زال طويلًا، لكنه بدأ أخيرًا على أساس من الصراحة والمسؤولية، لا على الخوف أو الشك بعد ما الأخصائي مشي، فضل البيت هادي بشكل غريب.
جاكوب كان واقف عند الشباك، باصص للشارع.
قربت منه والدته وقالت
حاسس بإيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
لأول مرة من سنين... حاسس إني مش مستخبي.
عدّى شهرين.
كنا بنتقابل، لكن بشكل مختلف.
بقينا نتكلم أكتر مما نتخانق.
ولو جاكوب حس إن فكرة مزعجة بدأت تسيطر عليه، كان يقولها بصراحة بدل ما يحولها لأوامر.
وفي مرة، كنا ماشيين في مول.
اشترينا آيس كريم، وقعدنا على مقعد في الممر.
فجأة وقع جزء من الآيس كريم على إيده.
زمان... كنت عارفة إنه كان هيروح يجري يدور على حمام يغسل إيده أكتر من مرة.
لكن المرة دي...
طلع منديل من جيبه، مسح إيده، وضحك.
وقال
الأخصائي قالي أسيب الموقف يعدي من غير ما أكرر نفس التصرف.
ابتسمت لأول مرة وأنا حاسة إن التغيير حقيقي.
بعدها بأسبوع، اتعزمنا عند خالته.
وأثناء القعدة، واحدة من قرايبه قالت وهي بتضحك
إيه يا جاكوب... بطلت تسأل الناس إذا كانوا غسلوا إيديهم؟
اتكسف شوية.
لكن قبل ما يرد، قال بكل هدوء
آه... وبطلت أفتكر إن خوفي لازم يبقى خوف كل اللي حواليا.
سكتت السفرة كلها.
والدته بصت له بفخر، وأنا حسيت إنه لأول مرة بيتكلم عن نفسه من غير خجل.
وفي طريق الرجوع، وقف بالعربية على جنب.
قلت باستغراب
فيه حاجة؟
قال
آه.
فتح درج العربية، وطلع منه ظرف أبيض.
ناولني إياه.
فتحته.
كان فيه ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها بخطه
من النهارده، أي قرار يخص حياتنا هنخده مع بعض... مش مع خوفي.
وقّع باسمه في آخر الورقة، ثم قال بابتسامة
احتفظي بيها... وكل ما تشوفي إني رجعت للعادات القديمة، طلعيهالي وفكريني بالوعد.
أغلقت الظرف بهدوء.
ولأني كنت شايفة قدامي شخصًا بيحاول فعلًا يتغير، بدأت أسمح لنفسي أصدق إن بعض الوعود... ممكن تتحقق، لما تكون مدعومة بالأفعال، مش بالكلمات فقط مرّت سنة كاملة.
وفي صباح هادئ، صحيت على صوت جاكوب بينادي من المطبخ
الفطار جاهز.
خرجت وأنا بضحك وقلت
إيه المناسبة؟
رد وهو بيحط الأطباق على السفرة
ولا مناسبة... بس النهارده بالظبط عدى سنة من أول جلسة رجعتلها.
قعدنا نفطر، وبعدها طلع من درج المطبخ دفتر صغير.
عرفته على طول.
نفس الدفتر اللي كان كاتب فيه وهو طفل
نفسي أبقى طبيعي زي باقي الناس.
فتحه، وقلب الصفحات لحد آخر صفحة.
ناولني القلم.
استغربت.
قلت أكتب إيه؟
ابتسم وقال
اكتبي أول حاجة تيجي في بالك.
فضلت أبص للصفحة شوية، وبعدين كتبت
أكتر حاجة فرقت... إنك بقيت تسمع قبل ما تطلب.
قرأ الجملة، وابتسم.
وقفل الدفتر.
في نفس اليوم، كنا مدعوين عند والدته على الغدا.
وأول ما دخلنا، لفت نظري إن البيت بقى مختلف تمامًا.
المعقمات بقت في مكانها الطبيعي.
المطبخ شكله عادي.
والجو كله فيه راحة.
والدته كانت واقفة بتحضر الأكل، ولما شافتنا قالت وهي بتضحك
النهارده عندي مفاجأة.
دخلت الأوضة، ورجعت وهي شايلة كرتونة كبيرة.
حطتها على السفرة.
فتحتها...
ولقيت فيها عشرات الزجاجات القديمة.
معقمات، وصابون، ومناديل معقمة، وحاجات كانت متخزنة من سنين.
بص جاكوب للكرتونة، وسألها
إيه ده؟
ابتسمت وقالت
دي آخر الحاجات اللي كنت محتفظة بيها من أيام خوفنا.
استغرب.
قالت
كنت بسيبهم علشان أحس بالأمان... لكن اكتشفت إن الأمان الحقيقي مش في الزجاجات.
شال أول زجاجة، وبصلها شوية.
ثم ضحك وقال
غريبة... زمان كنت شايفها أهم حاجة في البيت.
ردت والدته
والنهارده؟
ابتسم وقال
النهارده أهم حاجة... إننا مبقيناش بنخلي الخوف يدير حياتنا.
سكتت والدته للحظة.
ثم قالت وهي تنظر إليهما
أنا استنيت اليوم ده سنين.
وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب.
ذهبت والدته لتفتح.
وبعد ثوانٍ، سمعناها تقول بدهشة
إنتِ؟... اتفضلي.
نظر جاكوب إليّ باستغراب، لأننا لم نكن ننتظر أي ضيوف.
ثم دخلت شابة تحمل في يدها ملفًا قديمًا، وما إن وقعت عيناها على جاكوب حتى قالت
أنا آسفة إني جيت من غير ميعاد... لكن لازم أتكلم معاك في موضوع مؤجل من سنين مرت ستة أشهر.
خلالهم، كان فيه أيام سهلة... وأيام صعبة.
في بعض المرات، كنت ألاحظ التوتر على جاكوب من غير ما يتكلم.
لكن الفرق الكبير إنه بقى يقول
أنا متوتر النهارده... ممكن أحتاج شوية وقت.
بدل ما يقول
اعملي كذا.
وده كان فرق كبير.
وفي يوم، كنا بنجهز دعوات الفرح.
الدعوات كانت مرصوصة على السفرة، وكل حاجة ماشية بهدوء.
دخلت المطبخ أجيب العصير، ولما رجعت لقيته واقف مكانه، باصص للدعوات.
سألته
مالك؟
ابتسم وقال
ولا حاجة... مجرد توتر طبيعي.
وبعدين ضحك وأضاف
زمان كنت هقعد أمسح كل ظرف بمعقم.
ضحكت أنا كمان.
ولأول مرة، بقينا نهزر على حاجة كانت زمان سبب في دموعي.
بعد أيام، رن جرس الباب.
كان ساعي البريد.
سلمني ظرفًا صغيرًا.
فتحت الظرف، فوجدت بطاقة مكتوبًا عليها بخط يد أعرفه.
كانت من والدة جاكوب.
كتبت فيها
أنا فخورة بيكم أنتم الاتنين. مش
متابعة القراءة