تتبعت بنتي
المحتويات
على الأرض.
والمسدس ما زال فوق الترابيزة بعيدًا عن الجميع.
قال خالد بهدوء
كل حاجة زي ما هي. الكاميرات سجلت اللي حصل، والملفات موجودة جوه الغرفة.
في اللحظة دي...
حاول هاني يستغل انشغال الجميع.
مد إيده ببطء ناحية الترابيزة...
وناحية الفلاشة اللي كانت جنب الملف.
لكن مريم لمحته.
صرخت بأعلى صوتها
بابا... الفلاشة!
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
وهاني كان قد أمسك الفلاشة بالفعل... ثم اندفع يجري نحو الممر الخلفي المؤدي إلى الحديقة.
وخالد انطلق خلفه بكل سرعته، بينما كان الجميع يلاحقه.
وانتهت المطاردة عند سور الفيلا الخلفي...
عندما وجد هاني نفسه محاصرًا، لكنه ما زال يقبض على الفلاشة بكل قوته، ونظر إليها ثم إلى خالد، وقال بابتسامة غامضة
لو مش هتبقى ليا... مش هتبقى لحد.
ثم رفع يده، مستعدًا لرمي الفلاشة إلى الجهة الأخرى من السور... دون أن يعرف أحد ماذا يوجد خلفه ارتفعت إيد هاني...
والفلاشة كانت بين صوابعه.
لكن قبل ما يرميها...
قال خالد بصوت هادئ
بلاش.
هاني ضحك.
خايف عليها؟
رد خالد بنفس الهدوء
لأ... عليك.
استغرب هاني للحظة.
وفي الثانية دي، فقد تركيزه.
كانت الأرض جنب السور مبلولة بسبب رشاشات الري، فانزلقت قدمه وهو بيحاول ياخد خطوة لورا.
الفلاشة طارت من إيده...
لكنها ما خرجتش برة السور.
وقعت وسط الحشائش الكثيفة داخل الفيلا.
جري أحد أفراد الأمن والتقطها قبل ما أي حد يوصلها.
صرخ هاني بعصبية
هاتها!
لكن اتأخر.
الفلاشة بقت في أيدٍ أمينة.
في نفس الوقت، اقترب اثنان من أفراد الأمن منه، وطلبوا منه يبعد عن السور.
حاول يقاوم، لكنه كان محاصرًا من كل اتجاه.
أما خالد...
فرجع بسرعة لمريم.
خلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتفيها.
وقال بصوت منخفض
إنتِ بخير؟
هزت رأسها، لكن الدموع كانت نازلة من غير كلام.
قالت بعد لحظات
أنا كنت فاكرة إنك مش هتلحقني.
ابتسم خالد ابتسامة صغيرة.
طول ما أنا عايش... هفضل أدور عليكي.
وفي أثناء تأمين المكان، لاحظ أحد أفراد الأمن حاجة غريبة.
كان فيه صندوق حديدي صغير مدفون جزئيًا تحت شجرة قريبة من السور، كأنه اتدفن من فترة قصيرة.
نادى على المسؤول.
اتجمع الكل حوالين الصندوق.
كان مقفول بقفل رقمي.
بص خالد للقفل، واتسعت عينه.
الأرقام اللي عليه ما كانتش عشوائية...
كانت نفس الأرقام اللي شافها قبل دقائق مكتوبة بخط صغير على آخر صفحة في الملف.
فهم فورًا إن الصندوق مرتبط بالمستندات والفلاشة.
لكن إيه اللي جواه؟
وأهم...
مين اللي دفنه هناك، وليه كان مخبيه بعيد عن الغرفة السرية؟
ظل الجميع ينظر إلى الصندوق في صمت، بينما بدأ خالد يمد يده نحو لوحة الأرقام... دون أن يعرف ما الذي سينكشف بمجرد فتحه خالد وقف قدام الصندوق، وبص للأرقام المكتوبة في آخر صفحة من الملف.
أخذ نفسًا عميقًا...
وضغط الرقم الأول.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وأخيرًا الرابع.
طق...
القفل فتح.
ساد صمت كامل.
رفع خالد الغطاء ببطء.
لكن بدل ما يلاقي ذهب أو فلوس...
لقى ظرفًا بنيًا كبيرًا، ودفترًا قديمًا، وهاتفًا محمولًا قديم الطراز، وكانت بطاريته منزوعة.
أخرج الظرف أولًا.
كان مكتوبًا عليه بخط واضح
يُفتح فقط إذا حاول أحد إجبار مريم على التنازل عن الأرض.
نظر خالد إلى مريم، ثم فتح الظرف بحذر.
في داخله كانت هناك نسخة أصلية من وصية الجد، ومعها خطاب مكتوب بخط يده.
بدأ خالد يقرأ بصوت منخفض
إذا وصلتم إلى هذا الخطاب، فاعلموا أن هناك من حاول الحصول على الأرض بالقوة. لذلك أخفيت النسخة الأصلية بعيدًا عن الجميع، حتى لا تضيع حقوق حفيدتي.
سكت خالد لحظة.
ثم أكمل القراءة.
الأرض لا يجوز بيعها أو التنازل عنها إلا برغبة مريم الكاملة، وأي مستند يخالف ذلك باطل.
تنفست مريم براحة لأول مرة منذ ساعات.
لكن خالد لم يغلق الخطاب.
كان هناك سطر أخير...
قرأه، فتغيرت ملامح وجهه فجأة.
رفعت مريم رأسها بسرعة.
في إيه يا بابا؟
طوى خالد الورقة بهدوء.
وقال
لازم أتأكد الأول.
لاحظ المسؤول تغير تعبيره.
فسأله
في حاجة مهمة؟
رد خالد وهو يعيد الخطاب إلى الظرف
فيه معلومة محتاجة مراجعة قبل ما أتكلم عنها.
ثم مد يده إلى الهاتف القديم الموجود داخل الصندوق.
ركب البطارية التي كانت بجواره.
وضغط زر التشغيل.
بعد ثوانٍ...
أضاءت الشاشة.
وظهر إشعار واحد فقط، محفوظ منذ سنوات.
كان عبارة عن تسجيل صوتي...
وعنوانه
إذا سمعت الرسالة دي... يبقى الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.
نظر خالد إلى الجميع.
ثم ضغط زر التشغيل...
وتردد صوت الجد في الغرفة، لتبدأ كلمات قد تغيّر كل ما كانوا يعتقدونه عن هذه القضية انطلق التسجيل بصوت رجل مسن، لكنه ثابت وواضح
أنا محمود السيوفي... ولو التسجيل ده اشتغل، يبقى فيه حد حاول يجبر حفيدتي مريم على التنازل عن حقها.
ساد الصمت.
حتى هاني، الذي كان واقفًا تحت الحراسة، توقف عن الكلام.
أكمل الصوت
أنا سجلت الرسالة دي بعد ما لاحظت إن فيه ناس بتسأل عن أوراق الأرض بطريقة مريبة. علشان كده قسمت المستندات في أكتر من مكان، وسيبت دليل يوصل ليها لو حصل أي خطر.
نظر خالد إلى الملف الذي في يده، ثم عاد يستمع.
ولو حد بيستمع للتسجيل ده من جهة التحقيق... هتلاقوا كل النسخ الأصلية متطابقة، وأي أوراق اتعملت بعد تاريخ تسجيل الرسالة دي، لازم تتراجع بدقة.
ثم انتهى التسجيل بجملة قصيرة
احفظوا الحق... ومتظلموش حد.
ساد صمت طويل.
أغلق خالد الهاتف برفق، وسلمه مع الملف والظرف إلى المسؤول.
وقال
كل اللي لقيناه كان في الصندوق. الأفضل يتوثق ويتفحص بالطريقة الرسمية.
أومأ المسؤول برأسه، وطلب من فريقه جمع المستندات، وتصوير مكان العثور عليها قبل نقل أي شيء، حتى تظل الإجراءات سليمة.
في هذه الأثناء، جلست مريم على مقعد خشبي في الحديقة، وقد بدأت تستعيد هدوءها.
اقترب منها خالد.
ناولها زجاجة ماء.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت
أنا كنت فاكرة إن محدش هيصدقني.
ربت على كتفها وقال
الحقيقة ممكن تتأخر... لكنها لما تظهر، بتتكلم بنفسها.
وفي تلك اللحظة...
أحد أفراد الفريق نادى المسؤول بصوت مرتفع
يا فندم... لقينا حاجة تانية!
التفت الجميع.
كان يقف بجوار جدار خلفي للمخزن، وقد لاحظ وجود تجويف مخفي خلف ألواح خشبية قديمة.
وعندما أزال آخر لوح...
ظهر درج حديدي ضيق ينزل إلى أسفل.
نظر الجميع إلى بعضهم في دهشة.
المخزن الذي ظنوا أنهم فتشوه بالكامل...
كان يخفي مستوى آخر تحت الأرض.
وخالد أمسك المصباح اليدوي، ونظر إلى الدرج، ثم قال بهدوء
واضح إن لسه فيه أسرار ما اتكشفتش...أضاء خالد المصباح اليدوي.
انعكس نوره على درجات السلم الحديدية، المغطاة بطبقة سميكة من التراب.
واضح إن المكان ما اتفتحش من سنين.
نظر المسؤول إلى فريقه وقال
محدش ينزل قبل ما نتأكد إن المكان آمن.
لكن قبل أن يتحرك أحد...
سمعوا صوتًا خافتًا من الأسفل.
طن...
ثم...
طن...
كأنه معدن بيخبط في معدن.
تبادل الجميع النظرات.
قال أحد أفراد الفريق
في حد تحت؟
ماحدش رد.
نزل خالد أول درجة، ثم الثانية، والمصباح بينور قدامه.
وصل لنهاية السلم.
كانت غرفة تحت الأرض، جدرانها من الخرسانة، وفيها أرفف قديمة مليانة صناديق مغبرة.
وفي منتصف الغرفة...
طاولة معدنية عليها جهاز كمبيوتر قديم، وعدة كاميرات مفككة، وأجهزة تسجيل.
لكن أغرب حاجة...
كانت خزنة كبيرة مثبتة في الحائط.
اقترب خالد منها.
وجد عليها ورقة صفراء مكتوب فيها
لا تُفتح إلا بحضور الجهات المختصة.
ابتعد خطوة للخلف.
وقال للمسؤول
الخزنة زي ما هي... الأفضل تتفتح بالإجراءات الرسمية.
أومأ المسؤول موافقًا.
وبينما كان أحد أفراد الفريق يصور المكان...
لفت انتباهه شيء صغير تحت الطاولة.
انحنى والتقطه.
كان مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، مربوطًا به بطاقة صغيرة.
ناولها لخالد.
قرأ ما كُتب عليها بصوت منخفض
المزرعة القديمة.
رفع خالد رأسه ببطء.
المزرعة القديمة...
كانت مكانًا مهجورًا تملكه العائلة منذ سنوات طويلة، ولم يذهب إليه أحد منذ وفاة الجد.
نظر إلى مريم.
فوجدها تحدق في المفتاح، ثم قالت
جدي كان دايمًا يقول إن المزرعة فيها آخر سر... لكن كنت فاكرة إنه بيهزر.
أغلق خالد قبضته على المفتاح.
وشعر أن ما حدث في الفيلا لم يكن نهاية الطريق...
بل بدايته فقط خالد قلب المفتاح بين أصابعه وهو شارد.
كان يعرف المزرعة كويس.
آخر مرة دخلها كانت من أكتر من خمسة عشر سنة، يوم جنازة والد منى.
بعدها اتقفلت، ومحدش سأل عنها.
نظر للمسؤول وقال
المفتاح ده لقيناه هنا، وهسلمه مع باقي المضبوطات. لكن لازم تعرفوا إن المزرعة مسجلة في أوراق العيلة.
أخذ المسؤول المفتاح، ووضعه داخل كيس حفظ الأدلة، ثم قال
أي انتقال للمزرعة هيكون بالإجراءات القانونية، وبعد الانتهاء من معاينة المكان هنا.
هز خالد رأسه موافقًا.
وفي أثناء تصوير الغرفة تحت الأرض، نادى أحد أفراد الفريق مرة تانية
يا فندم... فيه حاجة غريبة.
اقترب الجميع.
كان على الأرض آثار عجلات صغيرة، كأن صناديق ثقيلة اتسحبت من الغرفة في وقت قريب.
لكن طبقة التراب على باقي الأرض كانت سميكة جدًا.
يعني...
حد دخل الغرفة قبل أيام قليلة فقط.
قال خالد وهو بيتأمل الآثار
لو المكان مقفول من سنين... يبقى فيه حد كان معاه مفتاح تاني.
نظر الجميع إلى هاني.
لكن هاني هز رأسه بسرعة.
أقسم بالله... أول مرة أشوف المكان ده.
خالد ما ردش.
كان يعرف إن الإنكار سهل...
لكن الآثار على الأرض ما بتكدبش.
وفجأة...
أحد أفراد الفريق وجد كاميرا مراقبة صغيرة جدًا، مخفية بين ماسورة تهوية في سقف الغرفة.
قال بدهشة
دي كانت شغالة!
تم نزع بطاقة الذاكرة منها بحذر.
ناولها للمسؤول.
قال
لو التسجيلات سليمة، هنعرف مين آخر شخص دخل هنا.
نظر خالد إلى بطاقة الذاكرة، وشعر إن الإجابة التي بيدور عليها قد تكون
متابعة القراءة