تتبعت بنتي

لمحة نيوز

واختفى قبل أن يلتفت إليه أحد وقف الجميع حول العلبة المعدنية.
التقط المسؤول صورًا لها من جميع الزوايا، ثم ارتدى قفازات جديدة قبل أن يرفع الغطاء بحذر.
طَق...
انفتح القفل بسهولة.
حبس الجميع أنفاسهم.
داخل العلبة كانت توجد ثلاثة أشياء فقط
مفتاح صغير من النحاس.
دفتر حسابات قديم.
مظروف أبيض مغلق بالشمع.
فتح المسؤول دفتر الحسابات أولًا.
كانت صفحاته مليئة بتواريخ ومبالغ مالية، لكن آخر صفحة كانت مختلفة.
فيها أسماء، وبجوار كل اسم توقيع.
قال خالد وهو يتأمل الصفحة
دي مش حسابات... دي سجل استلام.
رفع المسؤول نظره إليه.
استلام إيه؟
أشار خالد إلى أول السطر.
كان مكتوبًا
استلام أصل المستندات بعد مراجعتها.
لكن معظم التوقيعات كانت غير مقروءة.
إلا توقيعًا واحدًا واضحًا.
تغيرت ملامح خالد فور رؤيته.
همست مريم
إنت عرفته؟
أجاب بهدوء
أيوه... لكنه محتاج يتراجع رسميًا قبل ما نقول أي حاجة.
ثم التفت إلى المظروف.
فتح الشمع بحرص.
وجد بداخله رسالة قصيرة، كتبها الجد بخط يده
إذا وصلتم إلى هنا، فأنتم وجدتم كل ما أخفيته. لا تبحثوا عن كنز، فالحق هو الكنز الحقيقي. حافظوا على الوثائق، وسلموها للجهات المختصة، ولا تسمحوا لأحد أن يستغلها لمصلحة شخصية.
ساد صمت عميق.
ابتسم خالد لأول مرة منذ اختفاء مريم.
نظر إليها وقال
جدك كان بيفكر في اليوم ده من سنين.
ابتسمت مريم وسط دموعها.
الحمد لله إننا لقينا الحقيقة.
وفي الخارج...
بدأت الشمس تميل إلى الغروب.
خرج الجميع من البيت القديم، بعدما تم جمع كل الأدلة وتوثيقها وفق الإجراءات.
نظر خالد إلى المزرعة للمرة الأخيرة.
المكان الذي بدأ منه كل هذا الغموض...
أصبح الآن شاهدًا على انكشاف الحقيقة.
أغلق باب البيت بهدوء، وغادر مع مريم، وقد أدرك أن أغلى ما كسبه في ذلك اليوم لم يكن الأرض ولا المستندات...
بل عودة ابنته إليه سالمة، وانتهاء الكابوس الذي كاد يفرق بينهما تبادل الجميع النظرات في صمت.
كل واحد بدأ يفكر...
هل فعلًا في حد بينهم بيسرب كل خطوة؟
قطع المسؤول الصمت وقال
محدش يتسرع في اتهام أي حد. أي معلومة لازم تبقى مبنية على دليل.
هز خالد رأسه موافقًا.
كان عارف إن الاتهام من غير دليل ممكن يضيع القضية كلها.
أخذ الدفتر، وقلب صفحاته مرة تانية بهدوء.
وفجأة...
وقفت عينه عند صفحة كان طرفها ملزوق ببعض.
فصلها بحذر.
خرج منها ظرف صغير جدًا.
مختوم بالشمع الأحمر.
وعليه عبارة واحدة
إلى حفيدتي مريم.
ناول خالد الظرف لمريم.
ارتعشت إيدها وهي بتفتحه.
كان جواه خطاب قصير.
بدأت تقرأ بصوت منخفض
يا مريم... لو وصل لكِ الخطاب ده، فاعرفي إن أغلى حاجة ورثتهالك مش الأرض... ولا المزرعة... أغلى ميراث هو اسم العيلة وسمعتها. لو جه يوم واضطريتي تختاري بين المال والحق... اختاري الحق، حتى لو خسرتِ كل شيء.
انهمرت دموع مريم وهي تضم الخطاب إلى صدرها.
لكن خالد لاحظ شيئًا آخر.
في آخر الورقة...
كان فيه رسم صغير جدًا، بالكاد يُرى.
عدسة مكبرة أُحضرت لفحصه.
اتضح أنه ليس رسمًا...
بل مخطط مصغر لجزء من البيت القديم.
وفي زاوية المخطط علامة داخل إحدى الغرف.
قال خالد
واضح إن الجد كان مخبي حاجة تانية.
عادوا جميعًا إلى البيت القديم.
دخلوا الغرفة المحددة في الرسم.
بدت عادية جدًا.
لكن خالد أخذ يقيس المسافات بعينيه، ثم طرق على الأرضية الخشبية.
دق... دق...
حتى وصل إلى لوح أصدر صوتًا مختلفًا.
طَق...
ابتسم.
فيه فراغ تحته.
بدأ الفريق في رفع اللوح بحذر.
وتحته...
ظهرت علبة معدنية صغيرة محكمة الإغلاق.
نظر الجميع إليها في ترقب.
لكن خالد لم يفتحها.
قال للمسؤول
دي هتتفتح بالإجراءات الرسمية، زي كل الأدلة اللي قبلها.
وبينما كان المسؤول يلتقطها...
لاحظوا أن على غطائها نقشًا صغيرًا جدًا، لم ينتبه له أحد في البداية.
كان عبارة عن كلمة واحدة فقط
الحقيقة.
وانتهى الجميع من تأمين العلبة، دون أن يعرفوا بعد ما الذي تخفيه بداخلها بعد أيام قليلة...
كانت التحقيقات مستمرة، وكل المستندات والرسائل التي عُثر عليها خضعت للفحص الرسمي.
جلس خالد مع مريم في شرفة منزله.
كانت هذه أول مرة يجلسان معًا في هدوء منذ اختفائها.
قالت مريم وهي تمسك كوب الشاي
يا بابا... فيه سؤال محيرني.
ابتسم خالد.
اسألي.
قالت
إنت إزاي عرفت إشارة مورس اللي خبطتها على الحيطة؟
ضحك خالد لأول مرة من قلبه.
وقال
فاكرة وإنتِ عندك عشر سنين لما الكهربا قطعت في البيت؟
ابتسمت.
لما كنت بتخبط على الحيطة وأنا أرد عليك؟
هز رأسه.
قلتلِك وقتها إن أي مهارة بنتعلمها ممكن تنقذ حياة في يوم من الأيام.
سكتت لحظة، ثم قالت
أنقذت حياتي فعلًا.
ساد الصمت.
ثم رن هاتف خالد.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل هو المسؤول عن القضية.
رد بهدوء
ألو.
جاءه الصوت
أستاذ خالد... حبيت أبلغك إن كل الأدلة اتسلمت، والتحقيقات ماشية في مسارها القانوني، وبنتك أصبحت في أمان. ونشكرك على تعاونك والتزامك بالحفاظ على الأدلة.
ابتسم خالد.
الواجب.
أنهى المكالمة.
نظر إلى مريم، ثم إلى السماء التي بدأت تتلون بلون الغروب.
وقال
أحيانًا الناس بتفتكر إن القوة في المال... أو النفوذ.
ابتسمت مريم وسألته
وأنت شايفها في إيه؟
أجاب وهو يربت على كتفها
في إن الإنسان يتمسك بالحق، حتى لو الطريق ليه طويل.
ابتسمت، وأسندت رأسها على كتفه.
ولأول مرة منذ بداية المحنة...
شعرت بالأمان.
تمت بعد مرور شهر...
بدأت الحياة ترجع لطبيعتها تدريجيًا.
مريم رجعت لشغلها، وخالد رجع لورشته الصغيرة، رغم إنه ماكانش محتاج يشتغل.
كان بيقول دائمًا
الشغل بيخليني واقف على رجلي.
وفي صباح هادئ...
كان بينظف صندوق أدواته القديم.
وفجأة...
وقع مفك صغير على الأرض.
ولما انحنى يجيبه، لقى ظرفًا صغيرًا عالقًا تحت درج الصندوق.
استغرب.
الظرف كان قديمًا جدًا، وعليه اسمه بخط يعرفه كويس.
إلى خالد.
ابتسم وهو يتمتم
خط عم محمود...
فتح الظرف بحذر.
كانت فيه ورقة واحدة فقط.
قرأ أول سطر...
فتغيرت ملامحه.
دخلت مريم في اللحظة دي.
خير يا بابا؟
ناولها الورقة.
كان مكتوبًا فيها
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فاعرف أنني كنت واثقًا أنك لن تبحث عن المال، بل عن الحقيقة. لهذا السبب أخفيت عنك شيئًا واحدًا طوال هذه السنوات.
أكمل خالد القراءة
سامحني... لكنني كنت أخشى أن معرفتك بالحقيقة مبكرًا تعرضك أنت ومريم للخطر. الآن فقط أصبح الوقت مناسبًا.
نظر إلى مريم، ثم أكمل السطر الأخير
في الورشة التي بنيتها بيدك... يوجد آخر شيء تركته لكم. ولن تحتاج إلى حفر أو كسر أي شيء... فقط انظر إلى المكان الذي علقت فيه أول كاميرا صنعتها بنفسك.
ساد الصمت.
ابتسمت مريم وقالت
حتى بعد كل اللي حصل... جدّي لسه بيسيب لنا مفاجآت.
ضحك خالد وهو يهز رأسه.
واضح إنه كان بيحب الألغاز.
في تلك الليلة...
أغلق خالد الورشة من الداخل.
وقف أمام أول كاميرا قديمة صنعها بيديه قبل عشرات السنين، وكانت لا تزال معلقة على الحائط كتذكار.
مد يده إليها...
ثم توقف.
أخذ نفسًا عميقًا.
وقال لنفسه
يمكن دي آخر رسالة فعلًا...
ثم بدأ يفك الكاميرا من مكانها ببطء...

تم نسخ الرابط