طفل عنده 7 سنوات

لمحة نيوز

طفل عنده 7 سنين مسكني من إيدي وقال محدش صدقني... يمكن إنت تصدق!الولد اللي طلب مني أوصله البيت
في يوم تلات بعد الضهر، ولد هادي عنده سبع سنين جه وقف قدامي قدام المدرسة وقاللي سؤال عمري ما هنساه.
يا حضرة الظابط... ممكن توصلني البيت؟
في الأول افتكرت إنه تايه، أو حد من أهله اتأخر عليه، أو خايف يروح لوحده.
لكن شد حمالات شنطته بإيده وقال بصوت واطي
في حاجة مش طبيعية في البيت... بس مش هعرف أشرحها هنا. لازم تيجي وتشوفها بعينك.
اسمه كان سيف.
كان جسمه صغير بالنسبة لسنه، وشعره البني نازل على جبينه، والكوتشي بتاعه من قدام متبهدل، كأنه بقاله كتير بيلبسه.
كان واقف قدام بوابة مدرسة ابتدائي، والأهالي بيستلموا عيالهم، والمدرسين بيودعوا الطلبة قبل ما يمشوا.
اليوم كله كان شكله عادي.
الشمس مالية الشارع، والعربيات ماشية بالراحة قدام المدرسة، والعيال بتضحك وبتوري بعض الساندويتشات والستيكرات اللي معاهم.
بس سيف...
ماكانش بيضحك.
ماكانش بيتحرك كتير.
وماكانش بيتكلم بالطريقة اللي الأطفال بيحاولوا بيها يلفتوا انتباه الكبار.
كان واقف في هدوء... ومستني.
بقالي أكتر من عشر سنين شغال في خدمة المجتمع، وقابلت أطفال كتير تايهين، أو ضايعين من أهاليهم، أو خارجين من مشاكل في البيت.
ومع الوقت بقيت أعرف أفرق بين خوف عادي... وخوف أعمق من كده بكتير.
وسيف...
كان شايل حمل أكبر بكتير من سنه.
واللي وجعني أكتر إنه كان متعود يشيله لوحده.
نزلت لمستواه وبقيت أبصله في عينه.
قلتله
حد زعلك النهارده؟
بص للمدرسة وهز راسه.
لأ... مش النهارده.
سألته
طيب حصل حاجة في البيت؟
وشه اتغير فجأة.
وقال
أنا حاولت أقول للناس.
قلت
قولت لمين؟
رد
للميس... ولعمتي... ولبابا.
وقالولك إيه؟
بص للأرض وقال
قالولي إني بقلق على الفاضي... والميس قالت إن في بيوت بتبقى مكركبة عادي... وعمتي قالت إن تيتة طول عمرها كده... وبابا قال هيشوف الموضوع بعدين.
كان مؤلم أوي إني أسمع طفل عنده سبع سنين يقول كلمة بعدين كأنه وعد اتقاله ميت مرة... وما اتحققش ولا مرة.
عديت على إدارة المدرسة الأول عشان أتأكد إن مسموحله يروح، وبعدها بلغت المسؤول بتاعي، وقلت لمدير المدرسة إني هوصله البيت.
العنوان كان على بعد كام شارع بس.
وإحنا ماشيين...
سيف ماجابش سيرة كرتون، ولا كورة، ولا ألعاب، ولا حتى حيوان أليف.
كان ساكت...
وبيلاحظ كل حاجة حواليه.
يبص لكل عربية تعدي.
ويعد البيوت.
ويتجنب أي حجر صغير في الرصيف.
كان واضح إنه اتعلم يركز في أصغر التفاصيل... لأن الكبار حواليه بطلوا يلاحظوا أهم الحاجات.
في نص الطريق تقريبًا سألته
ليه اخترت تطلب مني أنا؟
فضل ساكت شوية وهو ماشي...
وبعدين قال
أنا شوفتك هنا من أسبوعين.
استغربت وقلت
بجد؟ كان إيه اللي حصل؟
قال
كان في بنت بتعيط عشان أهلها كانوا بيتخانقوا... إنت قعدت جنبها وسمعتلها... وماقلتل ووووو
حكايات_زيزي
...وماقلتلهاش إنها بتبالغ.
ابتسم سيف ابتسامة صغيرة اختفت بسرعة، وكمل
قولت يمكن إنت الوحيد اللي هتصدقني.
الكلام وقع عليَّ تقيل.
لأن طفل في سنه المفروض يدور على حد يطمنه... مش يدور على أول شخص يصدقه.
فضلنا ماشيين لحد ما دخلنا شارع أضيق من اللي قبله.
البيوت كانت قديمة، والشبابيك مقفولة رغم إن الوقت كان لسه عصر.
أول ما لفينا عند آخر ناصية، حسيت إن سيف بطّأ خطواته.
بصيتله وقلت
إحنا قربنا؟
هز راسه من غير ما يتكلم.
لكن إيده بدأت تمسك طرف الشنطة بقوة، لدرجة إن صوابعه ابيضّت.
وصلنا قدام بيت دورين، سور حديد قديم، والجنينة الصغيرة اللي قدامه كان واضح إنها مهملة من فترة.
الغريب إن البيت كله كان ساكت.
سكون غريب...
لا صوت تلفزيون.
لا صوت أطفال.
ولا حتى صوت مروحة من الشباك.
سيف وقف قبل البوابة بخطوتين، وماكملش.
قلتله بهدوء
ده بيتكم؟
هز راسه.
لكن بدل ما يفتح الباب، بصلي وقال بصوت مرتعش
قبل ما ندخل... أوعدني إنك هتبص بنفسك.
قلت
هبص على إيه؟
بلع ريقه وقال
أي حد بيدخل... بيبص على تيتة الأول.
سألته باستغراب
وجدتك فين؟
رفع صباعه ناحية الشباك اللي في الدور الأرضي.
الستارة كانت مقفولة.
لكن كان باين من بينها كرسي هزاز قديم.
قال
كلهم بيفتكروا إنها قاعدة هناك.
سألته
وهي مش قاعدة؟
رد بسرعة
لأ... بقالها أيام ماقعدتش عليه.
سكت ثانية، وبعدين همس
بس... الكرسي كل ليلة بيفضل يهتز لوحده.
قبل ما أرد عليه، سمعنا صوت باب حديد بيتفتح من جوه...
وسيف اتجمد مكانه، وهمس من غير ما يرفع عينه
هو رجع...اتفتح الباب ببطء...
ورجل في أواخر الأربعينات خرج وهو شايل كيس طلبات، أول ما شاف سيف قال بنبرة فيها تعب أكتر من العصبية
اتأخرت ليه يا سيف؟
سيف ما ردش.
فضل واقف ورا ضهري، كأنه مستني أشوف حاجة قبل ما أي حد يتكلم.
عرفت نفسي بهدوء، وقلت
أنا وصلت سيف من المدرسة، وكان قلقان على حاجة في البيت، فحبيت أطمن.
الرجل تنهد وقال وهو بيحاول يبتسم
آسف يا حضرة الظابط... الواد بقاله فترة بيتخيل حاجات كتير بعد اللي حصل.
بصيتله وسألته
إيه اللي حصل؟
سكت لحظة، وبعدين قال
أمي تعبانة بقالها شهور، ومبقتش تنزل من أوضتها كتير، والبيت كله اتلخبط بسبب مرضها.
وأثناء كلامه...
لاحظت حاجة غريبة.
سيف كان مركز بعينيه على طرقة طويلة بتدخل لآخر البيت.
مش على أبوه...
ولا عليَّ.
وكأنه مستني حاجة تحصل.
قلت لأبوه
ممكن أدخل دقيقة؟
رحب بيا من غير تردد.
دخلت البيت...
وكان فعلاً مرتب أكتر مما كنت متوقع.
مفيش فوضى، ولا آثار إهمال بالشكل اللي الطفل وصفه.
لكن كان فيه إحساس تقيل...
كأن كل واحد في البيت بيحاول يخبي قلقه عن التاني.
وأنا ماشي في الطرقة، عيني وقعت على الكرسي الهزاز اللي سيف كان بيحكي عنه.
كان ثابت تمامًا.
قربت منه...
ولاحظت إن الأرضية تحته فيها علامات احتكاك جديدة، كأنه بيتحرك باستمرار.
في اللحظة دي، خرجت سيدة كبيرة في السن من آخر الطرقة، مستندة على عصاية.
ابتسمت وقالت
أهلًا يا ابني... نورت البيت.
عرفت فورًا إنها الجدة.
بصيت بسرعة ناحية سيف.
لقيته شاحب جدًا.
وهمس بصوت بالكاد اتسمع
دي مش تيتة...
اتلفت ناحيته بسرعة وقلت
إزاي؟
رد وهو بيبص للسيدة من بعيد، وعينيه مليانة خوف
تيتة عمرها ما كانت بتمشي بالعصاية دي... واللي واقفة دي... لابسة الشبشب بتاع عمتي.
في اللحظة دي...
السيدة رفعت رأسها، وبصت مباشرة لسيف، وقالت بابتسامة هادئة
مالك يا حبيبي؟ كأنك شفت حد غريب.
أما سيف...
فشد على إيدي بقوة لأول مرة، وهمس
لو سمحت... اسألها السؤال اللي محدش سأله قبل كده...بصيت لسيف، وبعدها رجعت أبص للسيدة.
قلت بهدوء ومن غير ما أوتر الجو
ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
ابتسمت وقالت
اتفضل يا ابني.
قلت
آخر مرة حضرتك خرجتي فيها من البيت كانت إمتى؟
قبل ما ترد...
أبو سيف استعجل وقال
من أسبوع تقريبًا، لما رحنا للدكتور.
لكن السيدة رفعت إيديها بهدوء وقالت
استنى يا كريم... سيبني أرد.
بصتلي وقالت
بقالي أكتر من شهرين ما خرجتش من البيت.
سكت الأب فجأة.
واضح إنه استغرب من الإجابة.
أما سيف...
فبصلي بسرعة كأنه بيقولي شايف؟
سألتها سؤال تاني
وحضرتك بتقعدي معظم الوقت فين؟
قالت
في أوضتي... أو على الكرسي اللي جنب الشباك.
سيف هز راسه بالنفي فورًا.
وقال بصوت خافت
مش الكرسي ده...
الأب بدأ يفقد صبره.
يا حضرة الظابط، هو الولد بقاله كام يوم مركز في تفاصيل غريبة، وكل شوية يقول كلام يخلينا نقلق.
قلتله بهدوء
خلينا نسمعه للآخر.
لفيت ناحية سيف.
قوللي... إيه الحاجة اللي محدش لاحظها؟
بص ناحية السيدة، وبعدين قال
كلهم بيسألوها هي تعبانة ولا لأ... أو أخدت دواها ولا لأ.
وسكت.
لكن محدش سألها ليه أوضتها مقفولة بالمفتاح من بره كل يوم.
الكلمة دي خلت المكان كله يسكت.
الأب اتجمد مكانه.
والسيدة نفسها بصت ناحية آخر الطرقة باستغراب.
قلت فورًا
مقفولة من بره؟
سيف هز راسه.
كل يوم الصبح... ولما بابا ينزل الشغل... حد بيقفل عليها... وبالليل بس بيفتح.
الأب رد بسرعة
مستحيل... أنا عمري ما عملت كده.
سيف قال
أنا ما قولتش إنك إنت.
بدأت أحس إن فيه حاجة فعلًا

تم نسخ الرابط