طفل عنده 7 سنوات
ننادي عليه.
جرى الأب وفتح صندوق البريد.
كان الظرف مكتوب عليه
إلى سيف.
فتحناه.
جواه ورقة واحدة فقط.
ومكتوب فيها
لأنك كنت الوحيد اللي لاحظ... أنقذت عيلتك من إنها تفضل غافلة. حافظ على قلبك زي ما هو.
بصينا لبعض في صمت.
وسيف سألني بهدوء
تفتكر مين بعت الجواب؟
ابتسمت وقلت
يمكن شخص شاف اللي عملته... وحب يشكرك.
لكن الحقيقة...
إن لحد النهارده، محدش عرف مين كان الراجل اللي كان بيقف كل يوم قدام البيت، ولا مين كان بيحط الرسائل في صندوق البريد.
وظل اللغز ده... هو السر الوحيد اللي فضّل من غير إجابة بعد الرسالة الأخيرة...
عدّى حوالي شهر، ومافيش أي ظرف جديد وصل.
البيت رجع لحياته الطبيعية، وسيف رجع يهتم بمدرسته ولعبه، وأنا بدأت أفتكر إن الراجل الغامض ده كان مجرد شخص مرّ وانتهى الموضوع.
لكن في صباح يوم جمعة...
رن تليفوني.
كان الأب.
قال بصوت متوتر
ممكن تيجي بسرعة؟
وصلت خلال ربع ساعة.
أول ما دخلت، لقيت سيف واقف في الصالة وماسك صندوق البريد الصغير.
قال
بص.
كان الصندوق مقفول بالمفتاح.
لكن جواه كان فيه شيء واحد فقط...
مفتاح.
مش عليه أي ورقة.
ولا أي اسم.
أخدت المفتاح وقلبته بين صوابعي.
كان قديم جدًا، ومنقوش عليه رقم صغير
17.
سألت الأب
تعرفه؟
هز رأسه.
الجدة بصت للمفتاح شوية، وقالت
أنا شوفته قبل كده... بس مش فاكرة فين.
أما سيف...
ففضل يبص للمفتاح ثواني، ثم قال
مش بتاع البيت.
قلت
إزاي عرفت؟
ابتسم وقال
أنا جربت كل مفاتيح البيت في الدفتر... ده شكله مختلف.
في اللحظة دي...
رن هاتف الأب.
كان المتصل جارهم الكبير، عم حسن.
قال
يا كريم... وإنت بتنضف المخزن القديم، لقيت باب صغير تحت السلم؟
الأب استغرب.
باب إيه؟
رد الجار
كان موجود من زمان، واتردم قدامه بعفش قديم. افتكرته يمكن بتاعكم.
كلنا بصينا لبعض.
وسيف همس
يمكن... المفتاح رقم 17.
خرجنا كلنا ناحية المخزن...
ولما بعدنا الكراتين والأخشاب القديمة، ظهر فعلًا باب خشبي صغير، عليه قفل قديم صدئ.
الأب قرب بالمفتاح...
لكن قبل ما يدخله في القفل، وقف وبصلي وقال
حاسس إن الباب ده هيجاوب على أسئلة كتير...
ثم أدخل المفتاح ببطء في القفل...
وسمعنا صوت تك...
واتفتح الباب لأول مرة منذ سنوات طويلة بعد ما الباب اتفتح...
طلعنا سُلَّم ضيق نازل لتحت، كأنه مخزن قديم محدش دخله من سنين.
الأب شغّل كشاف موبايله.
المكان كان مليان تراب، وصناديق خشب، وأدوات زراعية قديمة.
لكن في آخر الأوضة...
كان فيه صندوق حديدي كبير.
على غطاه ورقة مكتوب عليها بخط الجد
لا يُفتح إلا إذا اجتمعت العيلة كلها.
الجدة أول ما شافت الخط، دموعها نزلت.
قالت
ده خط جوزي... الله يرحمه.
اتصل الأب بأخته، وقال لها
تعالي... لازم تكوني موجودة.
بعد ساعة، كانت العيلة كلها موجودة.
الأب...
العمة...
الجدة...
وسيف.
فتحوا الصندوق معًا.
الكل كان متوقع يلاقي فلوس، أو دهب، أو أوراق ملكية.
لكن اللي لقيناه كان أغلى من كل ده.
كان فيه ألبومات صور للعيلة من عشرات السنين، ورسائل كتبها الجد لكل فرد، وشريط فيديو قديم، ودفتر صغير.
فتح الأب الدفتر.
وكان أول سطر فيه
إذا كنتم تقرأون هذه الكلمات، فمعنى ذلك أنكم ما زلتم معًا... وهذا أغلى ميراث أقدر أسيبه لكم.
ثم صفحة بعد صفحة، كان الجد كاتب ذكرياته، ونصائحه، ومواقف حصلت في البيت، وأمنيته الوحيدة
اوعوا تسمحوا للخلافات أو الانشغال يخلوا حد فيكم يحس إنه لوحده... لأن البيت اللي محدش بيسمع فيه التاني، بيضيع حتى لو كانت أبوابه مقفولة.
سكت الجميع.
الأب بص لسيف، واحتضنه بقوة.
وقال
لو ما كنتش سمعتك... عمرنا ما كنا عرفنا كل ده.
العمة اعتذرت لأخوها، واعتذرت لسيف لأنها كانت تظن أنه يتخيل.
والجدة ضمت حفيدها إلى صدرها وهي تقول
أنت أنقذت بيتنا... مش لأنك كشفت سر، لكن لأنك خليتنا نفتكر نهتم ببعض من جديد.
وأنا خرجت من البيت للمرة الأخيرة، وأنا مقتنع بحاجة عمرها ما هتتغير...
أحيانًا البطل الحقيقي مش بيكون أقوى شخص في القصة...
بيكون طفل صغير، رفض يسكت لما كل الناس قالت له
إنت بتتخيل.
تمت.