طفل عنده 7 سنوات
المحتويات
كان قالي هيبعت نتيجة الفحوصات من شهر... وأنا افتكرت إنها ماوصلتش.
بص الأب للعمة باستغراب.
إنتي اللي كنتي بتستلمي البريد.
العمة سكتت لحظة، ثم قالت
يمكن اتحط هنا واتنسى.
لكن سيف همس من ورايا
لا... أنا شفتها وهي بتحطه جوه الدرج.
لفت الأب بسرعة ناحية ابنه.
وساد صمت ثقيل في المكان.
مديت إيدي وقلت بهدوء
خلينا نفتح الظرف... ونشوف مكتوب فيه إيه الأول.
وكل الموجودين فضلوا يبصوا للظرف... في انتظار ما سيكشفه، دون أن يعرف أحد كيف سيغيّر ما بداخله فهمهم لكل ما حدث حتى الآن فتحت الظرف بحرص، وأخرجت الورقة اللي جواه.
الأب قرب، والجدة عدلت نظارتها، والعمة فضلت واقفة مكانها من غير ما تنطق.
بدأت أقرأ بصوت هادئ.
كان التقرير الطبي بيقول إن حالة الجدة مستقرة، وإن الطبيب أوصى بتغيير نوعين فقط من الأدوية، مع التأكيد على مراجعة العلاج بعد شهر.
بصيت للأب وقلت
واضح إن التقرير ماكانش فيه أي خبر خطير.
الجدة تنهدت وقالت
الحمد لله... أنا طول الفترة دي كنت فاكرة إن النتيجة طلعت وحشة، عشان محدش كلمني.
الأب لف ناحية أخته.
إنتي عرفتي إن الخطاب وصل؟
العمة ردت بسرعة
والله ما افتكره.
لكن سيف قال بهدوء
افتكرتيه.
كلنا بصيناله.
قال
يوم ما ساعي البريد جه... إنتي خدتي الظرف، وبعدين قولتي هشوفه بعدين.
الأب بدأ يحس إن فيه حاجات كتير فاتته.
قعد على الكرسي، وحط إيده على راسه.
وقال
أنا طول اليوم في الشغل... وكنت فاكر إن كل حاجة ماشية كويس.
في اللحظة دي، الجدة مدت إيدها ومسكت إيد ابنها.
وقالت
يا كريم... متلومش حد دلوقتي.
ثم بصت لسيف بابتسامة حنونة.
وأنت يا حبيبي... أشكرك إنك ما سكتش.
سيف لأول مرة من ساعة ما شفته... ابتسم ابتسامة حقيقية.
وقال
أنا ماكنتش عايز حد يتعاقب... أنا بس كنت عايز حد يسمعني.
الكلمة دي أثرت فينا كلنا.
التفت للأب وقلت
الخطوة الصح دلوقتي إنكم تراجعوا الأدوية مع الطبيب، وتنظموا متابعة واضحة للحاجة، وكل حاجة تبقى مكتوبة ومعروفة للجميع. وسيف لو قال إنه لاحظ حاجة، اسمعوله الأول قبل ما تعتبروا إنها مجرد خيال.
الأب حضن ابنه بقوة.
وقال بصوت مكسور
حقك عليا يا بطل... وعد مني، من النهارده هسمعك قبل أي حد.
أما الجدة، فابتسمت وهي تمسح دمعة من عينها، وقالت
أهو طلع أصغر واحد في البيت... هو أكتر واحد كان واخد باله.
وأنا خرجت من البيت وأنا متأكد من حاجة واحدة...
أحيانًا الأطفال لا يحتاجون إلى من يجيبهم، بل إلى شخص يتوقف لدقائق... ويصدق أنهم رأوا شيئًا يستحق أن يُسمع بعد أسبوع تقريبًا...
كنت معدي في نفس الشارع وقت انتهاء اليوم الدراسي.
ولقيت سيف واقف عند البوابة.
أول ما شافني، جري ناحيتي وهو مبتسم.
ودي كانت أول مرة أشوفه بيجري ويضحك زي أي طفل في سنه.
قال
تيتة بقت أحسن.
ابتسمت وقلت
وأبوك؟
ضحك وقال
بقى يسألني كل يوم لاحظت إيه النهارده؟
فرحت بالكلام ده.
لكن قبل ما أمشي، سيف قال جملة خلتني أقف مكاني.
بس لسه في حاجة معرفناهاش.
سألته
إيه هي؟
قال
فاكر العلبة الزرقا؟
افتكرتها فورًا.
العلبة اللي كانت على الرف واختفت.
قلت
آه.
قال
لقيتها.
استغربت.
فين؟
قال
في السندرة.
روحت معاه البيت مرة تانية بعد ما كلمت والده، ولما وصلنا طلعنا للسندرة.
كانت مليانة كراتين قديمة، وأثاث مغطى بالملايات.
سيف مشي مباشرة ناحية ركن صغير، ورفع قطعة قماش.
كانت العلبة الزرقا فعلًا موجودة.
لكن عليها طبقة تراب خفيفة، كأنها اتحطت هناك من أيام قليلة.
فتحها والده بحذر.
جواها...
صور قديمة للعيلة.
دفتر صغير.
ومجموعة مفاتيح مكتوب على كل واحد منها ورقة صغيرة.
ماكانش فيها فلوس، ولا مجوهرات، ولا أي شيء غالي.
الأب فتح الدفتر.
وكانت أول صفحة مكتوب فيها بخط الجد المتوفى
لو حد بيقرأ الكلام ده... يبقى أنا مش موجود، لكن أهم حاجة أسيبها لأولادي هي إنهم يفضلوا مع بعض.
قلب الصفحة التانية.
كانت عبارة عن قائمة بكل مفاتيح البيت، وكل مفتاح مكتوب تحته بيستخدم في إيه.
وفجأة...
الأب وقف عند سطر معين.
قرأه مرة...
وبعدين مرة تانية.
وشه اتغير.
ناولني الدفتر.
كان مكتوب
المزلاج الخارجي لأوضة الحاجة... ركبته سنة ٢٠١٢ بعد ما كانت بتخرج بالليل وهي نايمة، ولازم يتشال أول ما تتحسن.
الأب بص للجدة بدهشة.
قالت وهي بتحاول تفتكر
ياااه... نسيت الحكاية دي خالص.
اتضح إن المزلاج اتعمل أصلًا لحمايتها في فترة مرض قديمة، لكن مع مرور السنين، الكل نسي سبب وجوده... وفضل مكانه، واستخدمه بعض أفراد الأسرة من غير ما ينتبهوا إنه بيسبب لها معاناة.
في اللحظة دي، بصيت لسيف.
كان ساكت.
قلتله
إنت كنت صح.
ابتسم وقال
أنا كنت عارف إن فيه سبب... بس محدش كان بيسأل.
وأدركت أن الحقيقة أحيانًا لا تكون لغزًا كبيرًا... بل تفاصيل صغيرة نسيها الكبار، بينما ظل طفل واحد فقط يحتفظ بها في ذاكرته بعد ما خلصنا ترتيب كل حاجة، كنت فاكر إن القصة انتهت.
لكن بعدها بيومين...
الأب كلمني بنفسه.
صوته كان هادي، لكنه قلق.
قال
ممكن تعدي علينا؟ في حاجة حصلت.
لما وصلت، لقيت الجدة والأب وسيف قاعدين في الصالة.
أما العمة...
فما كانتش موجودة.
سألت
خير؟
الأب قال
أختي زعلت بعد اللي حصل، وقالت إنها هتبعد شوية لحد ما النفوس تهدى.
هزيت راسي وقلت
يمكن ده أحسن مؤقتًا.
لكن الأب طلع ظرفًا أبيض من درج الطاولة.
وقال
ده لقيناه النهارده.
الظرف كان عليه اسم سيف.
استغربت.
مين كتبه؟
قال
معرفناش.
فتحت الظرف بحذر.
كان جواه ورقة واحدة، مكتوب فيها بخط واضح
أوعى تبطل تلاحظ.
بصيت لسيف.
قلت
حد بيمزح معاك؟
هز راسه.
لا.
الأب قال
الغريب إن الباب كان مقفول، ومحدش دخل البيت.
قلبت الظرف.
مافيش عنوان.
مافيش اسم مرسل.
بس في آخر الورقة...
كان فيه رسم صغير.
نفس الرسم اللي كان على الدفتر القديم بتاع الجد.
الجدة أول ما شافته، ابتسمت.
وقالت
ده ختم جدو.
استغربنا كلنا.
قالت
كان بيحب يحط العلامة دي على كل ورقة يكتبها.
الأب قال
بس أبويا متوفي من سنين.
الجدة ضحكت لأول مرة من أيام.
وقالت
مش لازم يكون هو اللي كتبها.
سيف سأل
أمال مين؟
ردت
يمكن حد لقى ورقة قديمة من ورقه... وحب يفكرك إن الملاحظة نعمة.
فضلنا ساكتين.
وفي اللحظة دي، الأب بص لابنه وقال
عارف يا سيف؟
إيه يا بابا؟
من النهارده... هنعمل عادة جديدة.
إيه هي؟
ابتسم وقال
كل يوم بالليل، كل واحد في البيت يقول حاجة لاحظها النهارده... يمكن تمنع مشكلة قبل ما تكبر.
ضحكت الجدة وقالت
وأول واحد هيتكلم... سيف.
ابتسم الطفل بثقة، وقال
أنا لاحظت إن البيت بقى أهدى.
وبالفعل...
لأول مرة من وقت طويل، كان البيت هادئًا... ليس لأن الجميع صامتون، بل لأن الجميع أصبحوا يستمعون لبعضهم مرت الشهور...
وبدأت أعدي على البيت من وقت للتاني، مش بصفتي ظابط وبس، لكن لأن سيف بقى يعتبرني صديق.
وفي كل زيارة، كنت بلاقي تغيير صغير.
الجدة بقت تخرج تقعد في الجنينة ساعة كل عصر.
الأب بقى يرجع من الشغل بدري يوم في الأسبوع مخصوص يقعد مع أمه وابنه.
حتى العمة...
رجعت تزورهم بعد ما اتكلمت مع أخوها، واتفقوا إن كل حاجة تخص الجدة تكون واضحة، ومفيش قرار يتاخد من شخص واحد.
افتكرت إن الصفحة دي اتقفلت.
لكن في يوم...
سيف جالي وهو ماسك دفتر صغير.
قال
أنا بدأت أكتب كل حاجة ألاحظها.
ضحكت وقلت
زي المحققين؟
هز راسه بحماس.
فتح الدفتر، وكان كاتب تواريخ، وملاحظات بسيطة جدًا
تيتة ضحكت النهارده.
بابا شرب القهوة من غير سكر.
القط رجع بعد غياب أسبوع.
كلها تفاصيل عادية.
لكن في آخر صفحة...
كانت فيه جملة مختلفة.
قرأتها بصوت منخفض
كل يوم الساعة ٦١٠، راجل يقف قدام البيت دقيقة واحدة... وبعدين يمشي.
رفعت عيني بسرعة.
قلت
بقاله قد إيه؟
قال
تقريبًا أسبوع.
سألت الأب
حضرتك تعرف حد بيعمل كده؟
هز راسه بالنفي.
خرجنا كلنا وقفنا عند الشباك.
الساعة كانت ٦٠٨.
استنينا...
عدت دقيقة...
ثم دقيقة تانية.
وفجأة...
وقف رجل في آخر الشارع.
كان لابس قبعة، وماسك ظرفًا في إيده.
فضل واقف فعلًا حوالي دقيقة، وبعدين حط الظرف في صندوق البريد الصغير المعلق على السور... ولف ومشي بسرعة، قبل ما نلحق
متابعة القراءة