عجبتني

لمحة نيوز

عجبتني بنت جارتنا، ولما روحت أتقدملها أمها قالتلي أغرب شرط سمعته في حياتي لو عايز تتجوز بنتي... لازم تكون متجوز قبل كده! والسبب؟ عمري ما كنت أتخيله.
اسمي سيف، مهندس كهرباء، وعندي سبعة وعشرين سنة. بعد ما الشركة نقلتني أشتغل في فرع القاهرة، اضطريت أسيب بيت أهلي في المحافظة وأدور على شقة قريبة من الشغل.
بعد أيام من البحث، لقيت شقة مناسبة في عمارة هادئة في حي راقي. العمارة كانت صغيرة، كلها خمس أدوار، وسكانها معروفين بالهدوء والاحترام. حسيت إنها بداية جديدة لحياة مستقرة، وكنت متحمس أبدأ المرحلة دي.
من أول أسبوع ليا هناك، بدأت آخد بالي من بنت ساكنة في الدور اللي تحتي. كانت بتنزل كل صباح بدري وهي ماسكة كتبها، وترجع بعد الظهر في نفس الهدوء.
اسمها نور.
كانت بنت في أوائل العشرينات، طالبة في كلية الحقوق. لبسها بسيط ومحترم، وطريقتها في الكلام هادئة، وعمرها ما رفعت صوتها على حد.
في كل مرة كنت أقابلها على السلم، كنت ألقي السلام.
صباح الخير.
فترد بابتسامة خفيفة
صباح النور.
وبعدين تكمل طريقها.
لا كانت بتطول في الكلام، ولا كانت بتتجاهلني. مجرد حدود محترمة كانت محافظة عليها.
كل يوم كنت باقتنع أكتر إن البنت دي مختلفة.
مرة سألت البواب عنها.
قال
دي بنت محترمة جدًا يا باشمهندس. لا عمرنا سمعنا عنها كلمة وحشة، ولا حد شاف منها حاجة غلط. عايشة مع والدتها بعد وفاة أبوها من سنين.
سألته
وأمها عاملة إيه؟
ابتسم وقال
ست محترمة هي كمان... بس ليها طريقة تفكير غريبة شوية. مش بتأذي حد، لكن ساعات تقول كلام يخلي الناس تستغرب.
ضحكت وقلت
طالما ناس محترمين يبقى مفيش مشكلة.
مرت أسابيع، وإعجابي بنور كان بيزيد يوم بعد يوم.
وفي يوم، وأنا نازل الشغل، قابلتها عند باب العمارة.
وقفت وقلت بهدوء
ممكن أسألك سؤال؟
بصتلي باستغراب وقالت
اتفضل.
قلت
هو في حد متقدم لك أو مرتبط بيكي؟
اتكسفت جدًا، وبصت في الأرض.
وقالت
لا.
سكت ثانية، وبعدين قلت
أنا معجب بيكي، ولو مفيش مانع عندكم، أحب أتقدم لك رسمي.
رفعت عينيها وبصتلي للحظة، وابتسمت ابتسامة صغيرة مليانة خجل.
من غير ما تقول كلمة، دخلت العمارة بسرعة وهي مبتسمة.
الابتسامة دي ادتني أمل كبير.
رجعت شقتي وأنا مقرر إن أفضل طريق هو الطريق الصح.
بالليل اشتريت علبة شوكولاتة، ولبست هدومي، ونزلت أخبط على باب شقتهم.
فتحتلي والدتها.
كانت ست هادئة، ملامحها فيها وقار واحترام.
رحبت بيا وقالت
اتفضل يا ابني.
دخلت وقعدت في الصالون.
عرفتها بنفسي، وحكيتلها عن شغلي، وأهلي، وظروفي، وإن عندي شقة جاهزة، وإن هدفي الوحيد هو الزواج والاستقرار.
فضلت تسمعني لحد ما خلصت كلامي كله.
بعدها ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
واضح إنك شاب محترم، وربنا يوفقك.
فرحت جدًا، وحسيت إن الأمور ماشية كويس.
لكن بعدها بثواني قالت جملة خلتني مش فاهم أي حاجة.
قالت
بس قبل ما نتكلم في أي تفاصيل... أنت متجوز؟
استغربت السؤال.
وقلت
لا... دي أول جوازة ليا.
اختفت ابتسامتها فورًا.
وقالت بمنتهى الجدية
يبقى للأسف مينفعش.
قلت باستغراب
مينفعش ليه؟
ردت بكل هدوء
لأن بنتي نور... أنا مش هجوزها غير لراجل متجوز.
افتكرت إنها بتهزر.
فضحكت وقلت
يمكن حضرتك تقصدي مطلق أو أرمل؟
هزت رأسها بالنفي.
وقالت بثبات
لا... لازم يكون متجوز فعلًا.
بصيتلها وأنا مش مستوعب.
وقلت
يعني حضرتك طالبة مني أتجوز واحدة الأول... وبعدها أرجع أتقدم لنور؟
قالت بدون أي تردد
أيوه.
سكت ثواني طويلة، وأنا حاسس إني مش فاهم اللي بيتقال.
قلت
ده أغرب شرط سمعته في حياتي... ممكن أعرف السبب؟
بصتلي نظرة طويلة، واتنهدت تنهيدة عميقة، وقالت
السبب موجود... لكنه مش سهل يتحكي. ولو عرفته، هتفهم ليه أنا مستحيل أغير الشرط ده.
فضلت واقف مكاني، مستني منها تكمل، لكن هي سكتت تمامًا... وكأنها غيرت رأيها في آخر لحظة فضل الصمت مالي المكان.
بصيت لها وأنا مستني أي كلمة، لكنها قامت بهدوء ولمّت أكواب الشاي، وقالت بصوت هادئ
اعذرني يا ابني... الكلام ده مينفعش يتقال من أول قعدة.
وقفت وأنا حاسس إني لازم أعرف الحقيقة.
قلت
بس حضرتك أكيد عارفة إن أي حد هيسمع الشرط ده هيستغرب... أنا مش قادر أفهم.
ردت وهي متجنبة تبصلي
يمكن بعدين تفهم... لكن دلوقتي لا.
في اللحظة دي خرجت نور من المطبخ وهي شايلة صينية العصير.
كانت باين عليها إنها سمعت جزء من الكلام، وعينيها كانت مليانة إحراج.
حطت العصير قدامنا، وبصت لأمها وقالت بهدوء
ماما...
قاطعتها أمها بنظرة حاسمة، فسكتت فورًا.
أما أنا فقلت
يعني ده قرار نهائي؟
ردت السيدة ماجدة
قرار عمري كله يا ابني... ومش هغيره مهما حصل.
قمت من مكاني، وشكرتها على حسن استقبالها، وخرجت.
وأنا طالع السلم، حسيت بحد بينادي عليا بصوت واطي.
لفيت.
لقيت نور واقفة عند باب الشقة، أول مرة تبادر بالكلام.
قالت بخوف
أستاذ سيف... لو سمحت.
نزلت لها كام درجة.
كانت ماسكة طرف طرحتها بإيديها من التوتر.
قالت بصوت يكاد ما يتسمعش
أنا آسفة...
قلت باستغراب
آسفة على إيه؟
قالت
على اللي حصل... والله أنا معرفتش إن ماما هتقولك الشرط بالطريقة دي.
قلت
هو الشرط ده بجد؟
هزت رأسها بحزن.
للأسف... بجد.
سألتها بسرعة
طب ليه؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت
لو قلتلك السبب... هكون كسرت وعد قطعته لماما.
قلت
بس أنا من حقي أفهم.
قالت وعينيها دمعت
وأنا نفسي حد يفهم... بس مش بإيدي.
وبعدين بصت حواليها كأنها خايفة حد يسمعها، وقالت
لو عايز تعرف الحقيقة... اسأل الحاج عبد الرحيم.
استغربت.
مين الحاج عبد الرحيم؟
قالت
صاحب محل الكتب القديمة اللي في أول الشارع.
قلت
وهو يعرف إيه؟
ردت بسرعة
هو الوحيد اللي يعرف بداية الحكاية.
وفجأة فتح باب الشقة.
ظهر صوت أمها من الداخل
نور!
اتوترت جدًا، وقالت وهي داخلة بسرعة
أرجوك... متقولش لماما إني كلمتك.
وقفلت الباب.
طلعت شقتي، لكن النوم هرب من عيني.
مين الحاج عبد الرحيم؟
وإيه علاقته بشرط غريب بالشكل ده؟
وتاني يوم بعد الشغل، بدل ما أرجع البيت، لقيت نفسي واقف قدام محل كتب قديم جدًا، فوق بابه لافتة خشب باهتة مكتوب عليها
مكتبة عبد الرحيم.
دخلت.
كان المحل فاضي، وريحة الكتب القديمة مالية المكان.
ورجل كبير في السبعينات قاعد على كرسي خشب، أول ما رفع عينه وشافني، ابتسم ابتسامة غريبة وقال
كنت متأكد إنك هتيجي... لأن أي شاب بيروح يطلب إيد نور، بينتهي بيه الحال عندي.
اتجمدت مكاني...
لأن دي كانت أول مرة حد يتكلم وكأنه كان مستنيني من قبل حتى ما يعرف اسمي اتقدمت ناحيته وأنا مش قادر أخفي دهشتي.
قلت
حضرتك تعرفني؟
ابتسم الراجل العجوز وهو يقفل الكتاب اللي كان بيقراه، وقال
لا أعرف اسمك، لكن أعرف سبب مجيئك.
قعدت قدامه وسألته مباشرة
مين حضرتك؟ وإيه حكاية الشرط الغريب ده؟
تنهد وقال
أنا عبد الرحيم... كنت صاحب والد نور، الله يرحمه. كنا أصحاب عمر، وكل اللي حصل للأسرة دي أنا شفته بعيني.
اتعلقت بكل كلمة بيقولها.
سألته
يبقى أكيد تعرف ليه أمها مصممة إنها متجوزهاش إلا لراجل متجوز.
هز رأسه وقال
أعرف... لكن قبل ما أحكيلك، لازم أسألك سؤال.
قلت
اتفضل.
قال
إنت داخل تتجوز نور لأنها جميلة؟ ولا لأنك شايف إنها شريكة حياة؟
استغربت السؤال، لكن جاوبت من غير تردد
الجمال لفت نظري، لكن اللي خلاني أتمسك بيها أخلاقها واحترامها.
ابتسم لأول مرة ابتسامة رضا.
وقال
الإجابة دي هي اللي خلتني أقرر أكمل معاك الكلام.
فتح درج المكتب، وأخرج صورة قديمة.
ناولها لي.
كانت الصورة لرجل في منتصف الأربعينات، واقف جنب ست صغيرة وبنت طفلة عمرها خمس أو ست سنين.
قال
ده والد نور... ودي أمها... ودي نور وهي صغيرة.
بصيت للصورة، وسألته
مالها الصورة؟
قال بصوت هادئ
الصورة دي كانت آخر صورة اتصورت قبل ما حياتهم كلها تتغير.
سكت لحظة، ثم أكمل
بعدها بأيام قليلة... والد نور عمل حاجة محدش في العيلة كان متوقعها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت
عمل إيه؟
بصلي وقال
توفى فجأة.
حزنت عليه، لكن استغربت.
قلت
ربنا يرحمه... بس إيه

تم نسخ الرابط