عجبتني

لمحة نيوز

ماما مقولتيليش الحقيقة؟
بكت السيدة ماجدة وقالت
كنت خايفة أكون بضيّع وصية أبوكي... وخايفة في نفس الوقت أضيّع مستقبلك.
رجعت أكمل الخطاب.
وفي آخره كان مكتوب
إذا قرأت هذه الرسالة، ولم يتغير قلبك تجاه ابنتي، فإني أوصيك بها خيرًا. لا أريد لها مالًا ولا جاهًا، وإنما رجلًا يصونها ويحترمها.
انتهيت من القراءة، وساد الصمت.
الحاج عبد الرحيم ابتسم لأول مرة وقال
الحمد لله... أخيرًا انتهت الحكاية.
بصيت للسيدة ماجدة، وقلت
لو حضرتك لسه موافقة... فأنا بطلب إيد نور مرة تانية.
نظرت إلى نور.
كانت دموعها نازلة، لكن لأول مرة كانت مبتسمة.
أما السيدة ماجدة، فابتسمت هي الأخرى، وقالت
المرة دي... من غير أي شروط.
وفي اللحظة دي، حسيت إن كل الحيرة والقلق اللي عشتهم خلال الأيام اللي فاتت انتهوا، وإن الحقيقة مهما اتأخرت، عمرها ما بتضيع عدى شهرين، واتكتب الكتاب وسط فرحة بسيطة جمعت أهلنا وجيران العمارة.
ولأول مرة من سنين، شوفت السيدة ماجدة بتضحك من قلبها.
كانت كل شوية تبص لصورة جوزها المعلقة في الصالون وتقول
الحمد لله... أمانتك وصلت للي يستاهلها.
بعد الجواز، قررت أنا ونور نفضل ساكنين في نفس العمارة فترة لحد ما نجهز شقتنا.
الحياة كانت هادئة جدًا، لدرجة إني بدأت أضحك على نفسي وأقول
إزاي كنت فاكر إن العمارة دي فيها سر كبير؟
لكن بعد أسبوع واحد بس...
رجعت من الشغل، لقيت نور واقفة عند باب الشقة، ووشها شاحب.
أول ما شافتني قالت
سيف... ممكن تطلع معايا فوق السطح؟
استغربت.
دلوقتي؟
هزت رأسها.
طلعنا.
أول ما وصلنا، أشارت ناحية غرفة صغيرة مبنية في آخر السطح.
وقالت
الغرفة دي مقفولة من يوم وفاة بابا... ومحدش دخلها من وقتها.
قلت
طيب وإيه اللي حصل؟
قالت وهي بتطلع مفتاح قديم من جيبها
وأنا بنضف الدولاب النهارده... لقيت المفتاح ده جوه كتاب كان بتاع بابا.
بصيت للمفتاح.
كان عليه صدأ واضح، وكأنه متفتحش من سنين طويلة.
قلت
نجرب؟
قربنا من الباب.
دخلت المفتاح.
أول لفة... الباب ما اتحركش.
في اللفة التانية...
صدر صوت قوي، وبعدها الباب اتفتح ببطء.
دخلنا بهدوء.
المكان كان مليان تراب، لكن كل حاجة فيه كانت مرتبة كأن صاحبها خرج منه امبارح.
وفي منتصف الغرفة...
كانت ترابيزة صغيرة، فوقها صندوق خشبي أصغر من الأول، وعليه ورقة مكتوب عليها بخط والد نور
يُفتح بعد زواج نور... ولا يفتحه إلا هي وزوجها معًا.
بصيت لنور...
وهي بصتلي...
وعرفنا إن حكاية والدها لسه مخلصتش، وإن الصندوق ده مخبي سرًا جديدًا، لكننا قررنا ناخد نفسًا عميقًا قبل ما نفتحه، لأن اللي تعلمناه من التجربة الأولى إن بعض الأسرار محتاجة صبر قبل ما تتكشف وقفت أنا ونور قدام الصندوق، وكل واحد فينا باصص للتاني.
قلت بهدوء
إحنا اتعلمنا من اللي فات... مش لازم نستعجل.
هزت نور رأسها، لكنها قالت
أنا طول عمري مستنية أعرف بابا كان مخبي إيه.
حطيت إيدي فوق إيدها، وقلتلها
يبقى نفتحه سوا.
رفعت غطا الصندوق ببطء...
طلع صوت خفيف من الخشب، وكأن الصندوق نفسه بيتنفس بعد سنين من السكون.
بصينا جواه.
مكانش فيه دهب... ولا فلوس... ولا أوراق ملكية.
كان فيه دفتر جلد أسود، ومفتاح فضة صغير، ومظروف أبيض مكتوب عليه
إلى ابنتي نور وزوجها.
فتحت نور الظرف، وكانت إيديها بترتعش.
بدأت تقرأ بصوت مسموع
إذا وصلتما إلى هذه الرسالة، فأحمد الله أن ابنتي أصبحت في بيت رجل أطمئن عليه...
ابتسمت نور وسط دموعها، وكملت القراءة.
المفتاح الذي تركته مع الرسالة، ليس مفتاح هذا الصندوق... بل مفتاح مكان آخر، ظل مغلقًا لسنوات.
بصيت للمفتاح الفضي.
كان غريب الشكل، وعليه حرف واحد محفور...
ن.
كمّلت نور
ستجدان مع الدفتر عنوانًا كتبتُه في الصفحة الأخيرة... لا تذهبا إلى هناك إلا إذا كنتما معًا.
فتحنا الدفتر بسرعة.
كانت صفحاته مليانة مذكرات بخط والدها.
أيامه مع نور وهي طفلة...
أول يوم دخلت فيه المدرسة...
وأول مرة نادته بكلمة بابا.
كانت نور بتقرأ والدموع بتنزل على الورق.
وفجأة، في آخر صفحة...
لقينا عنوانًا مكتوبًا في منطقة قديمة من القاهرة، وأسفله جملة واحدة
هناك ستعرفان لماذا كنت أخشى على نور أكثر من أي شيء في الدنيا.
ساد الصمت.
قلت
نروح بكرة؟
هزت نور رأسها بالموافقة.
لكن قبل ما نقفل الدفتر...
وقعت منه ورقة صغيرة كانت مخفية بين الصفحات.
التقطتها بسرعة.
كان مرسوم عليها مخطط بسيط لبيت قديم، وعلامة على إحدى الغرف.
وفي أسفل الورقة كتب والد نور بخط صغير جدًا
احذرا... لا تثقا في أول شخص يقابلكما هناك، حتى لو قال إنه كان أقرب الناس إليّ.
نظرت أنا ونور لبعضنا في صدمة.
لأننا كنا فاكرين إن كل الأسرار انتهت...
لكن واضح إن السر الحقيقي... لسه ما بدأش تاني يوم، خرجنا بدري.
العنوان كان في حي قديم من أحياء القاهرة، شارع ضيق، وبيوته كلها مبنية بالطراز القديم.
بعد ساعة من السواقة، وقفنا قدام بيت مكون من دورين، بابه الخشبي باهت، لكن كان واضح إنه متقفل من سنين.
بصيت لورقة العنوان، وبعدين للبيت.
هو ده.
أخرجت نور المفتاح الفضي من شنطتها.
كانت إيديها بتترعش وهي بتسلمهولي.
قلت
لو مش مرتاحة... نرجع.
هزت رأسها بسرعة.
لا... بابا كان عايزنا نيجي.
دخلت المفتاح في القفل.
لف من أول مرة.
الباب اتفتح بصوت صرير طويل، وريحت المكان قالت إنه مقفول من سنين.
دخلنا بحذر.
الأثاث كان متغطّي بملايات بيضا، وكأن أصحاب البيت خرجوا وهيرجعوا بعد يومين، مش بعد عشرين سنة.
وأثناء ما إحنا بنتلفت حوالينا...
سمعنا صوت عصاية بتخبط على الأرض.
لفينا بسرعة.
كان فيه راجل كبير واقف عند باب الصالون.
شكله في أواخر الستينات، ولحيته كلها بيضا.
ابتسم وقال
أخيرًا وصلتوا.
افتكرت فورًا الجملة المكتوبة في الورقة
لا تثقا في أول شخص يقابلكما هناك.
بصيت لنور، ولمحت إنها افتكرت نفس الكلام.
الراجل قرب خطوة وقال
أنا اسمي حسين... وكنت أعز صديق لوالد نور.
أنا ما رديتش.
سألته بهدوء
حضرتك عرفت إننا جايين إزاي؟
ابتسم وقال
لأن صاحب البيت بلغني قبل ما يموت إن اليوم ده هييجي.
كانت إجابته مقنعة...
لكن الورقة كانت بتحذرنا منه.
قال وهو بيشاور على أوضة آخر الطرقة
اللي بتدوروا عليه هناك.
نور همستلي
نعمل إيه؟
قلت بصوت واطي
هنسمع كلام باباكي.
ابتسمت للراجل وقلت
شكرًا يا عم حسين... هنشوف المكان الأول.
ولما حاول يمشي معانا، وقفته باحترام.
لو تسمح... نكون لوحدنا.
لاحظت إن ملامحه اتغيرت للحظة، لكنه رجع ابتسم وقال
براحتكم.
دخلنا الأوضة اللي في آخر الطرقة.
كانت صغيرة، وفاضية تقريبًا.
لكن في الأرض، تحت سجادة قديمة، كان فيه باب خشبي صغير.
رفعته.
لقينا درجًا نازل لتحت.
ونور قالت بخوف
العلامة ... هي دي.
أول ما نزلنا أول درجة...
سمعنا صوت الباب الرئيسي للبيت بيتقفل بقوة.
وبعدها مباشرة...
وصلنا صوت الراجل العجوز من فوق، لكن نبرة صوته كانت مختلفة تمامًا عن الأول.
وقال بصوت مرتفع
للأسف... اكتشفتوا التحذير.
بصيت لنور، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
لأننا أدركنا إن والدها كان على حق...
وأول شخص قابلناه... فعلًا ما كانش ينفع نثق فيه تجمدنا مكاننا.
نور مسكت دراعي بقوة، وهمست
هنعمل إيه؟
رفعت صباعي على بقي، وقلت بصوت واطي
اسكتي... خلينا نسمع.
سمعنا خطوات الراجل فوق، بيمشي ببطء، وكأنه بيدور علينا.
بعد ثوانٍ، قال بصوت عالي
أنا عارف إنكم تحت... ومش هأذيكم. اطلعوا نتكلم.
لكن افتكرت تحذير والد نور.
لا تثقا في أول شخص يقابلكما هناك.
بصيت حواليا.
السلم كان بينزل لقبو صغير، وفي آخره باب حديد قديم.
جربت المفتاح الفضي...
وللمرة التانية، اشتغل من أول لفة.
الباب اتفتح.
دخلنا بسرعة وقفّلته من جوه.
المكان كان عبارة عن غرفة صغيرة، فيها مكتب خشب، وخزانة حديد، وصندوق معدني.
وعلى الحائط صورة كبيرة لوالد نور، وهو واقف قدام نفس البيت، لكن كان أصغر سنًا.
تحت الصورة لوحة نحاس مكتوب عليها
الأمانة لا تُسلَّم إلا لمن صبر.
نور بدأت تبكي.
وقالت
بابا كان مرتب كل حاجة.
اقتربت من المكتب.
كان فوقه ملف جلدي، مكتوب عليه
يفتح فقط بعد دخول القبو.
فتحته.
أول ورقة كانت رسالة
تم نسخ الرابط