عجبتني

لمحة نيوز

علاقة ده بشرط الجواز؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
العلاقة مش في وفاته... العلاقة في الوصية اللي سابها قبل ما يموت.
اتعدلت في قعدتي.
وصية؟
أومأ برأسه.
أيوه... وصية مكتوبة بخط إيده.
قلت بسرعة
وإيه اللي كان فيها؟
رد وهو يرجع الصورة مكانها
دي الحكاية اللي محدش يعرفها غير كام شخص... ولو حكيتها من أولها، هتفهم ليه أم نور بقت متمسكة بالشرط ده بالشكل ده.
وقبل ما ينطق بأي كلمة زيادة، رن هاتفه الأرضي القديم.
بص للشاشة، وتغيرت ملامحه فجأة.
رد بسرعة، وبعد ثوانٍ قال بصوت متوتر
إيه!... إزاي؟... حاضر، أنا جاي حالًا.
قفل السماعة، وقام واقف.
قلت بلهفة
خير؟
بصلي وقال
لازم أمشي دلوقتي... لكن اسمع مني كويس.
اقترب مني، وقال بصوت منخفض
متروحش لبيت نور النهارده... مهما حصل.
سألته بقلق
ليه؟
قال
لأن اللي هيحصل الليلة... هيغير كل حاجة.
ولف وخرج من المكتبة مسرعًا، وسابني واقف لوحدي، والصورة القديمة، وكلمة واحدة بتدور في دماغي...
إيه اللي هيحصل الليلة؟خرجت من المكتبة وأنا مشوش.
كل كلمة قالها الحاج عبد الرحيم كانت بتزود الغموض بدل ما تفسره.
ركبت عربيتي، وفضلت ألف في الشوارع ساعة كاملة، لكن في الآخر مقدرتش أقاوم فضولي.
قلت لنفسي
أنا راجل عاقل... إيه اللي ممكن يحصل؟
ورجعت العمارة.
أول ما دخلت الشارع، لاحظت حاجة غريبة.
العربية بتاعة الحاج عبد الرحيم كانت واقفة قدام العمارة.
استغربت.
هو قال إنه مستعجل... إيه اللي جابه هنا؟
ركنت عربيتي بعيد، وطلعت بهدوء.
لقيت باب شقة نور مفتوح، وفيه ناس من الجيران واقفين قدامه، لكن المكان مكنش فيه صوت ولا خناقة.
كله واقف في صمت.
سألت البواب
فيه إيه؟
رد بصوت واطي
الحاج عبد الرحيم جه يزور الست ماجدة.
قلت باستغراب
في الوقت ده؟
هز كتفه وقال
دي أول مرة أشوفه داخل البيت من سنين.
وقفت شوية بعيد، وبعد حوالي نص ساعة، باب الشقة اتفتح.
خرج الحاج عبد الرحيم، وكان وشه شاحب بشكل مخيف.
أول ما شافني، قرب مني بسرعة وقال
تعالى معايا.
مشينا لحد جنينة صغيرة آخر الشارع.
أول ما اتأكد إن محدش سامعنا، قال
أنا كنت فاكر إن الوقت لسه بدري... لكن واضح إن مفيش فايدة من التأجيل.
قلت بلهفة
احكيلي.
تنهد وقال
قبل ما والد نور يتوفى بأيام، كان حاسس إن أجله قرب.
استغربت.
كان مريض؟
قال
لا... كان سليم، لكنه كان مكرر جملة واحدة لكل اللي حواليه.
سألته
إيه هي؟
قال
كان يقول أهم حاجة... بنتي متتجوزش أول راجل يطرق الباب.
قلت
وده طبيعي... أي أب بيخاف على بنته.
قال
استنى... ده مش كل الكلام.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
في يوم استدعاني أنا، والمحامي، وكتب وصية.
قلت
إيه فيها؟
قال
كتب إن كل ممتلكاته، وشقته، والأرض اللي كان بيملكها في بلدهم، هتنتقل لنور... لكن بشرط واحد.
بدأ قلبي يدق.
إيه الشرط؟
قال
إن جوازها يتم بعد موافقة والدتها الكاملة، ومن الشخص اللي تشوفه الأم مناسب.
قلت
وده برضه مش غريب.
ابتسم وقال
الغريب إن الوصية ماقالتش أبدًا إن العريس لازم يكون متجوز.
قلت بسرعة
أمال الشرط ده جه منين؟
بصلي مباشرة وقال
من أمها.
اتعجبت.
ليه؟
سكت ثواني، ثم قال
لأنها مقتنعة إن البنت الجميلة بيتقدملها عشرات الشباب وهي صغيرة... لكن الراجل اللي يفضل متمسك بيها رغم أصعب شرط في الدنيا، هو الوحيد اللي هيكون صادق في حبه.
فضلت ساكت.
قال وهو مكمل
الشرط ده حرم نور من الجواز سنين... وكل عريس كان أول ما يسمعه يقوم ويمشي.
قلت
يعني مفيش سبب تاني؟
نظر في الأرض وقال بهدوء
فيه سبب... لكنه السبب اللي حتى نور نفسها متعرفوش.
شهقت من المفاجأة.
إزاي؟
رفع رأسه وقال
في ليلة وفاة والدها... حصل شيء واحد، ومن ساعتها الست ماجدة عمرها ما بقت زي الأول.
وقبل ما يكمل، لمحنا نور جاية من بعيد، وكانت ماشية بسرعة، وعينيها مليانة دموع.
أول ما وصلت عندنا، قالت وهي بتنهج
ماما... ماما فتحت الصندوق القديم.
الحاج عبد الرحيم اتغير لون وشه.
وقال بصدمة
إزاي؟! هي وعدتني إنها عمرها ما هتفتحه.
بصيت بينهم وأنا مش فاهم.
قلت
صندوق إيه؟
نور ردت بصوت مرتعش
الصندوق اللي بابا قال... محدش يفتحه إلا في اليوم اللي ييجي فيه الشخص المناسب.
وساد صمت ثقيل... بينما تبادل الحاج عبد الرحيم ونور نظرات قلقة، وكأن فتح ذلك الصندوق سيكشف سرًا ظل مخفيًا لسنوات جرينا أنا والحاج عبد الرحيم ونور لحد الشقة.
أول ما دخلنا، لقينا الست ماجدة قاعدة قدام صندوق خشب قديم، لونه بني غامق، وعليه قفل نحاس كبير مفتوح.
كان واضح إن الصندوق ده عدى عليه سنين طويلة من غير ما حد يلمسه.
الغبار كان مالي أطرافه، لكن اللي شد انتباهي إن الست ماجدة كانت ماسكة ظرف أصفر قديم، وإيديها بترتعش.
أول ما شافت الحاج عبد الرحيم، قالت بهدوء
سامحني... مقدرتش أستنى أكتر.
تنهد الحاج عبد الرحيم وقال
أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
بصيت بينهم وأنا حاسس إني تايه.
قلت
حد يفهمني... إيه حكاية الصندوق ده؟
الست ماجدة مسحت دموعها، وبصتلي لأول مرة بنظرة مختلفة.
وقالت
قبل ما جوزي يتوفى بأسبوع، ناداني وقال لي ماجدة... لو حصلي حاجة، احتفظي بالصندوق ده، ومتفتحيهوش إلا لما ييجي راجل يستحمل أصعب اختبار، ويفضل متمسك ببنتنا رغم كل حاجة.
سألتها
يعني الشرط الغريب كان... اختبار؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه... لكن الاختبار عمره ما كان إن حد يروح يتجوز واحدة تانية فعلًا.
استغربت جدًا.
أمال إيه؟
قالت
كنت مستنية أشوف رد فعل كل عريس.
الحاج عبد الرحيم أكمل الكلام
كل اللي اتقدموا لنور أول ما سمعوا الشرط، قاموا شتموا، أو سخروا، أو اتهموا الست بالجنون، ومشيوا من غير حتى ما يسألوا عن السبب.
بصتلي الست ماجدة وقالت
إنت أول واحد خرج محترم... وسألت ليه؟... ودورت على الحقيقة بدل ما تهيننا.
سكت شوية وأنا بحاول أستوعب.
قلت
طيب... والصندوق فيه إيه؟
بصت للظرف اللي في إيديها، ثم قالت
فيه جواب من والد نور.
نور قربت وهي بتبكي.
وقالت
ماما... افتحيه.
الست ماجدة حطت إيدها على الظرف، لكنها فجأة وقفت.
بصت للحاج عبد الرحيم وقالت
أنا خايفة.
رد عليها بهدوء
بعد كل السنين دي... جه وقت الحقيقة.
بدأت تفتح الظرف ببطء شديد...
وأنا ونور واقفين، أنفاسنا محبوسة، مستنيين نعرف إيه السر اللي والدها أخفاه كل السنين دي.
وفجأة...
تجمدت الست ماجدة في مكانها، واتسعت عيناها وهي بتبص لأول سطر في الخطاب.
ثم همست بصوت مرتعش
مستحيل...
ورفعت رأسها ناحيتي، وكأنها شافت فيا حاجة مكانتش تتوقعها أبدًا.
أما أنا... فكنت لسه معرفش إن أول سطر في الرسالة هيقلب حياتي كلها سكتنا كلنا.
ولا حد فينا كان قادر ينطق.
مديت إيدي ناحيتها وقلت بهدوء
لو الرسالة فيها حاجة تخصني... من حقي أعرف.
بصتلي السيدة ماجدة، وبعد تردد طويل، مدتلي الجواب.
وقالت
اقرأه بنفسك.
فتحت الورقة بحذر، وكان الخط قديم لكنه واضح.
في أول سطر كان مكتوب
بسم الله الرحمن الرحيم... إذا وصلت هذه الرسالة إلى يدي رجل يقف الآن بجوار ابنتي نور، فاعلم أن هذا الرجل نجح في أول اختبار، لأنه لم يحكم علينا قبل أن يعرف الحقيقة.
رفعت عيني من الورقة، وبصيت لهم.
قال الحاج عبد الرحيم
كمّل.
رجعت أبص في الخطاب.
يا من تقرأ كلامي... لو كنت وصلت لهنا، يبقى أنت سألت عن السبب، وما اكتفيتش بالحكم من الظاهر. ودي أول صفة كنت أتمنى أشوفها في زوج بنتي.
بدأت أفهم إن الشرط كان مجرد اختبار للصبر والحكمة.
لكن لسه السؤال الأكبر بدون إجابة.
كمّلت القراءة.
زوجتي ماجدة تعرف أن الشرط لم يكن مقصودًا به أن تتزوج رجلًا له زوجة، وإنما أردتها أن ترى من يتمسك بالحقيقة، ومن يهرب من أول عقبة.
بصيت للسيدة ماجدة باستغراب.
قالت وهي تمسح دموعها
أنا نفذت وصيته... لكن مع السنين، بقيت أخاف على نور أكتر من اللازم، وكل مرة كنت بأشدد في الكلام، لحد ما الناس افتكرت إني مجنونة.
نور قربت من أمها ومسكت إيدها.
وقالت
ليه يا
تم نسخ الرابط