قلبو المستشفي

لمحة نيوز

وائل فضل يهز الكرسي ببطء... ببطء لدرجة إنك بالكاد تلاحظ الحركة.
والطفل محمد...
بطل عياط.
مش بس كده... لأول مرة من ساعات طويلة، أجهزة قياس النبض بدأت تصدر صوتًا منتظمًا، ومعدل تنفسه استقر بشكل واضح.
بصينا لبعض إحنا الممرضات، وكل واحدة فينا كان على وشها نفس التعبير...
استغراب.
الدكتور قرب بنفسه من الحضانة، وبص على الشاشة أكتر من مرة، كأنه مستني الأرقام ترجع تتلخبط.
لكنها فضلت ثابتة.
وائل ماحسش بكل العيون اللي عليه، كان مركز بس مع الطفل الصغير اللي نام على صدره كأنه أخيرًا لقى المكان اللي كان بيدور عليه.
بعد ساعة...
دخلت عليه علشان آخد الطفل للرضاعة.
قلت له بابتسامة لازم آخده شوية... ميعاد الأكل.
هز راسه فورًا، وسلمه بمنتهى الحرص، كأنه بيسلم أغلى حاجة في الدنيا.
لكن أول ما بعدت بالطفل خطوتين...
محمد فتح عينيه، وبدأ يصرخ بنفس القوة اللي كان بيعيط بيها الصبح.
رجعناه لوائل تاني...
وفي أقل من دقيقة، سكت.
الموضوع اتكرر مرة... واتنين... وخمسة.
لدرجة إن كل اللي في القسم بدأوا يلاحظوا إن الطفل ماكانش بيهدى مع أي حد...
إلا مع وائل.
الممرضة ندى همستلي إنتِ متأكدة إن الراجل ده أول مرة يشوف البيبي؟
بصيت في ملف المتطوعين.
أول زيارة فعلًا.
ولا أي صلة قرابة.
ولا حتى نفس اسم العيلة.
لكن الغريب... إن وائل كان عارف يتعامل مع محمد بطريقة محدش علمهاله.
كل شوية يغير وضعية إيده سنتيمتر صغير... أو يربت على ضهره بإيقاع ثابت... وكأنه حافظ تفاصيله من زمان.
عدت أربع ساعات...
وبعدين ستة...
ولما الساعة عدت المغرب، كل المتطوعين مشيوا، والأهالي رجعوا بيوتهم، إلا هو.
لسه قاعد على نفس الكرسي.
حتى لما عرضنا عليه يقوم يرتاح أو يشرب حاجة، كان يبتسم ويقول بعد شوية.
ولما قربت منه أحطله كوباية مية على الترابيزة...
لمحت حاجة لأول مرة.
كم الرداء الطبي اتحرك سنة صغيرة...
وظهر جزء من معصمه الشمال.
كان عليه أثر قديم جدًا... كأنه مكان إسورة مستشفى اتشالت بعد فترة طويلة.
لكن اللي جمد الدم في عروقي...
إن تحت الأثر ده مباشرة، كان فيه وشم صغير جدًا، باهت من الزمن.
وشم عبارة عن تاريخ... واسم طفل.
ولما ركزت في الاسم...
اتسمرت مكاني، لأن الاسم المكتوب كان محمد.
في اللحظة دي... وائل لاحظ إني شفت الوشم، فسحب كمّه بسرعة، ووشه لأول مرة فقد هدوءه.
وبصلي وقال بصوت مبحوح
من فضلك... متسألنيش عنه دلوقتي.
أما أنا...
فبدأت أحس إن الراجل ده ماجاش المستشفى بالصدفة... وإن السر اللي بيخبيه أكبر بكتير مما كنا نتخيل عدّت ساعات الليل ببطء...
وائل ما اتحركش من مكانه ولا دقيقة.
كل ما الطفل محمد يبدأ يتململ، كان يحط إيده برفق على ضهره ويهمس بنفس الجملة
أنا جنبك... متخفش.
الغريب إن الطفل كان يهدى قبل حتى ما يفتح عينيه، كأنه بقى حافظ صوته.
قربت منه آخر النبطشية وقلت
إحنا هننقله للحضانة دلوقتي... لازم حضرتك ترتاح.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن عينيه كانوا مليانين حزن.
قال لو قمت... هيصحى.
افتكرتها مجرد مبالغة.
لكن أول ما شالوا محمد من على صدره...
رن جهاز مراقبة القلب فجأة.
النبض ارتفع، والطفل بدأ يصرخ بطريقة خلت كل اللي في القسم يجري.
رجعناه لوائل بسرعة...
وخلال ثوانٍ رجع كل شيء طبيعي.
الدكتور وقف ساكت، وبعدها قال بهدوء
سيبوه معاه شوية كمان.
دي كانت أول مرة في تاريخ القسم يسمحوا لمتطوع يفضل كل الوقت ده مع طفل.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.
وأنا براجع أوراق المتطوعين علشان أقفل الملفات، لقيت استمارة وائل.
كل البيانات كانت عادية...
الاسم، السن، العنوان.
لكن في خانة سبب التطوع كانت فيه جملة واحدة فقط، مكتوبة بخط إيده
بوفي بوعد لازم أوفيه.
الجملة فضلت تلف في دماغي.
وعد لمين؟
وليه الطفل ده بالتحديد؟
وفي منتصف الليل تقريبًا، دخل عامل الأمن يبلغني إن عربية قديمة واقفة بره المستشفى من الصبح، وصاحبها رافض يحركها.
لما بصيت من الشباك...
عرفت إنها عربية وائل.
كانت متغطية بطبقة تراب، وكأنها بقالها شهور ما اتحركتش.
لكن اللي لفت انتباهي...
كان دب صغير محطوط على التابلوه من جوه العربية.
دبدوب أطفال قديم جدًا، لونه باهت.
وعلى بطنه خيط متفكك، وكأن حد فتحه وخاطه بإيده أكتر من مرة.
ولما رجع وائل من الحمام بعد دقائق، شافني ببص للعربية.
وشه اتغير فجأة...
وجري ناحية الشباك وهو بيقول بلهفة
إوعي حد يقرب منها... اللي فيها هو آخر حاجة فاضلة معايا.
في اللحظة دي...
اتأكدت إن السر مش مجرد وشم على معصمه.
كان فيه ماضٍ كامل مدفون جواه...
ومحمد، الطفل الصغير، كان بطريقة غامضة مفتاحه الوحيد تاني يوم الصبح، كل العاملين في القسم كانوا بيتكلموا عن وائل.
الممرضة ندى قالت وهي بتبص من بعيد أنا شغالة هنا بقالي 11 سنة... عمري ما شفت طفل متعلق بحد بالشكل ده.
حتى الدكتور المسؤول طلب يراجع بنفسه كل أوراق المتطوع.
لكن مفيش أي حاجة غير طبيعية.
لا سوابق.
لا مخالفات.
ولا حتى أي سبب يفسر ليه اختار حضّانة الأطفال المبتسرين تحديدًا.
الغريب أكتر...
إن وائل بقى ييجي كل يوم في نفس المعاد.
الساعة 8 الصبح بالثانية.
يدخل، يغسل إيده، يقعد على نفس الكرسي، ويستنى من غير ما يسأل على أي طفل...
لحد ما حد يقوله
محمد صحي.
ساعتها فقط كانت ملامحه ترتاح.
وفي اليوم الرابع، وأنا بغيّر الملاية الصغيرة في الحضانة، لاحظت حاجة غريبة.
محمد كان قابض بإيده الصغيرة على سلسلة طالعة من تحت ياقة وائل.
ولما الطفل شدها...
خرجت ميدالية فضية قديمة.
وائل ارتبك بسرعة وحاول يخبيها، لكني كنت شفتها.
كانت ميدالية أطفال محفور عليها من الناحية الخلفية
لو ضاع مني... ارجعني لبابا.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني...
إن التاريخ المحفور تحت الجملة كان من حوالي عشرين سنة.
يعني مستحيل تكون خاصة بمحمد.
بصيت لوائل، لقيت عينه دمعت لأول

تم نسخ الرابط