قلبو المستشفي

لمحة نيوز

كان مختلف تمامًا.
كان هدومه متربة، وعلى جبينه جرح صغير، وكأن حد اعتدى عليه.
وفي إيده ملف قديم جدًا، مربوط بشريط أحمر.
جري مباشرة ناحيتي وقال وهو بيلهث
اقفلي الباب... ومحدش يدخل.
اتوترت وسألته
إيه اللي حصل؟
بص حوالين القسم الأول، وبعدها حط الملف على الترابيزة.
قال بصوت منخفض
قضيت الليل كله بدور على الحقيقة... والملف ده كان مدفون من عشرين سنة.
مد إيده وفك الشريط ببطء.
أول ورقة ظهرت كانت تقرير ولادة قديم، وحوافها مصفرة من الزمن.
لكن قبل ما أقدر أشوف الاسم المكتوب...
سمعنا صوت خطوات سريعة في الممر.
حد كان بيجري ناحية حضانة الأطفال.
ووائل همس وهو بيقفل الملف بسرعة
للأسف... شكلهم عرفوا إن الملف وصل قبل ما ألحق أقول الحقيقة صوت الخطوات كان بيقرب بسرعة...
كل الموجودين في القسم بصّوا ناحية الباب.
ثواني...
ودخل رجل لابس بدلة رسمية، ومعاه اتنين من أمن المستشفى.
وشه كان هادي، لكن نظراته كانت كلها توتر.
وقف قدام وائل مباشرة وقال
إحنا لازم نتكلم... حالًا.
وائل ما اتحركش.
كان حاضن الملف بإيده اليسار، وبيحط إيده اليمين برفق على حضّانة محمد.
قال بهدوء
مش قبل ما أطمن عليه.
الرجل بص للطفل، وبعدها بص للملف.
واضح إنه كان عارف بالظبط إيه اللي جواه.
قال بصوت منخفض
الملف ده لو اتفتح هنا... حياة ناس كتير هتتغير.
أنا والدكتور بصينا لبعض باستغراب.
إيه ملف قديم يقدر يعمل كل ده؟
قبل ما حد ينطق، محمد فتح عينيه لأول مرة من ساعات طويلة.
الغريب...
إنه ما بصش على أي حد في الأوضة.
كل تركيزه كان على وائل.
ومد إيده الصغيرة ناحيته.
وائل ابتسم لأول مرة من قلبه، ومد صباعه للطفل.
وفي اللحظة دي...
سقطت ورقة من الملف على الأرض من غير ما ياخد باله.
الدكتور انحنى يشيلها.
لكن أول ما عينه وقعت عليها...
اتغير لون وشه.
قرأ أول سطر...
وبعدين بص لوائل بدهشة شديدة.
قال بصوت شبه هامس
مستحيل...!
وائل حاول ياخد الورقة بسرعة، لكن الدكتور كان قرأ اللي يكفي.
رفع عينه وقال
الورقة دي بتقول إن في طفل اتبدلت هويته ليلة الولادة...
سكت فجأة لما لاحظ إن الممرضات بقوا سامعين.
أما وائل...
فغمض عينه للحظة، وقال الجملة اللي قلبت كل اللي كنا فاهمينه
وده سبب رجوعي للمستشفى بعد عشرين سنة... لأن الحقيقة لسه ما خلصتش.
وفي نفس اللحظة...
رن تليفون القسم.
رديت بسرعة.
الطرف التاني قال جملة واحدة بس، خلت الدم يتجمد في عروقي
أم الطفل محمد رجعت... وبتقول إنها لازم تشوف ابنها حالًا، لأنها أخيرًا قدرت تقول الحقيقة بعد أقل من دقيقة...
باب القسم اتفتح بهدوء.
دخلت شابة هزيلة جدًا، ملامحها مرهقة، ووشها شاحب كأنها ما نامتش من أيام.
أول ما شافت حضّانة محمد...
انهارت.
وقعت على ركبها وهي بتبكي، وفضلت تردد
سامحني... والله ما سيبتك بإيدي.
القسم كله سكت.
حتى وائل، اللي كان ثابت طول الوقت، قام وقف وهو بيبصلها باهتمام.
الدكتور قرب منها وقال
حضرتك والدة الطفل؟
هزت راسها وهي بتحاول توقف دموعها.
أيوه... أنا سارة.
سألها بهدوء
ليه اختفيتي كل الأيام دي؟
بصت حواليها بخوف، كأنها متأكدة إن حد بيراقبها.
وقالت بصوت مكسور
لأنهم قالولي... لو رجعت آخده... هنموت إحنا الاتنين.
الجملة نزلت على الكل كالصاعقة.
وقبل ما الدكتور يسألها مين هم، لفتت نظرها وائل.
فضلت تبصله كام ثانية...
وبعدين وشها اتغير.
قالت وهي بتترعش
أنا... أعرفك؟
وائل بلع ريقه بصعوبة.
معرفش.
لكن نبرة صوته قالت العكس تمامًا.
سارة قربت خطوة، وهي مركزة في وشه.
وفجأة...
بصت على معصمه.
الوشم.
وشهقت بقوة.
الوشم ده...!
وائل بسرعة نزل كمّه وخبّاه.
لكن كان فات الأوان.
سارة بدأت ترجع لورا وهي بتهمس
مستحيل... أنت...
وقبل ما تكمل الجملة...
فقدت وعيها.
جريت أنا والدكتور نلحقها.
وأثناء ما كنا بنرفعها من الأرض...
وقعت من شنطتها ورقة مطوية.
الدكتور فتحها بسرعة علشان يعرف إذا كانت فيها أي بيانات طبية.
لكن أول ما فردها...
لقينا إنها مش تقرير طبي.
كانت خطابًا قديمًا.
وفي آخره توقيع باسم واحد فقط
وائل حمدي.
رفعت عيني بسرعة ناحية وائل...
لكنه كان واقف مكانه، ملامحه جامدة، وعينيه على الخطاب.
واضح إنه عرفه من أول نظرة.
أما إحنا...
فبقينا متأكدين إن العلاقة بين وائل، وسارة، ومحمد... أعمق بكتير من مجرد صدفة.
لكن إيه اللي مكتوب في الخطاب؟... ده كان السر اللي لسه محدش عرفه وائل قعد على الكرسي وهو ماسك الرسالة بإيده...
وبعد دقائق من الصمت، رفع عينه لسارة وقال
كفاية هروب... قولي الحقيقة كلها.
سارة مسحت دموعها، وبصت للدكتور وليّا وقالت
محمد... ابني فعلًا. لكن وائل مش غريب عننا.
كلنا اتصدمنا.
كملت وهي بتبكي
من عشرين سنة، وائل كان أب لطفل اتولد قبل ميعاده في نفس المستشفى. ابنه عاش أيام قليلة، وبعدها الأطباء بلغوه إنه مات.
وائل غمض عينيه.
واضح إن الجرح ده عمره ما اتقفل.
سارة كملت
أنا كنت متربية في دار أيتام، ولما حملت بمحمد، أبوه هرب. وقت الولادة اتعرضت لضغوط رهيبة، وكان في ناس عايزين ياخدوا ابني مني علشان أسدد ديون قديمة. هربت من المستشفى وأنا فاكرة إنهم هيقتلوه لو فضل معايا... لكن قبل ما أمشي، شفت وائل في الممر. كان بيطبطب على الأطفال المبتسرين، رغم إن قلبه مكسور.
بصت لوائل وقالت
ساعتها قلت في نفسي... لو في حد هيحن على ابني، فهو الراجل ده.
سألها الدكتور باستغراب
والخطاب؟
ابتسمت وسط دموعها.
الخطاب ده كان اعتذار. كنت بعتّه من سنين، لكن عمره ما وصله.
فتح وائل الخطاب، وقرأه بصوت مرتعش.
لو ربنا كتبلك تقابل ابني يومًا، أحضنه نيابة عني... لأنني خرجت من المستشفى وأنا ميتة من جوا، لكن كنت مؤمنة إن ربنا هيبعتله قلبًا يحبه.
سكت وائل...
وقام بهدوء.
راح عند حضّانة محمد، وشاله بين إيديه للمرة الأخيرة.
الطفل فتح عينيه، وابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة منذ ولادته.
حتى الممرضات لاحظوا إن الأجهزة كلها كانت مستقرة بشكل مثالي.
ناول وائل الطفل لأمه، وقال بابتسامة امتزجت بالدموع
مكانه الحقيقي...
حضن أمه.
سارة ضمّت محمد بقوة، وهي تبكي.
أما وائل، فخلع السلسلة اللي كان لابسها، والميدالية الصغيرة اللي احتفظ بيها عشرين سنة، وحطها جنب بطانية محمد.
وقال
كنت فاكر إني مقدرتش أنقذ ابني... لكن يمكن ربنا رجعني هنا علشان أنقذ نفسي.
بعد أسابيع، خرج محمد من حضّانة الأطفال بصحة جيدة.
وسارة بدأت حياة جديدة، بعد ما وفرت لها إحدى الجمعيات السكن والعمل.
أما وائل...
فما انقطعش عن المستشفى.
بقى ييجي كل أسبوع متطوعًا، يحمل الأطفال اللي محدش بيزورهم، ويقعد بالساعات يطمنهم بنفس الجملة التي أصبحت معروفة في القسم كله
اهدى يا بطل... أنا جنبك.
وأصبح كل طفل وحيد يدخل الحضانة يجد حضنًا دافئًا ينتظره، لأن رجلًا ظن أن حياته انتهت منذ عشرين عامًا، اكتشف أن أعظم رسالة في عمره لم تكن أن يكون أبًا لطفل واحد... بل أن يكون سندًا لكل طفل يحتاج إلى قلبٍ رحيم.
تمت.

تم نسخ الرابط