قلبو المستشفي
المحتويات
مرة.
لف الميدالية في قبضته وقال بصوت مخنوق
دي... أغلى حاجة عندي.
ما سألتوش.
لكن من يومها بدأت ألاحظ إنه كل ما محمد ينام، وائل يطلع صورة صغيرة جدًا من محفظته ويبص لها ثواني، وبعدها يرجعها بسرعة قبل ما أي حد يشوفها.
وفي آخر اليوم...
وأنا برتب الكرسي اللي كان بيقعد عليه، لقيت الصورة وقعت منه من غير ما يحس.
انحنيت أشيلها...
ولما بصيت فيها، شهقت.
الصورة كانت لرجل أصغر سنًا... من غير الدقن البيضا... شايل طفل رضيع بين إيديه ويضحك.
لكن الطفل...
كان لابس نفس السوار القماشي الأزرق اللي كان مربوط دلوقتي في حضّانة محمد.
مش شبهه...
نفس التصميم... ونفس العلامة اليدوية النادرة اللي المستشفى بطلت تستخدمها من سنين.
وفي ضهر الصورة، كانت مكتوبة بخط مرتعش خمس كلمات فقط
سامحني... مقدرتش أنقذك.
وقبل ما أستوعب اللي قريته...
سمعت صوت وائل ورايا مباشرة وهو بيقول
الصورة دي... عمرها ما كان المفروض حد يشوفها لفّيت ببطء...
ولقيت وائل واقف ورايا، وشه شاحب لأول مرة من ساعة ما عرفناه.
مد إيده بهدوء وقال
ممكن الصورة.
ناولتهاله من غير كلمة.
بص عليها ثواني طويلة، كأنه بيراجع عمر كامل، وبعدها رجعها لمحفظته وهو بيحاول يخفي رعشة إيده.
قلتله بهدوء
أنا مش هسألك لو مش عايز تتكلم... لكن واضح إن الطفل محمد لمس حاجة جواك.
سكت.
ثواني...
ودقايق.
وبعدين قال
في ناس بتفتكر إن أقسى حاجة في الدنيا إنك تفقد حد بتحبه... لكن الحقيقة إنك تفضل عايش بعده.
الكلام وقع علينا كلنا كالصاعقة.
لكن قبل ما يكمل...
دخلت الممرضة ندى وهي مستعجلة.
الحالة رقم 9 محتاجة حضرتك بسرعة.
كلنا جرينا ناحية حضّانة محمد.
الطفل كان بيتنفس بسرعة، وأجهزة المتابعة بدأت تطلع إنذارات متتالية.
الدكتور بدأ يشتغل فورًا.
وأثناء الزحمة، محدش لاحظ إن محمد مد إيده الصغيرة من فتحة الحضانة...
وكأنّه بيدوّر على حد.
وائل قرب في هدوء، وحط صباعه الصغير في كف الطفل.
في أقل من دقيقة...
قبضة محمد ارتخت.
والأرقام على الشاشة بدأت ترجع تدريجيًا لمعدلاتها الطبيعية.
الدكتور بص لوائل باستغراب وقال
أنا مش قادر أفسر اللي بيحصل.
بعد ما الحالة استقرت، خرج وائل يقف في طرقة المستشفى.
وأنا خرجت وراه.
كان واقف قدام شباك كبير، وباصص للشارع من غير ما يرمش.
وفجأة قال
عارفة... أنا كنت بقسم لنفسي كل سنة إني مش هرجع المكان ده تاني.
اتسمرت مكاني.
يعني إيه... هرجع؟
ابتسم ابتسامة حزينة جدًا.
آخر مرة دخلت المستشفى دي... خرجت منها بإيدين فاضيين.
وسكت.
ماقالش اسم.
ولا تاريخ.
ولا مين اللي خرج من هنا.
لكن قبل ما أسأله أي سؤال...
رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغير لون وشه فجأة.
قفل المكالمة من غير ما يرد.
بعدها بثواني وصلتله رسالة.
قرأها... وقبض على التليفون بقوة لدرجة إن مفاصل إيده ابيضّت.
وقبل ما يحطه في جيبه، لمحت أول سطر فيها...
عرفنا إنك رجعت المستشفى... ولازم نتكلم قبل ما الحقيقة كلها تظهر.
في اللحظة دي...
عرفت إن الماضي اللي بيهرب منه وائل...
لسه ما انتهيش وائل فضل باصص في شاشة الموبايل كأنه مش مصدق اللي قراه.
بعد ثواني، مسح الرسالة... وقفّل الموبايل تمامًا.
قربت منه وقلت
في مشكلة؟
هز راسه بالنفي، لكن صوته كان متعب.
بعض الأبواب... لما بتتفتح، بتاخد معاها ناس ملهاش ذنب.
رجع قعد جنب محمد، وكأن مفيش حاجة حصلت.
لكن من اللحظة دي، بقى يلتفت كل شوية ناحية باب القسم، كأنه مستني حد يدخل.
وفعلاً...
بعد أقل من ساعة، وصلت ست كبيرة في السن، شعرها كله أبيض، وكانت ماسكة ظرف بني قديم.
طلبت تقابل وائل بالاسم.
أول ما شافها، وشه اتغير.
قام واقف فورًا وقال بصوت منخفض
إنتِ... إزاي عرفتي مكاني؟
الست ردت وهي بتسلمه الظرف
فضلت أدور عليك سنين... وده بقى لازم يبقى معاك.
وسابت الظرف ومشيت قبل ما أي حد يلحق يسألها عن أي حاجة.
وائل فضل ماسك الظرف بإيده، لكنه ما فتحوش.
لحد ما نام محمد على صدره.
ساعتها فقط...
فتح الظرف ببطء.
كان جواه مجموعة أوراق قديمة، وصورة باهتة، ورسالة مكتوبة بخط يد.
وأثناء ما كان بيقلب الصور، واحدة منهم وقعت على الأرض.
انحنيت أشيلها...
ولأول مرة شفت صورة وائل وهو شاب صغير، واقف قدام نفس المستشفى.
لكن اللي كان واقف جنبه...
كانت شابة في أوائل العشرينات، شايلة طفل رضيع ملفوف ببطانية زرقاء.
وعلى ضهر الصورة مكتوب
أول وآخر صورة لعيلتنا... قبل ما كل حاجة تضيع.
رفعت عيني أبص لوائل...
لقيته بيبكي في صمت، والدموع بتنزل على وشه من غير ما يحاول يمسحها.
لكن قبل ما ينطق بأي كلمة...
فتح الرسالة اللي كانت جوه الظرف.
قرأ أول سطر...
وفجأة وقع على الكرسي كأن رجليه خانته.
جريت عليه أحاول أسنده.
الورقة كانت مقلوبة، لكن قبل ما يضمها على صدره، قدرت أقرأ جملة واحدة فقط
الطفل... ما ماتش يومها.
في اللحظة دي، وائل رفع رأسه وبص ناحية محمد...
وكأن كل الأسئلة اللي عاش بيها عشرين سنة، بدأت تلاقي إجابة واحدة وائل فضل يبص لمحمد... ومش قادر يحول عينه عنه.
إيده كانت بترتعش وهو ماسك الورقة.
أنا بصيتله وقلت بهدوء
إيه معنى الكلام ده؟
أخد نفسًا طويلًا، لكنه هز راسه.
لسه... مش دلوقتي.
طوى الرسالة بسرعة وحطها في جيبه، كأنه خايف حد يشوف باقي اللي مكتوب فيها.
في اليوم ده، لأول مرة، وائل طلب يشوف ملف محمد.
طبعًا، اعتذرتله.
مينفعش... دي بيانات سرية.
هز راسه باحترام، وقال
كنت عارف إنك هتقولي كده.
الغريب إنه ما حاولش يضغط ولا يسأل تاني.
لكن قبل ما يمشي، وقف قدام حضانة محمد ثواني طويلة، وقال بصوت خافت جدًا
يمكن... تكون دي إرادة ربنا.
تاني يوم الصبح...
وصلت المستشفى بدري، لكن وائل ماجاش.
عدت ساعة...
واتنين...
ولأول مرة من أيام، محمد فضل يعيط بشكل متواصل، وكل محاولاتنا تهديه فشلت.
الممرضات بدأوا يقلقوا.
أما أنا، فكنت ببص كل دقيقة على باب القسم.
وفجأة...
الباب اتفتح بعنف.
دخل وائل، لكن شكله
متابعة القراءة