جوزي رجع

لمحة نيوز

في مساءٍ هادئ داخل صالة الوصول بمطار القاهرة، كنت واقفة أراقب بوابة القادمين، وقلبي بيدق بسرعة. ثلاث سنوات كاملة مرت منذ أن سافر زوجي كريم للعمل في الخارج، وثلاث سنوات وأنا أعد الأيام منتظرة لحظة رجوعه.
كنت أتخيل أنه سيدخل بابتسامته المعتادة، يحمل هدايا بسيطة، ويحضنني قبل أي أحد.
لكن عندما فُتح الباب...
تجمدت مكاني.
خرج كريم ببدلة أنيقة لم أره يرتدي مثلها من قبل، وخلفه عربتا حقائب ممتلئتان بخمس شنط من أشهر الماركات. وبجواره كانت تمشي شابة في منتصف العشرينات تقريبًا، تحمل طفلًا صغيرًا نائمًا بين ذراعيها.
شعرت أن الأرض تميد بي.
اقترب مني كريم، وكأن شيئًا لم يكن، وقال بهدوء
لازم نتكلم... في حاجات كتير اتغيرت.
نظرت إلى الشابة باستغراب، فسارعت هي وقالت بابتسامة خجولة
أنا اسمي ندى.
لم أفهم شيئًا.
وقبل أن أسأل، قال كريم
ندى... مراتي.
الكلمة وقعت على أذني كالصاعقة.
ثم أضاف وهو ينظر إلى الطفل
وده ابني.
لم أتكلم.
لم أصرخ.
ولم أبكِ.
كل ما استطعت فعله هو النظر إليه في صمت، بينما أكمل كلامه وكأنه يناقش صفقة عمل
أنا عارف إن اللي هقوله صعب... لكن خلينا ننهي كل حاجة بهدوء. خدي 200 ألف جنيه، وابدئي حياة جديدة. ده هيكون أفضل لينا كلنا.
ثم أخرج ظرفًا سميكًا من جيبه ومده نحوي.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
ليس لأن عرضه أعجبني...
ولكن لأنه كان يظن أنني طوال السنوات الثلاث الماضية كنت أعيش على أمواله.
لم يكن يعلم أنه لم يرسل سوى مصاريف أربعة أشهر فقط، ثم انقطعت أخباره المالية تمامًا، وأنني كنت أعمل ليلًا من المنزل في تصميم الإعلانات والشعارات لأوفر مصاريف البيت وعلاج والدته الحاجة أمينة.
ولم يكن يعلم أنني بعت سيارتي عندما احتاجت إلى عملية جراحية، وأنني استدنت من الجميع بعدما دخلت العناية المركزة، بينما كان هاتفي يمتلئ بمحاولات الاتصال به دون أي رد.
أغلقت حقيبتي بهدوء، ثم أخرجت ملفًا شفافًا.
ابتسم كريم بثقة، وقال
أخيرًا اقتنعتي.
لكنني نظرت إليه وقلت
أوراقك جاهزة... لكن قبل أي توقيع، لازم تيجي معايا البيت.
قطب حاجبيه باستغراب.
ليه؟
أجبته وأنا أنظر مباشرة في عينيه
لأن في حد مستنيك من زمان... وحان وقت إنك تعرف الحقيقة.
يتبع...وصلنا البيت بعد أقل من ساعة.
كان الطريق كله صامتًا.
كريم كان يسوق بعصبية، وكل شوية يبصلي في المراية وكأنه مستني أسأله ألف سؤال... لكني ما سألتش ولا كلمة.
ندى كانت تضم الطفل لصدرها وهي تهمس
هو إحنا هنطول؟
رد كريم بضيق
خمس دقايق ونمشي.
ابتسمت في سري...
لأنه كان لسه فاكر إن الموضوع كله مجرد توقيع ورق.
وقفنا قدام البيت.
أخرج كريم المفتاح القديم من جيبه، لكنه فوجئ إن الباب اتغير قفله.
بصلي باستغراب.
غيرتي القفل؟
قلت بهدوء
أيوه... بعد ما بقيت أنا المسؤولة عن البيت كله.
فتحت الباب.
أول ما دخل... وقف مكانه.
البيت كان أنضف مما تركه بكتير، وكل شيء فيه مرتب بعناية، لكن أكثر ما لفت نظره صورة كبيرة لوالدته الحاجة أمينة معلقة على الحائط، وتحتها باقة ورد أبيض لا تزال نضرة.
اقترب من الصورة ببطء.
ولأول مرة منذ وصوله... اختفت الثقة من ملامحه.
همس
أمي... عاملة إيه؟
لم أجب.
اكتفيت بالنظر إليه.
كرر السؤال بصوت أعلى
أمي فين؟
قلت بهدوء شديد
اقعد الأول... لأن اللي هتعرفه النهارده هيغير حاجات كتير.
ندى بدأت تشعر بالتوتر.
قالت
كريم... خلينا نمشي.
لكن قبل أن يرد...
سمعنا صوت سيارة تقف أمام المنزل.
ثم تبعتها سيارة ثانية...
وثالثة.
نظر كريم من الشباك باستغراب.
كانت سيارات فاخرة تقف واحدة تلو الأخرى أمام البيت.
وبعد ثوانٍ...
بدأ أشخاص يرتدون بدلات رسمية ينزلون منها، ويتجهون نحو الباب وكأن لديهم موعدًا محددًا.
اتسعت عينا كريم.
التفت إليّ وسأل بقلق
مين الناس دي؟
ابتسمت لأول مرة منذ رآني في المطار...
وقلت
دول جايين علشانك... وكل واحد فيهم معاه حاجة لازم تشوفها بنفسك.
وفي اللحظة التالية...
رن جرس الباب تبادل كريم وندى نظرة سريعة.
كان واضحًا أن القلق بدأ يتسلل إليهما.
تقدمت نحو الباب، وفتحته بهدوء.
دخل أول رجل في منتصف الخمسينات، يحمل حقيبة جلدية سوداء، وخلفه رجلان آخران، ثم سيدة أنيقة تمسك بملف سميك.
وقفوا جميعًا داخل الصالة.
نظر الرجل إلى كريم وسأله
حضرتك الأستاذ كريم؟
أومأ كريم برأسه وهو يحاول إخفاء ارتباكه.
مد الرجل يده بالملف وقال
ممتاز... كنا في انتظار عودتك منذ فترة طويلة.
تجمد كريم في مكانه.
نظر إليّ بسرعة وقال
إيه ده؟ مين الناس دي؟
قلت بهدوء
اقعد... وهتعرف.
فتح الرجل الملف، وأخرج مجموعة كبيرة من الأوراق، ثم وضعها على الطاولة.
كانت كلها تحمل اسم كريم.
بدأ يقلبها ورقةً تلو الأخرى، ثم قال
والدتك كانت حريصة جدًا إنها تسيب كل حاجة موثقة... وكانت مصممة إن الأوراق دي ما تتفتحش إلا بعد رجوعك بنفسك.
شهقت ندى وهي تنظر إلى الأوراق.
أما كريم فابتلع ريقه بصعوبة.
قال بصوت متوتر
أمي... كانت سايبة إيه؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، ثم أخرج ظرفًا أبيض مغلقًا بالشمع الأحمر.
رفع الظرف أمام الجميع وقال
والأهم من كل الأوراق... الرسالة دي.
اقترب كريم بسرعة ومد يده ليأخذها.
لكن الرجل سحبها قبل أن تصل إليها أصابعه، وقال بحزم
لا... الرسالة دي ليها شرط.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
ثم سأل كريم بقلق
شرط إيه؟
نظر الرجل نحوي أولًا... ثم عاد ببصره إلى كريم وقال
والدتك قالت بالحرف الرسالة دي ما تتفتحش إلا بعد ما أعرف إن ابني سمع الحقيقة كاملة.
ساد الصمت في البيت...
أما أنا، فنظرت إلى كريم وقلت بهدوء
وصدقني... اللي هتسمعه دلوقتي أصعب بكتير من أي حاجة كنت متوقعها.
يتبع...أخذ كريم نفسًا عميقًا، ثم جلس على الأريكة وهو يحاول أن يبدو هادئًا، لكن أصابعه المرتجفة كانت تفضحه.
نظر إلى الرجل وقال
اتفضل... قول اللي عندك.
فتح الرجل الملف، ثم أخرج دفترًا صغيرًا قديمًا.
قال
ده دفتر كانت الحاجة أمينة بتكتب فيه كل حاجة حصلت خلال آخر ثلاث سنين... يوم بيوم.
اتسعت عينا كريم.
أمي كانت بتكتب؟
أومأ الرجل برأسه.
ثم فتح أول صفحة وبدأ يقرأ
النهارده كريم كلمني وقال هيحول فلوس آخر الشهر... ربنا يباركله.
قلب الصفحة.
الفلوس ماوصلتش... بس أكيد عنده ظرف.
ثم صفحة أخرى.
تعبت النهارده، وكانت مرات كريم هي اللي خدتني للدكتور. دفعت من جيبها، وقالتلي متقلقيش يا ماما.
بدأ وجه كريم يتغير.
وقلب الرجل صفحات أخرى.
كل صفحة كانت تحكي موقفًا...
كيف كانت زوجته تسهر بجوار والدته كل ليلة.
كيف باعت سيارتها لتدفع تكاليف العلاج.
كيف كانت تمنع الحاجة أمينة من القلق عليه، وتخبرها دائمًا
كريم بخير... بس مشغول في الشغل.
أطرق كريم رأسه.
أما ندى، فكانت تنظر إليه في صمت، وكأنها تسمع تلك التفاصيل لأول مرة.
أغلق الرجل الدفتر برفق، ثم قال
ده مجرد جزء بسيط... لكن لسه في حاجة أهم.
أخرج من الملف ظرفًا آخر، أصغر حجمًا.
وقال
الحاجة أمينة سلمتني الظرف ده قبل وفاتها بأسبوع، وقالت أول ما كريم يرجع، خليه يفتحه بنفسه.
تناول كريم الظرف هذه المرة بيد مرتجفة.
نظر إلى اسمه المكتوب بخط والدته...
وظل صامتًا لعدة ثوانٍ.
ثم بدأ يفتح الظرف ببطء...
وفي اللحظة التي أخرج فيها الورقة من داخله...
تغير لون وجهه فجأة.
وشهق بصوت مرتفع
مستحيل...!ظل كريم يحدق في الورقة كأنه لا يصدق ما يراه.
يده بدأت ترتعش.
حاول أن يتكلم... لكن الكلمات خانته.
اقتربت ندى منه وقالت بقلق
كريم... مالك؟ مكتوب فيها إيه؟
لم يرد.
أخذ الرجل الجالس أمامه الورقة بهدوء وقال
بما إن الحاجة أمينة أوصت إن الجميع يعرف الحقيقة... هقرأها بصوت عالي.
ساد الصمت.
ثم بدأ يقرأ
يا كريم... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى ربنا كتبلك ترجع بعد غياب طويل. أنا مش زعلانة منك علشان بعدت... كل واحد بيدور على رزقه. لكن أكتر حاجة وجعتني إن مراتك كانت بتخبّي عني تعبها، عشان أفضل فاكرة إنك واقف جنبنا. كانت تقول إن الفلوس منك، وهي اللي كانت تدفع من تعبها. كانت تقول إنك بتسأل عني كل يوم، وهي اللي كانت تقعد جنبي طول الليل. عمرها ما سمحتلي أكرهك.
بدأت دموع كريم تنزل لأول مرة.
أما أنا، فبقيت واقفة في مكاني دون أن أنطق.
وأكمل الرجل القراءة
لو رجعت يوم، قبل ما تحكم على أي حد... افتكر مين اللي فضل جنب أمك لآخر نفس.

تم نسخ الرابط