جوزي رجع

لمحة نيوز

طوال الطريق.
وبمجرد أن وصلنا، فتح اللابتوب واتصل بالشركة عبر مكالمة فيديو.
ظهر مديره السابق على الشاشة.
ابتسم عندما رأى كريم وقال
أخيرًا عرفنا نوصل لك.
رد كريم
حضرتك قلت في أمانة؟
أومأ المدير.
ثم رفع صندوقًا معدنيًا صغيرًا أمام الكاميرا.
قبل ما تنهي عقدك بأيام، كنت مأجر خزنة في الشركة، وقلت إن محدش يفتحها إلا أنت.
عقد كريم حاجبيه.
أنا؟!
ابتسم المدير.
واضح إنك ناسي بسبب السنين... لكن عندنا كل المستندات.
صمت كريم للحظات، ثم قال
إيه اللي فيها؟
رد المدير
مقدرش أقول... لأنها أمانتك.
ثم أضاف
أول ما تستلمها، هتفهم ليه كنت مصر تحتفظ بيها.
انتهت المكالمة.
نظر كريم إلينا جميعًا، وقال
والله... أنا مش فاكر إيه اللي جواها.
ابتسم العم سعيد وقال
يبقى لازم تسافر تستلمها.
لكنني نظرت إلى كريم وقلت
قبل أي سفر...
في حاجة أهم لازم تعملها هنا الأول.
نظر إليّ باستغراب.
فسحبت ملف الطلاق من فوق الطاولة، ووضعته أمامه مرة أخرى.
وقلت بهدوء
المرة دي... القرار في إيدك.
وساد الصمت في البيت...
بين رجل عاد بعد غياب طويل، وامرأة لم تنسَ ما حدث، وورقة واحدة قد تُنهي كل شيء... أو تفتح بداية جديدة ظل كريم ينظر إلى ملف الطلاق عدة ثوانٍ.
ثم فتحه ببطء...
قرأ أول صفحة، ثم الثانية.
وأغلقه مرة أخرى.
رفع رأسه وقال بهدوء
لو وقعت دلوقتي... هبقى باهرب من غلطتي، مش بواجهها.
قلت وأنا أنظر إليه بثبات
والورق مش هيمحي اللي حصل.
أومأ برأسه.
عارف.
ثم سحب قلمًا من جيبه، ووضعه فوق الملف، لكنه لم يوقع.
في تلك اللحظة، تكلمت ندى لأول مرة منذ خرجنا من المقابر.
قالت بصوت هادئ
كريم... أنا هسيبكم تتكلموا لوحدكم.
حملت الطفل وخرجت إلى شرفة البيت.
جلس كريم أمامي، وقال
أنا مش طالب فرصة... أنا طالب تسمعيني.
تنهدت وقلت
اتفضل.
قال وهو يحدق في الأرض
أول سنة في الغربة كانت صعبة جدًا. كنت فاكر إني هقدر أرجع بسرعة، لكن العقد اتجدد، والمشاكل زادت، وكل يوم كنت أقول الشهر الجاي هرجع... لحد ما السنين جريت.
سكت لحظة، ثم أكمل
لما رجعت، كنت فاكر إن الفلوس هتعوض أي حاجة ضاعت... لكن أول ما دخلت البيت، عرفت إني كنت غلطان.
قلت بهدوء
الفلوس بتبني بيوت... لكنها ما بترجعش عمر.
أطرق رأسه ولم يجد ردًا.
وبينما كان الصمت يملأ المكان...
سمعنا صوت الطفل يبكي في الشرفة.
خرجت ندى تهدئه، ثم عادت وهي تعتذر.
ابتسمت لها وقلت
سيبيه... أنا هحمله.
ناولَتني الطفل بتردد.
حملته بين ذراعي، فسكت بعد لحظات.
نظر كريم إليّ، ثم ابتسم لأول مرة منذ عودته.
وقال بصوت منخفض
أمي كانت دايمًا تقول إنك أحن إنسانة عرفتها.
لم أعلق.
أعدت الطفل إلى ندى، ثم التفت إلى كريم وقلت
عندك مشوار طويل عشان تصلح اللي اتكسر.
هز رأسه موافقًا.
وفي تلك اللحظة...
رن جرس الباب من جديد.
فتح العم سعيد الباب.
ودخل ساعي بريد يحمل ظرفًا رسميًا مختومًا.
قال
الخطاب ده وصل من أسبوع، وكان باسم الأستاذ كريم. محدش استلمه لأنه كان مسافر.
تناول كريم الظرف، ونظر إلى الجهة المرسلة...
ثم اتسعت عيناه وهو يهمس
دي من الشركة... لكن مش بخصوص الشغل!
وأدرك أن مفاجأة جديدة كانت في انتظاره أدار كريم الظرف بين يديه أكثر من مرة.
كان مختومًا بختم رسمي، وتحته عبارة
يُسلَّم إلى صاحبه فقط.
فتح الظرف بحذر.
أخرج عدة أوراق، ثم بدأ يقرأ.
مرت ثوانٍ...
ثم دقيقة كاملة.
وفجأة جلس على أقرب كرسي.
سألته
خير؟
ناولني الورقة دون أن يتكلم.
قرأت السطر الأول
نحيطكم علمًا بأن عقدكم الوظيفي قد انتهى منذ ثلاث سنوات، وتمت تصفية جميع مستحقاتكم المالية في حينها...
رفعت عيني إليه.
يعني إيه؟
قال بصوت متحشرج
يعني... الشركة حولت كل مستحقاتي وقت ما سبت الشغل.
قلب الصفحة الثانية.
كانت تحتوي على تفاصيل المبلغ وتاريخ التحويل.
همس
المبلغ ده كان يكفي أسدد كل ديوني... وأعالج أمي... وأرجع من زمان.
نظر العم سعيد إلى الورقة، ثم قال
يبقى لازم تعرف الفلوس راحت فين.
في آخر الخطاب كان هناك سطر أخير
لأي استفسار، يرجى مراجعة مكتبنا مصطحبًا أصل التوكيل الذي استلمت به مستحقاتك.
تجمد كريم.
أعاد قراءة الجملة مرة... واثنتين.
ثم قال بذهول
توكيل؟!
رفعت رأسي نحوه.
إنت عملت توكيل لحد؟
هز رأسه بالنفي.
مستحيل... أنا عمري ما عملت توكيل.
ساد الصمت.
نظر كل واحد منا إلى الآخر.
إذا كان كريم لم يستلم مستحقاته...
ولم يوقع توكيلًا لأحد...
فمن الذي استلمها؟
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
كان رقمًا دوليًا لا يعرفه.
رد بحذر
ألو؟
جاءه صوت رجل يقول
أستاذ كريم... أنا المحامي الخاص بالشركة.
ثم صمت لثانية قبل أن يضيف
في شخص حضر عندنا من ثلاث سنين، وكان معاه كل أوراقك... واستلم مستحقاتك كاملة.
وأغلق الهاتف قبل أن يذكر الاسم.
أما كريم...
فنظر إلينا بوجه شاحب، وأدرك أن اللغز الحقيقي بدأ الآن تجمد كريم وهو ما زال ممسكًا بالهاتف.
قال العم سعيد بسرعة
اتصل بيه تاني.
حاول كريم أكثر من مرة...
لكن الخط كان مشغولًا.
مرت دقائق ثقيلة، قبل أن يرن الهاتف مرة أخرى.
رد كريم فورًا.
جاءه صوت المحامي
آسف، انقطع الاتصال. كنت بقولك إن الشخص اللي استلم مستحقاتك كان معاه توكيل موثق، وكل الإجراءات كانت قانونية وقتها.
قال كريم بانفعال
طب قولهولي... مين؟
ساد صمت قصير على الطرف الآخر.
ثم قال المحامي
مقدرش أقوله في مكالمة. لكن لو هتبعتلنا نسخة من بطاقتك، هنراجع الملف كامل، ولو ثبت إن التوكيل مزور، هتقدر تفتح تحقيق رسمي.
أغلق كريم الهاتف ببطء.
جلس على الأريكة وهو يضع رأسه بين يديه.
قلت بهدوء
يبقى نستنى التقرير الرسمي قبل ما نتهم أي حد.
هز رأسه موافقًا.
وفجأة...
قال العم سعيد
استنوا.
اتجه إلى غرفة الحاجة أمينة.
ظل بداخلها دقائق، ثم خرج يحمل علبة معدنية صغيرة.
وضعها على الطاولة وقال
الحاجة أمينة كانت بتحتفظ بكل ورقة تخص البيت هنا.
فتح العلبة.
بدأ يقلب الملفات القديمة.
وفجأة...
توقف.
أخرج ورقة صفراء مطوية.
نظر إليها طويلًا، ثم ناولها لكريم.
فتحها كريم...
واتسعت عيناه.
كانت نسخة من التوكيل نفسه.
لكن في أسفل الصفحة...
كان هناك توقيع.
نظر إليه كريم بذهول، وقال
التوقيع ده... شبه توقيعي.
أخذت الورقة منه.
تأملتها جيدًا.
ثم قلت
شبهه... لكنه مش هو.
نظر إلينا العم سعيد وقال
يعني في حد قلد توقيعك.
ساد الصمت.
وفي اللحظة نفسها...
رن جرس الباب.
فتح العم سعيد.
وقف أمام الباب رجل خمسيني أنيق، يحمل حقيبة جلدية سوداء.
قال بهدوء
مساء الخير... أنا المحامي اللي كان بيتابع ملف الأستاذ كريم.
نظر الجميع إليه في دهشة.
ثم قال وهو يدخل إلى الصالة
واضح إن الوقت جه تعرفوا اسم الشخص اللي استخدم التوكيل... لكن اللي هقوله لازم تسمعوه للآخر، لأن الحقيقة أعقد مما تتخيلوا.
يتبع...ابتسم المحامي ابتسامة هادئة، ثم فتح حقيبته وأخرج ملفًا أزرق.
قال
قبل ما حد يظلم حد... لازم تعرفوا الحقيقة كاملة.
فتح الملف، ثم أخرج صورة من التوكيل.
وأشار إلى خانة التوقيع.
التوقيع مزور فعلًا... لكن اللي كشف التزوير مش الإمضاء.
سأله كريم بسرعة
أمال إيه؟
قال المحامي
رقم البطاقة المكتوب في التوكيل... كان رقم بطاقة منتهية من سنة قبل إصدار التوكيل.
ساد الصمت.
ثم أكمل
أول ما الشركة اكتشفت الغلط بعد مراجعة قديمة، جمدت أي تعامل على الملف، واحتفظت بكل المستندات لحد ما ترجع بنفسك.
تنفس كريم الصعداء.
يعني الفلوس...؟
ابتسم المحامي.
ماحدش استلمها.
اتسعت عيون الجميع.
إيه؟!
أخرج المحامي كشفًا بنكيًا رسميًا ووضعه أمام كريم.
المبلغ رجع لحساب أمانات الشركة، ومحدش قدر يصرفه بسبب الشبهة في التوكيل.
نظر كريم إلى الرقم...
وكان أكبر مما تخيل.
قال المحامي
بالإضافة للمبلغ ده... في مكافأة نهاية خدمة، وتعويض عن مستحقات اتأخرت، وفوائد قانونية.
ثم ابتسم وأضاف
بإجمالي يقارب سبعة ملايين جنيه.
شهقت ندى.
أما العم سعيد فرفع يديه إلى السماء وقال
الحمد لله.
لكن كريم لم ينظر إلى الأوراق.
كان ينظر إليّ أنا.
ثم قال للمحامي
أول حاجة هعملها... أسدد كل جنيه اتصرف على أمي.
ابتسمت لأول مرة.
وقلت
أنا عمري ما كنت مستنية فلوس.
رد بهدوء
عارف... بس دي مسؤولية.
وفي الأسبوع التالي...
سدد كريم كل الديون التي تراكمت بسبب علاج والدته.
وأعاد لكل شخص أقرضني أمواله حقه كاملًا، ومعه هدية واعتذار.
ثم تبرع بجزء من مستحقاته لقسم علاج مرضى الزهايمر، وطلب أن يكون التبرع باسم والدته، الحاجة أمينة.
أما البيت...
فرفض بيعه.
وقال
ده آخر حاجة فضلت من أمي.
وبعد أيام، جلسنا معًا بهدوء.
وضع كريم قلمًا فوق أوراق الطلاق.
نظر إليّ
وقال
القرار قرارك... وأنا هحترمه مهما كان.
نظرت إلى الورق طويلًا.
ثم وقعت.
أغلق الملف دون اعتراض.
وقف أمامي، وقال
يمكن مقدرتش أكون الزوج اللي تستحقيه... لكن هفضل طول عمري ممتن لكل اللي عملتيه مع أمي.
مددت يدي.
صافحني.
وكانت تلك المصافحة... نهاية سنوات من الألم، وبداية حياة جديدة لكل واحد منا في طريق مختلف.
غادر كريم البيت في هدوء، حاملًا صورة والدته ورسائلها فقط.
أما أنا...
فوقفت أمام باب البيت، ونظرت إلى السماء، وهمست
الحمد لله... أخيرًا ارتاح قلبي.
تمت.

تم نسخ الرابط