جوزي رجع

لمحة نيوز

ولو لقيتها لسه مستنياك... اعرف إنك كنت محظوظ بيها.
انتهت الرسالة.
وساد صمت ثقيل.
لكن الرجل لم يغلق الملف.
بل أخرج مظروفًا أخيرًا، أكبر حجمًا، مختومًا بختم رسمي.
وضعه أمام كريم وقال
ده آخر شيء تركته الحاجة أمينة.
نظر كريم إلى المظروف باستغراب.
إيه ده؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال
الحاجة أمينة قالت بعد ما يقرأ رسالتي... افتحوا ده.
أمسك كريم بالمظروف، وما إن فتحه...
حتى اتسعت عيناه وهو يهمس
إزاي... ده كله باسمي؟!
ونظرت إليه بهدوء...
لأنني كنت أعرف أن المفاجأة الحقيقية... لم تبدأ بعد فتح الرجل الورقة بحذر، ثم قال
دي شهادة كتبتها الحاجة أمينة بخط إيدها، ووقعتها قدام شاهدين.
ثم بدأ يقرأ
أنا أمينة عبدالسلام، أشهد وأنا بكامل قواي العقلية إن مرات ابني عمرها ما قصرت معايا يوم واحد. كانت بنت قبل ما تكون كنّة، وتحملت فوق طاقتها من غير ما تشتكي.
توقفت الكلمات للحظة.
لم يكن في البيت سوى صوت أنفاسنا.
ثم أكمل
ولو ابني رجع يوم، أوعى يصدق أي كلام يسمعه عن الست دي قبل ما يسمع منها هي.
أغلق الرجل الورقة ووضعها على الطاولة.
نظر كريم إليّ طويلًا، ثم قال بصوت خافت
أنا... ظلمتك.
هززت رأسي بهدوء.
اللي فات فات يا كريم.
تنهد بعمق، ثم نظر حوله في البيت.
كل ركن فيه كان يذكره بسنوات غيابه.
كرسي والدته.
مصحفها.
نظارتها الطبية فوق الطاولة.
حتى كوب الشاي الصغير الذي كانت تشرب فيه.
جلس على الكرسي وأخفى وجهه بين يديه.
ولأول مرة منذ عاد...
انفجر في البكاء.
لكن قبل أن يتكلم...
رن هاتف الرجل الذي أحضر الأوراق.
نظر إلى الشاشة، ثم قال
وصلوا.
رفع كريم رأسه باستغراب.
مين؟
أجاب الرجل
الأشخاص اللي كانوا مستنيين رجوعك من يوم ما سافرت.
بعد ثوانٍ...
توقف أكثر من شخص أمام باب البيت.
كانوا وجوهًا يعرفها كريم جيدًا...
وجميعهم كانوا يحملون في أيديهم ملفات وأوراق.
نظر إليهم بذهول، وهم يدخلون واحدًا تلو الآخر.
وقال أكبرهم سنًا وهو يثبت نظره في كريم
الحمد لله إنك رجعت... لأن عندنا كلام لازم يتقال، وتأخر ثلاث سنين كاملة.
وتجمد كريم في مكانه، بعدما أدرك أن ما ينتظره الآن... ليس مجرد حديث عائلي، بل حساب مؤجل منذ يوم سفره أخرج كريم الأوراق بسرعة، وبدأ يقلبها بعصبية.
كانت عقودًا مختومة، وكشوفات حساب، وإيصالات سداد.
رفع رأسه نحو الرجل وقال بارتباك
يعني... إيه الأوراق دي؟
أجابه الرجل بهدوء
دي كل المستندات الخاصة بالبيت... والقرض... والعلاج.
عقد كريم حاجبيه.
قرض؟! أي قرض؟
نظر الرجل إليّ، ثم عاد إليه وقال
والدتك رفضت تبيع البيت وهي عايشة. لكن لما تكاليف علاجها زادت، كان لازم يتدفع مبلغ كبير في وقت قصير.
سأل كريم بسرعة
وأنتوا عملتوا إيه؟
رد الرجل
مراتك رفضت تبيع البيت، ورفضت كمان تطلب من أي حد يتصدق عليكم... فعملت قرض بضمان البيت، وكانت هي اللي بتسدده كل شهر من شغلها.
نظر كريم إليّ وكأن الكلمات اختفت من عقله.
همس
إنتِ... عملتي كل ده؟
لم أرد.
أكمل الرجل
وبعد وفاة الحاجة أمينة، فضلت تسدد الأقساط لوحدها... لحد ما خلصت آخر قسط من أسبوعين.
سقطت الأوراق من يد كريم.
أما ندى، فكانت تنظر إليّ بدهشة حقيقية، وقالت بصوت منخفض
يعني... هي كانت شايلة كل ده لوحدها؟
لأول مرة منذ دخلت البيت، لم أجد في صوتها أي سخرية.
بل كان مليئًا بالذهول.
اقترب كريم خطوة مني، وقال بصوت مكسور
ليه... ليه ما قولتيليش؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
وقلت
لأن كل مرة كنت بكلمك... كنت تقول إنك مشغول، وإنك هترجع قريب وتحل كل حاجة.
ساد الصمت.
ثم أخرج الرجل ورقة أخيرة من الملف، وقال
باقي مستند واحد... والحاجة أمينة أصرت إنه يتقري في وجود الجميع.
نظر إليه كريم بقلق.
فتح الرجل الورقة، ثم قال
هذه شهادة موثقة بخط الحاجة أمينة...
وفجأة...
تغيرت ملامح كريم قبل حتى أن تُقرأ بقية الكلمات، وكأنه تذكر شيئًا قديمًا كان يحاول نسيانه طوال السنوات الماضية.
يتبع...ساد صمت ثقيل.
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول المواجهة إلى لغز.
نظر كريم إلى المحاسب وقال بلهفة
نقدر نعرف الحساب ده باسم مين؟
هز المحاسب رأسه.
أقدر... لكن لازم أجيب كشف التحويلات الأصلي من البنك.
أخرج هاتفه واتصل بأحد الموظفين، ثم قال
ابعتلي النسخة اللي طلبتها زمان... بسرعة.
أغلق الهاتف.
مرت عشر دقائق وكأنها ساعة.
لم يتكلم أحد.
وفجأة...
وصلت رسالة إلى هاتف المحاسب.
فتحها، ثم طبع الأوراق من جهاز صغير كان يحمله في حقيبته.
نظر إلى أول صفحة...
ثم رفع عينيه ببطء.
تغيرت ملامحه تمامًا.
قال كريم بعصبية
انطق!
تنهد الرجل وقال
صاحب الحساب... شخص من العيلة.
شهقت ندى.
أما كريم فقبض على طرف الطاولة بقوة.
مين؟
نظر الرجل إلى الاسم مرة أخرى ليتأكد.
ثم قال
مش هينفع أقول غير لما الشخص نفسه يكون موجود.
رد كريم بغضب
موجود فين؟
وقبل أن يجيبه...
سمع الجميع صوت مفتاح يدور في باب البيت.
التفتت كل الرؤوس نحو الباب.
ثم فُتح الباب ببطء...
ودخل رجل في أوائل الستينيات، يحمل حقيبة صغيرة، وما إن وقع بصره على كريم حتى توقف مكانه.
أما كريم...
فقفز واقفًا وهو يهمس بذهول
عمي سعيد...!
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة، وقال
أيوه يا كريم... أنا جيت، لأن الوقت جه تعرف الحقيقة كلها دخل الرجال واحدًا تلو الآخر، وجلسوا في الصالة.
عرف كريم أول اثنين فورًا.
كان أحدهما عمه حسن، والآخر جاره القديم الحاج فؤاد.
أما الرجل الثالث، فلم يتذكره في البداية.
ابتسم الرجل وقال
واضح إنك نسيتني... أنا المحاسب اللي كنت بتتعامل معاه قبل سفرك.
عقد كريم حاجبيه.
محاسب؟!
أخرج الرجل دفترًا قديمًا ووضعه على الطاولة.
قبل ما تسافر، قلتلي إنك هتبعت جزء من مرتبك كل شهر عشان والدتك، وطلبت مني أتابع الموضوع.
اتسعت عينا كريم.
أيوه... حصل.
أكمل الرجل
أول أربع شهور الفلوس كانت بتنزل فعلًا... وبعدها وقفت تمامًا.
قال كريم بسرعة
مستحيل... أنا كنت بحول كل شهر.
ساد الصمت.
نظرت إليه لأول مرة منذ دخل البيت.
لم أقل شيئًا، لكن علامات الدهشة ظهرت على وجهي أيضًا.
سأل الرجل
معاك أي إثبات إن التحويلات كملت؟
أخرج كريم هاتفه بسرعة.
بدأ يبحث بين صوره ورسائله القديمة.
ثم قال بثقة
أكيد... كنت محتفظ بالإشعارات.
ظل يقلب في الهاتف دقيقة... ثم دقيقتين...
وفجأة توقف.
تغيرت ملامحه.
همس لنفسه
إزاي...؟
رفع رأسه وقال
الحساب اللي كنت بحول عليه... مش رقم حساب البيت!
اقترب المحاسب منه.
نظر إلى الرقم.
ثم قال بهدوء
فعلًا... ده حساب تاني.
شهقت ندى وهي تنظر إلى الشاشة.
أما أنا، فبقيت صامتة.
لأنني لأول مرة أسمع هذه المعلومة.
نظر كريم إليّ بعينين مليئتين بالحيرة.
وقال
أقسم بالله... كنت فاكر إن الفلوس بتوصلكم كل شهر.
ولأول مرة...
شعرت أن في القصة جزءًا لم أكن أعرفه أنا أيضًا.
لكن قبل أن ينطق أحد بكلمة...
قال المحاسب وهو يغلق الدفتر
لو ده صحيح... يبقى في شخص كان بياخد الفلوس طوال ثلاث سنين... والشخص ده يعرفكم كويس جدًا.
ساد الصمت داخل البيت...
وأدرك الجميع أن الحقيقة التي كانوا يعتقدون أنهم وصلوا إليها... ما هي إلا بداية لغز أكبر ظل كريم واقفًا في مكانه، وكأنه لا يعرف ماذا يقول.
نظر إلى صورة والدته المعلقة على الحائط، ثم جلس أمامها بصمت.
بعد دقائق، قال بصوت مبحوح
آخر مرة كلمتها... قالتلي خلي بالك من نفسك يا ابني. وأنا قلتلها لما أرجع هنعوض كل اللي فات.
تنهدت وقلت بهدوء
كانت مستنياك لآخر يوم.
أغمض عينيه، ومسح دموعه بسرعة.
ثم التفت إليّ وقال
كنت فاكر إن كل حاجة هتفضل زي ما هي... وإن الزمن هيستنانا.
لم أرد.
فلا شيء يمكن أن يعيد الأيام التي مرت.
اقترب العم سعيد ووضع يده على كتف كريم.
اسمع يا ابني... الماضي خلاص انتهى. لكن لسه قدامك فرصة تصلح اللي تقدر عليه.
رفع كريم رأسه وسأل
أعمل إيه؟
رد العم سعيد
أول حاجة... اقعد واسمع مراتك. اسمع منها الثلاث سنين اللي فاتوا من غير ما تقاطعها.
جلس الجميع في هدوء.
وبدأت أحكي.
حكيت عن أول ليلة مرضت فيها الحاجة أمينة.
وعن المرات التي كنت أنقلها فيها للمستشفى وحدي.
وعن الليالي التي كنت أعمل فيها حتى الفجر، ثم أذهب بها إلى الطبيب صباحًا.
وحكيت عن آخر يوم في حياتها...
عندما أمسكت بيدي وقالت
لو كريم رجع... متخليش قلبك يشيل منه. الغربة بتغيّر الناس، لكن ربنا قادر يرجعهم.
انفجر كريم في البكاء مرة
تم نسخ الرابط