جوزي رجع

لمحة نيوز

أخرى.
أما ندى، فكانت تمسح دموعها بصمت، ثم اقتربت مني وقالت
أنا آسفة... أول ما شوفتك حكمت عليك من غير ما أعرف الحقيقة.
نظرت إليها وقلت
كلنا بنغلط... المهم نتعلم.
ساد البيت هدوء لم يعرفه منذ سنوات.
وفي تلك اللحظة...
رن جرس الباب مرة أخرى.
نظر الجميع نحو الباب.
ذهب العم سعيد ليفتح.
وبمجرد أن فتحه...
ابتسم وقال
الحمد لله... الشخص اللي كنا مستنيينه وصل.
التفت كريم بسرعة وسأل
مين؟
لكن الرجل الذي دخل كان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وقال وهو يضعه على الطاولة
ده أمانة... الحاجة أمينة سلمتهولي قبل وفاتها، وقالت ما يتفتحش إلا بعد ما كريم يرجع ويعرف الحقيقة.
وتجمدت الأنظار كلها على الصندوق المغلق... الذي لم يكن أحد يعرف ما بداخله دخل العم سعيد بخطوات بطيئة، ووضع حقيبته بجوار الباب.
كانت ملامحه مرهقة، وكأنه يحمل عبئًا ظل معه سنوات.
نظر إلى كريم طويلًا، ثم قال
قبل ما حد يتهم حد... اسمعوا مني للآخر.
رد كريم بعصبية
يعني إيه؟ الحساب كان باسمك؟
هز العم سعيد رأسه.
أيوه... الحساب كان باسمي.
ارتفع صوت كريم
ليه؟! ليه تعمل كده؟
رفع العم سعيد يده يطلب منه الهدوء.
لأنك إنت اللي طلبت.
ساد الصمت.
حتى أنا شعرت بالدهشة.
قطب كريم حاجبيه وقال
أنا؟!
أخرج العم سعيد من حقيبته ظرفًا قديمًا، وأخرج منه ورقة مطوية.
ناولها لكريم.
فتحها ببطء...
وفجأة عرفها.
كانت استمارة قديمة كتبها قبل سفره، وفيها تفويض مؤقت للعم سعيد باستقبال أي تحويلات باسمه حتى ينتهي من إجراءات فتح حساب جديد للأسرة.
ضرب كريم جبهته بكفه.
يا نهار أبيض... نسيت الورقة دي تمامًا.
قال العم سعيد
وبعد أول أربع شهور، التحويلات وقفت. وأنا كل شهر كنت مستني الفلوس تنزل... لكنها ما نزلتش.
تنفست الصعداء.
إذًا لم يكن أحد يسرق المال.
كل ما في الأمر أن التحويلات نفسها توقفت.
نظر كريم إليّ وعيناه امتلأتا بالندم.
وقال بصوت مكسور
يعني... إنتِ فعلًا شلتي كل ده لوحدك؟
أجبته بهدوء
ماكانش عندي اختيار. كان لازم البيت يفضل واقف، وكانت والدتك محتاجة حد جنبها.
انخفض رأس كريم.
ثم وقف فجأة، واتجه نحوي بخطوات مترددة.
وقال
أنا عارف إن كلمة آسف قليلة... لكن...
وقبل أن يكمل...
قاطعتُه بهدوء
الاعتذار بيصلح الجروح... لكنه مايرجعش الزمن.
ساد الصمت مرة أخرى.
وكان واضحًا أن كريم أدرك أن السنوات الثلاث لم تضيع من عمره فقط... بل ضيعت أشياء لا يمكن تعويضها.
يتبع...مرّت عدة دقائق دون أن ينطق أحد.
كان صوت عقارب الساعة هو الشيء الوحيد الذي يُسمع في البيت.
رفع كريم رأسه أخيرًا وقال
أنا مش هضغط عليكِ في أي قرار. سواء سامحتِني أو لأ... ده حقك.
ثم مد يده إلى الظرف الذي كان قد أخرجه في المطار.
وضعه أمامي مرة أخرى.
الفلوس دي مش علشان أشتريك... ولا علشان أخلص من المسؤولية. دي أقل حاجة أقدر أعملها بعد اللي عرفته.
دفعت الظرف نحوه بهدوء.
احتفظ بيه.
نظر إليّ باستغراب.
قلت
أنا ما استحملتش كل اللي فات علشان آخد مقابل في الآخر.
خفض عينيه في خجل.
في تلك اللحظة، وقف العم سعيد وقال
خلاص يا جماعة... اللي كان مستخبي بقى واضح. والباقي بينكم.
بدأ الجميع يغادرون البيت واحدًا تلو الآخر.
وقبل أن يخرج آخر شخص، التفت إلى كريم وقال
أمك كانت دايمًا تقول الرجولة مش إن الواحد يغلط... الرجولة إنه يصلح غلطه.
أُغلق الباب.
وبقينا نحن الثلاثة فقط.
أنا...
وكريم...
وندى التي كانت تحتضن الطفل في صمت.
اقتربت ندى مني بخطوات مترددة، وقالت
أنا عارفة إن وجودي هنا صعب عليكِ... ولو تحبي أمشي دلوقتي، همشي.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقلت
الموضوع مش موضوع وجودك... الموضوع إن كل واحد فينا محتاج يفكر في الخطوة الجاية بعقل، مش بانفعال.
هزت رأسها في تفهم.
أما كريم، فظل ينظر إلى صورة والدته طويلًا.
ثم قال بصوت مكسور
كنت فاكر إن الغربة هتغير حياتي للأحسن... لكن رجعت ولقيت نفسي خسرت سنين عمر ما هترجع.
ولم يجد أحد ردًا على تلك الجملة.
فبعض الخسائر... لا يعوضها أي مال، ولا تمحوها أي كلمات وضع الرجل الصندوق الخشبي على الطاولة برفق.
كان صغيرًا، لكنه قديم جدًا، وعلى غطائه نقش باسم الحاجة أمينة.
نظر كريم إليه وكأنه يخشى فتحه.
همس
أمي كانت محتفظة بده؟
أجاب الرجل
من يوم سفرك... وكانت توصيني كل ما أشوفها لو كريم رجع، سلمه الصندوق بنفسه.
مد كريم يده، ثم سحبها مرة أخرى.
قال العم سعيد
افتحه... مهما كان اللي جواه، دي آخر أمانة من أمك.
أخذ كريم نفسًا عميقًا، ثم رفع الغطاء.
في الداخل لم يكن هناك ذهب، ولا أموال.
كان هناك ألبوم صور قديم... ومصحف صغير... ومفتاح نحاسي قديم، ورسالة مطوية.
فتح الألبوم أولًا.
كانت أول صورة يوم كتب الكتاب.
الثانية يوم استلمنا البيت.
ثم صور لوالدته وهي تضحك معنا في أول رمضان بعد زواجنا.
كل صورة كان خلفها تاريخ، وجملة قصيرة بخط الحاجة أمينة.
أحلى يوم في حياتي.
ربنا يديم لمتنا.
البيت ده عمره ما يبقى بيت إلا بأهله.
أغلق كريم الألبوم وهو يبكي.
ثم فتح الرسالة الأخيرة.
كانت قصيرة جدًا.
قرأها بصوت مرتجف
يا كريم... لو وصلت للرسالة دي، يبقى عرفت الحقيقة. المال بيرجع... والبيوت تتبني من جديد... لكن القلوب لما تنكسر، صعب ترجع زي الأول. أوعى تضيع الناس اللي وقفت جنبك وقت الشدة. ولو أخطأت في حق حد... اعتذر له قبل ما ييجي يوم ما تلاقيهوش قدامك.
انتهى من القراءة، وأجهش بالبكاء.
أما أنا...
فأخذت نفسًا طويلًا، ثم وضعت أمامه الملف الذي أحضرته معي من المطار.
قلت بهدوء
دلوقتي... تقدر توقع.
نظر إلى الملف.
ثم أغلقه بيده، ودفعه بعيدًا.
وقال بصوت خافت
قبل أي ورقة... لازم أصلح اللي أقدر أصلحه.
رفعت عيني إليه لأول مرة منذ عاد.
لكنني لم أقل شيئًا...
لأن بعض القرارات تحتاج وقتًا... وليس كلمات.
يتبع...في صباح اليوم التالي...
استيقظ البيت على هدوء لم يعرفه منذ سنوات.
دخلت المطبخ كعادتي، وأعددت الشاي.
تفاجأت بكريم جالسًا في الصالة منذ الفجر، لم يبدّل ملابسه، ولم يغمض عينيه ولو لدقيقة.
كان ينظر إلى صورة والدته في صمت.
وحين رآني، وقف وقال
ممكن أطلب منك طلب؟
نظرت إليه دون أن أجيب.
قال
قبل ما نمضي أي ورقة... عايز أزور قبر أمي.
أومأت برأسي.
بعد ساعة...
وقفنا أمام المقابر.
حمل كريم باقة ورد أبيض، وظل واقفًا عدة دقائق دون أن ينطق.
ثم جلس على ركبتيه وهمس
سامحيني يا أمي... رجعت متأخر.
كانت دموعه تنزل في صمت.
أما أنا، فاكتفيت بقراءة الفاتحة.
وبعد أن انتهينا...
وقبل أن نغادر، اقترب رجل مسن كان يقف بعيدًا يراقبنا.
نظر إلى كريم وقال
إنت ابن الحاجة أمينة؟
رد كريم باستغراب
أيوه.
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة وقال
أمك كانت تيجي هنا كل أسبوع... وتدعي لك بالرجوع سالم.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
قبل وفاتها بأيام ادتني الظرف ده، وقالت لو ابني رجع يوم، سلمهوله عند المقابر.
اتسعت عينا كريم.
كمان رسالة؟
ناول الرجل الظرف إليه وانصرف.
فتح كريم الظرف ببطء.
لم يكن بداخله سوى ورقة واحدة، كُتب فيها بخط الحاجة أمينة
يا ابني... لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى ربنا كتب لك ترجع. متفضلش طول عمرك تحاسب نفسك على اللي فات. لكن أوعى تكرر نفس الغلط. اللي يحب أهله... يفضل قريب منهم بقلبه، حتى لو فرقت بينهم المسافات.
طوى كريم الرسالة ووضعها في جيبه.
ثم نظر إليّ وقال
دي آخر رسالة من أمي... وهعتبرها آخر فرصة ربنا ادهالي عشان أصلح حياتي.
وقبل أن أرد...
اهتز هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه فجأة.
كان المتصل شخصًا من جهة عمله القديمة في الخارج.
رد على المكالمة، واستمع لثوانٍ فقط...
ثم أغلق الهاتف ببطء، وهو ينظر إليّ بصدمة.
همس
واضح إن لسه في أسرار أنا معرفهاش... واللي قالوه دلوقتي هيغير كل حاجة.
يتبع...أمسك كريم الهاتف بقوة، وظل ينظر إلى الشاشة بعد انتهاء المكالمة.
سألته بهدوء
خير؟
رفع رأسه وقال
المدير القديم بتاعي.
عايز إيه بعد كل السنين دي؟
تنهد وقال
بيقولي إن في أمانة باسمي موجودة في الشركة من يوم ما سبت الشغل... وإنهم حاولوا يتواصلوا معايا أكتر من مرة، لكن رقمي كان مقفول.
نظر العم سعيد إليه باستغراب.
أمانة إيه؟
هز كريم كتفيه.
معرفش... قال لازم أستلمها بنفسي.
عدنا إلى البيت، لكن لم يستطع أحد أن يتحدث.
كان كريم شاردًا
تم نسخ الرابط