في أوضة الطوارئ

لمحة نيوز

في أوضة الطوارئ، كانت واحدة حامل بتصرخ بأعلى صوتها
الحقوا جوزي! أبوس إيدكم الحقوه!
صرختها دوّت في ممرات المستشفى، والتمريض كله اتحرك في لحظة.
كنت واقفة عند مكتب التمريض براجع ملف حالة، وأول ما سمعت الصراخ جريت مع باقي الفريق ناحية الباب.
كنت دكتورة طوارئ، واتعودت على المناظر الصعبة.
دم، اختناق، نزيف، حوادث، قلوب بتتوقف فجأة
لكن عمري ما تخيلت إن فيه منظر واحد ممكن يوقف قلبي أنا.
دخلنا النقالة بسرعة.
الحالة على المونيتور!
أكسجين!
حضروا عربة الإنعاش!
وقفت جنب النقالة وأنا بلبس الجوانتي، وبصيت للمريض
وفي اللحظة دي حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
وشه كان شاحب، وعينيه مقفولة، ونَفَسه متقطع.
لكن ملامحه
مستحيل أنساها.
كان هشام.
جوزي.
شريك حياتي من حداشر سنة.
الرجل اللي خرج من بيتي الصبح وقال لي
متقلقيش، هرجع بدري.
واللي بعدها بساعات لقيته قدامي على نقالة في قسم الطوارئ، بين الحياة والموت.
اتجمدت لثانية.
ثانية واحدة بس.
لكن في الطوارئ، الثانية ممكن تساوي عمر كامل.
بلعت ريقي ورفعت صوتي
ركبوا المونيتور فورًا! وصلوا المحاليل! واعملوا غازات دم حالًا!
بدأت الأجهزة تشتغل.
النبض كان ضعيف جدًا.
الضغط نازل.
والأكسجين بيقل.
لكن أكتر حاجة شلت عقلي من مكانه
كانت إيد هشام.
كانت متشبثة بإيد الست الحامل اللي كانت واقفة جنبه.
كانت بتبكي بانهيار، وبتكرر
هشام عشان خاطري افتح عينك متسبنيش!
قربت منه وهي بتعيط.
أنا هنا يا حبيبي أنا جنبك.
وقفت مكاني للحظة.
مين الست دي؟
وليه بتناديه بالطريقة دي؟
وليه بتقول له يا حبيبي؟
رفعت عيني عليها.
كانت في أواخر العشرينات تقريبًا، وبطنها كبيرة، وواضح إنها في شهور متقدمة من الحمل.
وفجأة، زقت إيد أحد الأطباء وهي بتصرخ
أنا مراته! سيبوني معاه!
قلبي اتقبض.
لكن عقلي رفض يصدق.
قلت لنفسي
أكيد في سوء تفاهم.
أكيد اسم مشابه.
أكيد الراجل مش هشام جوزي.
لكن لما بصيت على وجهه مرة تانية
عرفت.
هو هشام.
مفيش أي شك.
الجهاز بدأ يطلق إنذارًا حادًا.
دكتورة مريم! النبض بيقع!
رجعت فورًا لدوري كطبيبة.
شحن على 200!
الكل اتحرك.
ابعدوا!
صدمة كهربائية.
جسم هشام انتفض فوق النقالة.
الست الحامل صرخت.
هشام!
الكل يبعد!
صدمة تانية.
ثواني مرت كأنها ساعات.
وبعدين
بدأ الخط على المونيتور يتحرك.
رجع النبض!
أخدت نفسًا عميقًا، لكني مكنتش حاسة بأي فرحة.
لأن السؤال الوحيد اللي كان بيدور في دماغي
مين الست دي؟
بعد دقائق، حالته استقرت بشكل مؤقت، وتم نقله للعناية المركزة.
وقفت الست قدام باب العناية، بتعيط وبتحاول تاخد نفسها.
قربت منها.
كنت بحاول أتكلم بهدوء، رغم إن جوايا ألف سؤال.
الحالة استقرت مؤقتًا، لكن لسه في خطر.
رفعت عينيها لي.
هيعيش يا دكتورة؟
بنعمل كل اللي نقدر عليه.
حطت إيدها على بطنها.
لازم يعيش عشان ابنه.
اتوترت.
إنتِ في الشهر الكام؟
التلاتين.
بصيت لبطنها، وبعدها لوشها.
وبعدين سألت
اسمك إيه؟
ولاء.
فتحت ملف الدخول.
ولاء محمود
وسجلت بياناتها.
وأنا بقلب في الورق، لقيت حاجة خلت إيدي تتجمد.
الحالة الاجتماعية زوجة المريض.
بصيت لها.
ممكن أشوف بطاقة الرقم القومي؟
طلعتها.
بدأت أراجع البيانات.
وبعدين عيني وقعت على إيدها.
كانت لابسة دبلة.
دبلة شبه دبلتي بشكل مخيف.
نفس التصميم تقريبًا.
نفس النقشة.
ونفس التاريخ المحفور من الداخل.
مديت إيدي تلقائيًا ناحية دبلتي.
نفس التاريخ.
وقفت مصدومة.
لكن قبل ما أقول أي كلمة، دخلت الممرضة بسرعة
دكتورة مريم، الدكتور جيهان طالبك.
دخلت مكتب رئيسة القسم.
حاولت أشرح لها اللي حصل، لكن صوتي كان مهزوز.
دكتورة جيهان أنا محتاجة أطلع من الحالة دي.
بصتلي باستغراب.
ليه؟
سكت لحظة.
وبعدين قلت
المريض جوزي.
ملامحها اتغيرت.
هشام؟
هزيت راسي.
أيوه.
سكتت، وبعدين قالت
روحي اقعدي شوية. إنتِ مش مطالبة تتعاملي مع حالة تخص حد قريب منك.
خرجت من المكتب.
لكن بدل ما أمشي، قعدت قدام العناية.
كنت عايزة أفهم.
مين ولاء؟
وليه بتقول إنها زوجته؟
وليه لابسة نفس الدبلة؟
وليه التاريخ هو نفسه؟
بعد حوالي ساعة، خرج دكتور القلب.
الجلطة كبيرة، بس استجاب للعلاج. لسه حالته حرجة، وهنراقبه لحظة بلحظة.
ولاء قربت منه.
يعني هيعيش؟
إن شاء الله، بس محتاج متابعة دقيقة.
وقفت جنبها.
ولأول مرة، بصيت في عينيها كويس.
الغريب إني ملقيتش فيها تحدي.
ولا كذب.
ولا حتى خوف من انكشاف سر.
لقيت فيها رعب حقيقي.
رعب واحدة خايفة تفقد الشخص الوحيد اللي متعلقة بيه.
وده لخبطني أكتر.
بعد ساعات، هشام بدأ يستعيد وعيه.
دخلت العناية من بعيد، وأنا لابسة بالطو الدكتور.
ولما فتح عينيه
شافني.
عينيه اتسعت.
وبعدين بص ناحية ولاء.
وبعدين رجع بص لي.
جهاز المونيتور بدأ يسرّع.
الممرضة قالت
دكتورة، النبض بيعلى!
قربت منه.
هشام متتكلمش دلوقتي.
حاول يرفع إيده.
لكن قبل ما يلمسني، ولاء قربت منه وقالت
أنا هنا.
هشام بص لها.
وبعدين بص لي.
وفي عينيه ظهر شيء عمري ما شفته قبل كده.
خوف.
مش خوف الموت.
كان خوف واحد عارف إن الحقيقة اللي مخبيها أكبر من إن أي حد يقدر يستوعبها.
بعد ساعات، طلبت أقابل ولاء.
دخلنا مكتب صغير بعيد عن الزحمة.
قفلت الباب.
وقعدنا قدام بعض.
قلت لها
أنا محتاجة أفهم حاجة.
قالت
وأنا كمان.
حطيت دبلتي على الترابيزة.
الدبلة دي منين؟
بصت لدبلتها.
وشها اصفر.
قلعتها وحطتها جنبي.
نفس الشكل.
نفس التاريخ.
قالت بصوت مرتجف
هشام هو اللي جابهالي.
سألتها
إمتى؟
من تلات سنين.
قلبي اتقبض.
وقالك إيه؟
نزلت عينيها للأرض.
قال لي إن الدبلة دي ليها معنى خاص وإن التاريخ ده يوم مهم جدًا في حياته.
سكت.
أنا كمان كان عندي نفس التاريخ.
لكن قبل ما أقدر أسألها، الباب اتفتح فجأة.
الممرضة دخلت بسرعة.
دكتورة مريم هشام فاق وطلبك بالاسم.
وقفت.
طلبني أنا؟
هزت راسها.
وقال حاجة كمان.
قال إيه؟
الممرضة بلعت ريقها.
قال ماتخلوش مريم وولاء يمشوا لازم يعرفوا الحقيقة.
بصيت لولاء.
ولاء بصت لي.
ولأول مرة
فهمنا إن الموضوع مش خيانة.
في حد كان بيخبي حقيقة أخطر بكتير.
دخلنا عند هشام.
كان ضعيف، لكن واعي.
بص لنا إحنا الاتنين.
وبعد لحظات صمت طويلة، قال بصوت متقطع
مريم ولاء أنا عارف إن اللي حصل شكله مستحيل.
قربت منه.
مين ولاء يا هشام؟
غمض عينيه.
وبعدين فتحهم.
ولاء مش هي المشكلة.
اتوترت.
أمال مين؟
بص لنا الاتنين.
وقال
المشكلة إن فيه شخص تالت هو اللي بدأ كل الحكاية من الأصل والشخص ده كان متأكد إني مش هقدر أتكلم أبدًا.
وتوقّف عن الكلام.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت إنذار جهاز المراقبة من جديد.
والباب اتفتح بعنف.
لكن المرة دي
اللي دخل المستشفى كان شايل في إيده ملف قديم باسم هشام وعليه صورة مش هتصدقوا كانت لمين.
يتبعالباب اتفتح بعنف.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة غامقة، وفي إيده ملف بني قديم.
وقف عند باب العناية وبص ناحيتي أنا وولاء.
وبعدين بص لهشام.
وشه كان جامد، لكن عينيه كانت مليانة قلق.
قال
لازم الملف ده يوصل لمريم بنفسها.
بصيت له باستغراب.
حضرتك مين؟
مد إيده بالملف.
اسمي سامح وكنت محامي والد هشام.
اتجمدت.
والد هشام كان متوفي من أكتر من عشر سنين.
فتحت الملف بإيد مرتعشة.
أول ورقة كانت شهادة ميلاد.
اسم هشام كامل.
لكن تاريخ الميلاد
مختلف عن التاريخ اللي أعرفه.
بصيت لسامح.
إيه ده؟
قال بهدوء
ده أول جزء من الحقيقة اللي هشام كان بيحاول يخبيه.
ولاء قربت مني.
يعني إيه؟
قلب سامح الورقة.
وكان تحتها صورة قديمة.
صورة لطفلين صغيرين واقفين قدام بيت قديم.
واحد منهم هشام.
والطفل التاني
أنا معرفتوش.
لكن سامح قال
ده أخوه.
رفعت عيني بسرعة.
هشام ملوش إخوات.
سامح هز راسه.
دي كانت الحقيقة اللي هشام عاش عمره كله فاكرها.
قلب الصفحة.
وكان فيه اسم مكتوب بخط اليد
حسن عبد الرحمن.
سألت
مين حسن؟
سامح سكت لحظة.
الشخص اللي كان المفروض يرث كل حاجة بعد وفاة والد هشام.
ولاء قالت
وإيه علاقة ده بينا؟
سامح بص لها.
علاقة كبيرة جدًا.
وبعدين بص لي.
لأن الجوازتين والدبلتين والتاريخ اللي محفور عليهم كل ده مش صدفة.
حسيت إن نفسي اتقطع.
قصدك إيه؟
قال
الدبلتين اتعملوا في نفس اليوم، عند نفس الصائغ، وبنفس الطلب.
بصيت لدبلتي.
بس أنا اشتريتها مع هشام قبل جوازنا.
وهو قال لك إيه عن سبب اختيار التاريخ؟
سكت.
افتكرت.
من حداشر سنة، لما سألته عن التاريخ، ابتسم وقال لي
اليوم ده له معنى خاص عندي بس هحكي لك بعدين.
أنا وقتها ضحكت وقلت له
ماشي، براحتك.
لكن بعدين عمره ما جه.
بصيت لولاء.
قالت
وهو قال لي نفس الكلام.
سادت لحظة صمت.
سامح حط الملف على الترابيزة.
لأن التاريخ ده مش تاريخ جواز أي واحدة فيكم.
أمال تاريخ إيه؟
رد
تاريخ اليوم اللي اتدفن فيه سر عيلة هشام.
قبل ما أقدر أسأله، سمعنا صوت هشام من السرير.
سامح
كلنا بصينا له.
كان بيحاول يرفع نفسه.
متقولش لهم أكتر من كده.
سامح قرب منه.
كفاية يا هشام.
هشام بص له بحدة.

تم نسخ الرابط