اتجوزت مطلقة حكايات زهرة الربيع

لمحة نيوز

من سنتين، كنت شاب عندي 27 سنة، مخلص دراستي، لكن مفيش في إيدي شغل ولا فلوس ولا حتى مكان مستقر أعيش فيه.
كنت يتيم، والدنيا كانت قاسية عليا بشكل مش طبيعي. كنت ساكن في أوضة صغيرة بالإيجار، ومتأخر في الدفع كام شهر، وصاحب البيت كل يوم تقريبًا يهددني إنه هيطلعني منها.
حتى البقال اللي تحت البيت كنت بتجنب أقابله، عشان كنت مديون له بمبلغ بسيط، لكنه بالنسبة لي وقتها كان جبل.
كنت بمشي في الشوارع بالساعات أدور على شغل، لحد ما رجلي كانت بتاخدني كل يوم تقريبًا على فرن كبير في المنطقة.
صاحبة الفرن كانت ست اسمها شادية.
شادية كان عندها 37 سنة، يعني أكبر مني بعشر سنين، وكانت ست قوية وناجحة وليها هيبة في المنطقة. لكن رغم قوتها، كان عندها قلب طيب جدًا.
كل ما تشوفني داخل الفرن، كانت تبتسم وتقول للعمال
جهزوا لحامد العيش اللي عايزه، ومتفتحوش معاه حساب دلوقتي.
كنت بتكسف وأقول
لا يا مدام شادية، كفاية كده.
فترد عليا
يا ابني متقولش كده. لما ربنا يوسعها عليك ابقى سدد، دلوقتي أنت أخويا.
الكلمة دي كانت بتوجعني أكتر ما بتفرحني.
لأني كنت عارف إنها شايفاني محتاج.
ومع الوقت، بدأت أشتغل معاها في الفرن في أي حاجة تحتاجها. مرة أحاسب الزباين، ومرة أتابع العمال، ومرة أخلص مشوار، ومرة أقعد أراجع الحسابات.
وبدأت أكتشف إن شادية مش مجرد صاحبة فرن.
كان عندها أراضي، وشقق، وعمارات، وأعمال كتير، وكل حاجة كانت بتديرها بنفسها.
وفي يوم، وأنا براجع معاها حسابات الفرن، قالتلي فجأة
إنت ليه لحد دلوقتي مش بتفكر في مستقبلك؟
ضحكت بحرج وقلت
مستقبلي إيه يا مدام شادية؟ أنا أصلاً بحاول أعيش يوم بيوم.
سكتت شوية، وبعدين قالت
ولو أنا ساعدتك تبدأ من جديد؟
بصيت لها باستغراب.
قالت
أنا شايفة إنك شاطر وأمين، ولو اشتغلت بجد ممكن تبقى أحسن بكتير من ناس معاها فلوس.
الكلام ده فضل في دماغي.
ومع مرور الشهور، علاقتنا اتغيرت.
بقيت أحس إن شادية مش بس بتساعدني، دي بقت الشخص الوحيد اللي واقف جنبي.
وفي مرة، وهي بتتكلم معايا عن حياتها، عرفت إنها كانت مطلقة من سنين، وإن ناس كتير حاولوا يتجوزوها، لكنها كانت رافضة.
سألتها
ليه؟
ابتسمت وقالت
عشان مش عايزة حد يتجوزني عشان فلوسي.
الجملة دي خلتني أفكر كتير.
وبصراحة، أنا كمان بدأت أشوفها بشكل مختلف.
كنت شايف فيها الأمان، والاستقرار، والحنية اللي عمري ما لقيتها.
وفي يوم، جمعت شجاعتي وطلبت منها الجواز.
فضلت ساكتة وقت طويل.
وبعدين قالتلي
حامد، أنت أصغر مني بعشر سنين.
قلت
السن مش كل حاجة.
قالت
أنا خايفة عليك من المستقبل. يمكن بعد كام سنة تندم، ويمكن تحس إنك عايز تعيش مع واحدة من سنك.
رديت بسرعة
أنا مش شايف غيرك.
بصتلي بجدية وقالت
يبقى لازم تسمع الشرط الوحيد عندي.
سكت.
قالت
أنا مش عايزة منك فلوس، ولا شقة، ولا شبكة، ولا حتى مهر كبير. أنا عندي كل اللي يكفيني. لكن عايزة منك وعد واحد.
قلت
وعد إيه؟
قالت
إننا لو اتجوزنا، يبقى حياتنا مع بعض مبنية على الأمان والاحترام. مش عايزة في يوم أصحى ألاقي حياتي اتغيرت، أو ألاقي نفسي قدام أمر واقع.
بصيت لها وقلت
وعد.
قالت
فكر كويس يا حامد. أنا مش بشتريك، وإنت مش بتشتري راحتي. لو شايف إنك مش قادر تكمل معايا من البداية، قول دلوقتي وكل واحد يروح لحاله.
مسكت إيدها وقلت
أنا موافق، ومش هخذلك.
وبالفعل اتجوزنا.
ومن أول يوم، شادية عاملتني كأني أهم شخص في حياتها.
بعد فترة قصيرة، كتبتلي الشقة اللي عايشين فيها باسمي.
وقالتلي
أنا مش عايزة أحسسك يوم إنك عايش في بيت مش بيتك.
وبعدها سلمتني إدارة جزء كبير من شغلها.
وأنا لأول مرة في حياتي حسيت إن الدنيا ابتسمتلي.
عدت سنتين.
سنتين من الاستقرار والراحة والاحترام.
شادية كانت بتثق فيا ثقة كبيرة، وكنت أنا كمان حريص إني أثبتلها إني قد الثقة دي.
لكن الإنسان ساعات بيبقى عنده طموح، والطموح لو ما اتضبطش ممكن يتحول لجشع.
وفي يوم عادي جدًا، دخلت واحدة جديدة الفرن.
اسمها سلمى.
كانت بنت صغيرة في العشرينات، هادية ومحترمة، وكانت بتشتري عيش لأسرتها.
في البداية، كان الموضوع عادي جدًا.
مجرد زبونة.
لكن مع تكرار زياراتها، بقينا نتكلم في حدود الشغل، وبمرور الوقت اكتشفت إنها بنت محترمة وعاقلة.
وأنا بدأت أسأل نفسي أسئلة عمري ما سألتها قبل كده.
هل أنا فعلًا اخترت حياتي عن اقتناع؟
ولا كنت وقتها محتاج حد ينقذني؟
ولأول مرة، حسيت بصراع جوايا.
أنا عندي زوجة وقفت جنبي، وبيتنا مستقر، وكل حاجة عندي.
وفي نفس الوقت، بدأت أشعر إن اختلاف السن بيني وبين شادية ممكن يكون مشكلة في المستقبل.
لكن بدل ما أهرب من أفكاري أو أراجع نفسي، قررت أواجه شادية بكل صراحة.
رجعت البيت في يوم، ولقيتها قاعدة في الصالة بتقرأ كتاب.
بصتلي وقالت
مالك يا حامد؟ شكلك عايز تقول حاجة.
قعدت قدامها، واتنهدت.
قلت
شادية... أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم.
قفلت الكتاب بهدوء.
وقالت
اتكلم.
بلعت ريقي وقلت
أنا بدأت أفكر في مستقبلي، ومش عايز أخبي عنك حاجة.
فضلت ساكتة.
وقبل ما أكمل كلامي، رفعت عينيها وبصتلي نظرة غريبة جدًا.
وقالت جملة واحدة...
الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي.
أنا كنت مستنية اليوم ده من سنتين يا حامد.
اتجمدت مكاني.
وقلت
مستنية إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عينيها كانت مليانة حزن.
وقالت
مستنية أشوف هتفضل معايا عشان أنا شادية... ولا عشان كل حاجة بقيت ملكك.
ماعرفتش أرد.
لأن لأول مرة، حسيت إن شادية كانت عارفة أكتر مما كنت متخيل...
وإن فيه سر كبير كانت مخبياه عني طول السنتين اللي فاتوا فضلت ساكت، مش عارف أقول إيه.
جملة شادية فضلت ترن في دماغي
مستنية أشوف هتفضل معايا عشان أنا شادية... ولا عشان كل حاجة بقيت ملكك.
حاولت أضحك وأهزر، وقلت
إنتِ بتقولي إيه بس؟ أنا عمري ما فكرت بالطريقة دي.
بصتلي بهدوء وقالت
أنا مصدقاك... بس عايزة أسألك سؤال.
قلت
اسألي.
قالت
لو أنا النهارده فقدت كل فلوسي وأملاكي، هتفضل معايا؟
السؤال نزل عليا زي الحجر.
لأني، لأول مرة، ماعرفتش أرد بسرعة.
لاحظت ترددي.
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
خلاص... متجاوبش.
قامت من مكانها، وحطت الكتاب على الترابيزة، ودخلت أوضتها.
وأنا فضلت قاعد لوحدي.
في الليلة دي، ماعرفتش أنام.
كنت كل ما أغمض عيني، أشوف شادية وهي بتديني كل اللي أتمناه.
وبعدين أفتكر سلمى.
وأفتكر إن أنا أصلًا دخلت حياة شادية وأنا معنديش حاجة.
تاني يوم، نزلت الفرن.
لقيت شادية هناك، لكن لأول مرة من سنتين، حسيت إن في حاجة اتغيرت.
كانت بتتكلم مع المحاسب، وتراجع دفاتر الحسابات.
ولما شافتني، قالت
حامد، تعالى.
قربت منها.
قالت
من النهارده، عايزاك ترجع تمسك الإدارة كاملة زي الأول.
استغربت.
ليه؟
ردت
عشان محتاجة أشوف حاجة.
حاجة إيه؟
بصتلي وقالت
عايزة أعرف لو شلت عنك كل حاجة... هتعمل إيه؟
مافهمتش قصدها.
لكنها ماشرحتش.
مر أسبوع كامل، وأنا حاسس إن شادية بتختبرني.
بقت تسألني عن كل حساب، وكل قرار، وكل جنيه بيخرج من الفرن.
وفي يوم، قالتلي
أنا هسافر كام يوم.
قلت
أسافر معاكي؟
هزت رأسها.
لا. خليك هنا.
سألتها
رايحة فين؟
قالت
هتعرف لما أرجع.
ومشيت.
الغريب إن غيابها خلاني أفكر أكتر.
وفي نفس الفترة، سلمى رجعت الفرن.
وقفت قدامي وقالت
ممكن أكلمك؟
قلت
طبعًا.
قالت
أنا مش عايزة أكون سبب في مشكلة بينك وبين مراتك.
اتوترت.
قلت
مفيش مشكلة.
ردت
أنا حاسة إن في حاجة.
سكت شوية.
وبعدين قلت
أنا بس محتاج أرتب حياتي.
قالت
يبقى رتبها الأول... وبعدها كل واحد يعرف مكانه.
الكلام ده خلاني أحترمها أكتر.
لكن في نفس الوقت، زاد خوفي.
لأنها كانت بتطلب مني قرار واضح، وأنا كنت لسه متعلق بحياتي القديمة.
مرت أيام.
وفجأة، في صباح يوم الجمعة، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت.
صوت راجل قال
أستاذ حامد؟
قلت
أيوه.
قال
أنا المحامي بتاع مدام شادية.
قلبي دق بسرعة.
خير؟
قال
محتاج أشوفك ضروري.
قلت
في حاجة حصلت لشادية؟
سكت لحظة، وبعدين قال
لا، هي

تم نسخ الرابط