جوزي كان كل ليلة

لمحة نيوز

شاف شبح.
قلت له
إنت تعرف المكان ده؟
هز رأسه ببطء.
أيوه.
وكنت هناك قبل كده؟
سكت.
الرجل اللي كان واقف عند الباب قال
كلنا كنا هناك في يوم 14.
بصيت له.
كلنا؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت سيارة وقفت تحت البيت.
وبعدها باب عربية اتقفل.
جوزي بص من الشباك.
لازم نمشي دلوقتي.
قلت
مش قبل ما أفهم.
قال
لو فضلنا هنا، مش هتلحقي تفهمي أي حاجة.
أخدت الشريحة وحطيتها في جيبي.
خرجنا من الباب الخلفي.
فضلنا نمشي لحد ما وصلنا لعربية تانية.
ركبت، والراجل قعد جنبي.
أما جوزي فركب قدام.
طول الطريق ماحدش اتكلم.
وأنا كنت براجع كل حاجة في دماغي.
أبويا ما ماتش.
يوم 14 مش يوم الحادث.
الشريحة كانت معايا من سنين.
وجوزي اتجوزني وهو عارف إن عندي حاجة تخص أبويا.
لكن لسه فيه سؤال واحد بيطاردني
ليه كان بيؤذيني؟
لو فعلًا كان بيحاول يحميني، ليه وصل الأمر للدرجة دي؟
وأنا سرحانة، الراجل اللي جنبي قال
عندك حق تكرهيه.
بصيت له.
إنت تقصد مين؟
جوزك.
سكت لحظة.
بس لازم تعرفي إن في حاجة حصلت بعد جوازكم محدش قالهالك.
سألته
إيه؟
أبوكي بعت له رسالة قبل أول ليلة حصل فيها كل شيء.
قلبي اتقبض.
رسالة بتقول إيه؟
طلع هاتفه، وفتح صورة لرسالة قديمة.
قرأتها.
كانت من رقم مجهول، لكن في نهايتها توقيع والدي
لو بدأت تضغط عليها، هي هتفتكر إنك عدوها. وده أفضل شيء ممكن يحصل لأن العدو الحقيقي بيراقب كل خطوة بتاخدها.
وقفت عن التنفس لحظة.
قلت
مش فاهمة.
قال
أبوكي كان عايز اللي بيراقبوكم يصدقوا إن بينك وبين جوزك خلاف حقيقي.
بصيت لجوزي.
يعني هو كان بيمثل؟
جوزي رد من قدام
في البداية.
وفي الآخر؟
سكت.
وبعدين قال
في الآخر فقدت السيطرة على نفسي.
الجملة دي كانت أثقل من أي اعتراف.
قلت
يعني اللي عملته كان حقيقي؟
قال
أيوه.
لم يبرر.
لم يقل إنني السبب.
ولأول مرة، شعرت أن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أفضل من الأكاذيب.
وصلنا للمكان.
كان بيتًا قديمًا محاطًا بسور مرتفع.
نزلنا.
فتحت البوابة باستخدام مفتاح كان مع الرجل.
دخلنا.
المكان كان مهجورًا، لكن واضح إن حد كان بيستخدمه مؤخرًا.
على الحائط كانت فيه صور قديمة.
صور لأبويا.
وصور لي وأنا طفلة.
وصور لجوزي.
تراجعت للخلف.
مين كان بيراقبني؟
الراجل قال
دي أهم صورة.
وأشار لصورة كبيرة في المنتصف.
كانت صورة تجمع أبويا بجوزي
لكن في الخلفية كان فيه شخص ثالث.
رجل واقف بعيد.
كبرنا الصورة.
بصيت لوشه.
وبدأت أفتكر.
كنت شفته قبل كده.
مش في حياتي القديمة.
لكن في الأيام الأخيرة.
كان هو نفس الشخص اللي شفته واقف آخر الشارع يوم هروبي.
صرخت
هو!
جوزي قرب من الصورة.
قال
عشان كده كان لازم نوصل هنا قبله.
وفجأة سمعنا صوت باب البيت بيتقفل من الخارج.
ثم جاء صوت رجل من خلفنا
للأسف وصلتوا متأخر.
التفتنا جميعًا.
كان واقف في آخر الممر.
نفس الرجل الموجود في الصورة.
ابتسم وقال
بس أنا سعيد إنك أخيرًا وصلتي للشريحة.
مد يده.
هاتيها.
أنا رجعت خطوة.
حطيت إيدي على بطني.
ثم قلت
قبل ما أخد أي قرار
فين أبويا؟
ابتسم.
وقال
هو هنا.
وأشار إلى باب مغلق في آخر البيت.
ثم أضاف
لكن لو فتحتي الباب
هتكتشفي إن الشخص اللي طول عمرك فاكرة إنه أبوكي، مش هو الشخص اللي كان بيحميكي فعلًا اتجمدت وأنا باصة للرجل.
إنت قلت بنتك؟
الرجل ما ردش.
فضل واقف عند الباب، وبص لجوزي نظرة طويلة.
جوزي قال بصوت منخفض
اطلع بره.
الرجل ابتسم.
بعد السنين دي كلها، دي أول حاجة تقولها؟
أنا قربت خطوة.
إنت تعرف أبويا؟
الرجل بصلي.
أعرفه أكتر مما تتخيلي.
واسمه محمود؟
أيوه.
بصيت لجوزي.
هو مين؟
جوزي سكت.
الرجل قال
أنا كنت آخر شخص شاف أبوكي قبل ما يختفي.
قلبي دق بعنف.
يختفي؟ يعني هو ما ماتش؟
الرجل هز رأسه.
لا.
جلست على الكرسي وأنا مش قادرة أستوعب.
كل اللي عشته من سنين كان مبني على قصة مختلفة.
سألت
طيب ليه كل الناس قالت إنه مات؟
الرجل بص لجوزي.
اسأليه.
لفيت له.
إنت كنت عارف إنه عايش؟
قال
كنت أعرف إنه اختفى لكن ما كنتش أعرف مكانه.
الرجل قاطعه
كداب.
جوزي انفعل
إنت مالك؟
أنا اللي كنت بوصل له الرسائل.
سكت جوزي.
أنا لاحظت حاجة.
الرسائل.
افتكرت الورقة اللي سارة كتبتها.
افتكرت التسجيلات.
افتكرت إن فيه ناس كتير كانوا عارفين أكتر مني.
قلت
طيب ليه أنا؟
الرجل قرب مني وقال
لأن أبوكي ما كانش خايف على نفسه.
كان خايف عليا؟
كان عارف إن اللي بيدوروا عليه مش مجرد أوراق.
سألته
أمال إيه؟
مد إيده لجيبه، وطلع صورة صغيرة.
حطها قدامي.
كانت صورة لبيت قديم.
بصيت للصورة.
عرفته فورًا.
ده بيتنا القديم.
قال
أيوه.
قلب الصورة.
وكان مكتوب على ظهرها
الشيء اللي خبّيته هناك لازم يفضل بعيد عنهم.
بصيت له.
إيه الشيء؟
قال
أبوكي كان سايب حاجة مهمة جدًا.
جوزي اتدخل
ما تقولهاش.
الرجل رد
خلاص، هي لازم تعرف.
وبعدين قال
أبوكي ما خباش المستندات في البنك، ولا في مكتبه، ولا في البيت.
سألته
خبّاها فين؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
في مكان ماحدش هيفكر يدور فيه.
قلت
فين؟
رد
عندك إنتِ.
اتصدمت.
عندي؟
هز رأسه.
من يوم ما اتجوزتي، الحاجة دي كانت معاكِ.
بصيت لجوزي.
هو كان ساكت تمامًا.
بدأت أفتكر كل الحاجات القديمة اللي جوزي كان بيسألني عنها.
صندوق خشب قديم.
سلسلة كانت معايا من وأنا صغيرة.
علبة احتفظت بيها من أيام أبويا.
وفجأة افتكرت السلسلة.
لمست رقبتي.
السلسلة كانت لسه معايا.
نزعتها بسرعة.
كان فيها تعليقة صغيرة جدًا على شكل مفتاح.
جوزي أول ما شافها قال
لأ.
الرجل ابتسم.
هي دي.
قلت
دي مجرد تعليقة قديمة.
الرجل قال
افتحيها.
بصيت للتعليقة.
كان فيها خط رفيع جدًا ما كنتش لاحظته قبل كده.
حاولت أفتحها.
اتفتحت فعلًا.
جواها كانت شريحة ذاكرة صغيرة.
شهقت.
جوزي غمض عينيه.
قلت
كنت عارف؟
قال
أيوه.
وكنت بتدور عليها؟
سكت.
الرجل قال
عشان كده اتجوزها.
الهواء وقف في صدري.
بصيت لجوزي.
يعني كل اللي حصل كان عشان المفتاح ده؟
رد بسرعة
في الأول أيوه.
الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.
لكن قبل ما أقول أي حاجة، الرجل مد إيده وقال
الشريحة دي مش هتفتح على أي جهاز.
سألته
ليه؟
لأنها محتاجة كلمة سر.
وإيه كلمة السر؟
بص لجوزي.
ثم قال
اليوم اللي اتولدتِ فيه.
سكت لحظة.
لكن مش تاريخ ميلادك.
قرب مني وقال
التاريخ اللي أبوكي سجله في شهادة الميلاد مختلف عن التاريخ الحقيقي.
اتسعت عيني.
يعني إيه؟
جوزي قال بصوت متوتر
لأن أبوكي كان مخبي حقيقة تخص ولادتك.
وفجأة
رن موبايل الرجل.
رد.
استمع لثواني.
ثم تغير وجهه.
قفل المكالمة وقال
لازم نمشي فورًا.
سألته
ليه؟
بصلي وقال
لأنهم عرفوا إن الشريحة ظهرت.
ثم نظر لجوزي وقال
وعرفوا كمان إن البنت بدأت تعرف الحقيقة.
جوزي مد إيده ناحية الشريحة.
لكنني رجعت خطوة.
لأول مرة
أنا اللي خبّيتها بعيد عنه.
وقلت
محدش هياخدها مني.
جوزي بصلي.
وما قالش حاجة.
لكن في اللحظة دي
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها صورة واحدة فقط.
صورة أبويا.
وتحتها جملة
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن يوم 14 تعالي للمكان اللي اتولدتِ فيه.
وتحت الجملة كان فيه عنوان.
عنوان أول مرة أشوفه في حياتي
لكن جوزي لما قرأه، وشه اتغير تمامًا.
لأنه قال
مستحيل
أنا بصيت له.
إيه؟
رد بصوت منخفض
ده المكان اللي أبوكي اختفى فيه فضلت باصة للباب المقفول، ومش قادرة أصدق اللي سمعته.
يعني إيه مش أبويا؟
الرجل ابتسم.
افتحي الباب وهتعرفي.
جوزي وقف قدامي فورًا.
ما تفتحيش.
بصيت له.
ليه؟
لأنه عايزك تفتحيه وإنتِ لوحدك.
الرجل ضحك.
لسه بتحاول تحميها بنفس الطريقة؟
جوزي ما ردش.
أنا قربت من الباب.
كان فيه قفل إلكتروني صغير.
الرجل قال
الشريحة اللي معاكي هي المفتاح.
طلعت الشريحة.
إيدي كانت بتترعش.
دخلتها في الجهاز.
ظهر على الشاشة
أدخل تاريخ الميلاد الحقيقي.
جوزي قال بسرعة
ما تدخليش أي تاريخ.
لكن الرجل رد
هي عارفة التاريخ.
بصيت له.
أنا؟
قال
أيوه. من غير ما تعرفي.
افتكرت حاجة غريبة من طفولتي.
أبويا كان دايمًا يقول لي إن يوم ميلادي لازم يفضل زي ما هو مكتوب في الأوراق.
لكن أمي، قبل وفاتها بسنين، كانت كل سنة تقول لي
إنتِ جيتي الدنيا قبل التاريخ ده بكام يوم.
وقتها كنت فاكرة إنها بتهزر.
جربت التاريخ اللي كانت بتقوله أمي.
الشاشة أصدرت صوتًا.
تم القبول.
القفل اتفتح.
دفعت الباب.
الغرفة كانت ضلمة.
ثم اشتغل نور خافت.
وفي منتصف الغرفة كان فيه رجل جالس على كرسي.
شعره أبيض.
وجهه أنحف من الصورة.
لكن أول ما رفع عينه ناحيتي
عرفته.
وقعت مني الشريحة.
بابا؟
الرجل حاول يقوم.
جوزي وقف مكانه.
أما الرجل الآخر فابتسم.
قلت لك إنها هتعرفه.
أنا جريت ناحية الرجل.
لكنه رفع إيده وقال
استني.
وقفت.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
إنت عايش؟
هز رأسه.
أيوه.
ليه سيبتني؟
صوته كان ضعيفًا
عشان أحميكي.
بصيت لجوزي.
وهو؟
أبويا سكت.
ثم قال
هو أنقذ حياتك أكتر من مرة.
ما قدرتش أصدق.
بس هو أذاني.
أبويا غمض عينه.
وأنا عارف.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال
وده أكبر خطأ ارتكبه.
الرجل اللي أحضرنا للمكان قال
كفاية أسرار. لازم نعرف دلوقتي مين اللي سرّب مكانه.
أبويا بص له.
مش هو.
وأشار ناحية جوزي.
الشخص اللي سرب المكان موجود هنا.
بصينا كلنا لبعض.
الرجل الآخر قال
مستحيل.
أبويا رد
لأ. الشخص اللي سرب المكان كان متأكد إننا هنوصل هنا الليلة.
بصيت لجوزي.
ثم للرجل.
وفجأة لاحظت إن جوزي كان ماسك موبايله بطريقة غريبة.
قلت
مين كلمته قبل ما نوصل؟
سكت.
جوزي مين؟
بص لي.
وقبل ما يرد، سمعنا صوت إشعار من موبايل الرجل الآخر.
فتح الرسالة.
قرأها.
ثم رفع عينه وقال
خلاص.
إيه؟
قال
هو مش الخاين.
وبص ناحية باب الغرفة.
لأن اللي سرب مكاننا بعتلنا الرسالة من داخل البيت.
اتجمدنا.
وفجأة انطفأت الأنوار.
سمعنا صوت خطوات.
خطوة
ثم خطوة
ثم صوت رجل يقول في الظلام
محمود بقالنا سنين بندور عليك.
صوت أبويا ارتجف.
وقال
مستحيل
النور اشتغل فجأة.
والرجل اللي كان واقف عند الباب اختفى.
لكن على الأرض، قدامنا، كان فيه ظرف جديد.
مكتوب عليه اسمي.
فتحته.
وكان بداخله صورة واحدة.
صورة ليا وأنا طفلة
ومكتوب تحتها
أمك ما ماتتش زي ما قالولك فضلت ماسكة الصورة، وعيني ثابتة على الجملة
أمك ما ماتتش زي ما قالولك.
حسيت إن كل حاجة جوايا انهارت.
بصيت لأبويا وقلت
ماما عايشة؟
أبويا دموعه نزلت.
كانت عايشة لحد من قريب.
اتخضيت.
يعني إيه؟
قال إن أمي كانت مخبية في مكان آمن، وإن اختفائها كان جزءًا من نفس الخطة اللي بدأت يوم 14. كانت بتحاول تحمي المستندات وتبعد الناس اللي كانوا بيدوروا عليها عني.
لكن قبل ما توصل لي، حصل ما لم يكن في الحسبان.
الشخص اللي كان بيراقبنا عرف مكانها.
ووقتها فهمت إن كل الأكاذيب اللي عشتها ما كانتش بلا سبب، لكن ده ما لغاش أبدًا اللي اتعرضت له من جوزي.
بصيت له وقلت
مهما كان السبب اللي عملته فيا كان غلط.
خفض رأسه.
عارف.
قلت
أنا مش هعيش خايفة تاني.
أبويا وقف وقال
وده حقك.
تم تسليم التسجيلات والمستندات للجهات المختصة، واتكشفت شبكة التزوير والابتزاز اللي كانت سبب كل الخوف اللي عاشته عيلتنا سنين.
أما جوزي، فواجه نتائج أفعاله، واعترف بكل اللي عمله، من غير ما يحاول يبرر لنفسه.
وأنا خرجت من البيت اللي عشت فيه أسوأ أيام حياتي، وبدأت حياة جديدة.
كان أصعب شيء بالنسبة لي إني أصدق إن النجاة ممكنة.
لكنها كانت ممكنة.
بعد شهور، ولدت طفلي.
وأول ما حملته بين إيديا، افتكرت الليالي اللي كنت بخاف فيها على حياتي وحياته.
وضميته لصدري وقلت
عمرك ما هتخاف من اللي أنا خفت منه.
وفي يوم، جاءني ظرف أخير.
فتحتُه.
كان فيه خطاب قصير من أمي، كانت قد تركته قبل اختفائها.
كتبت
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى بنتي عاشت. وده كل اللي كنت أتمناه.
بكيت طويلًا.
مش لأن كل شيء رجع زي زمان
لكن لأنني فهمت أخيرًا إن حياتي مش لازم تفضل أسيرة للأسرار اللي خبّوها عني.
رفعت رأسي، وبصيت لطفلي.
ولأول مرة من سنين
ما كنتش مستنية الليل يخلص.
كنت مستنية بكرة يبدأ.
النهاية ى

تم نسخ الرابط