في الوقت

لمحة نيوز

قبل وفاته بأيام سلّمني الظرف ده، وقال لي لو حصل لي حاجة، متفتحوش إلا لما دنيا تكون كبيرة وقادرة تعرف الحقيقة.
بصيت للظرف.
وإنت فتحته؟
لأ.
طارق سأل
طيب إيه علاقته بالكارنيه؟
خالي قال
لأن الكارنيه مش أول مرة حد يستخدم اسم دنيا.
سألته
يعني إيه؟
من سنين، كان فيه شخص بيحاول يوصل لمعلومات تخص أبوكي. ولما مقدرش، بدأ يستخدم أسماء أفراد الأسرة.
بصيت للورقة.
وأنا؟
اسمك كان أسهل اسم يستخدمه، لأن ملفك اتفتح في المستشفى وقت ولادتك.
اتنفض قلبي.
يعني اللي حصل النهارده مرتبط بولادتي؟
خالي هز راسه ببطء.
غالبًا.
طارق قال
والشخص اللي ظهر في الكاميرات؟
خالي بص له.
لو هو نفس الشخص اللي في الصورة القديمة، يبقى الموضوع أخطر مما كنا فاكرين.
سألته
مين هو؟
خالي لم يجب.
في اللحظة دي، رن تليفون طارق.
نظر للشاشة، ثم قال
الرقم المجهول.
فتح المكالمة.
صوت رجل جاء هادئًا
وصلت الرسالة؟
طارق رد
إنت مين؟
ضحك الرجل ضحكة قصيرة.
السؤال ده اتسأل من سبع سنين.
طارق قال
إنت عايز إيه؟
الرجل رد
أنا مش عايز حاجة من دنيا.
سكت لحظة.
أنا عايز الحقيقة اللي اتدفنت مع أبوها.
المكالمة انتهت.
خالي غمض عينيه.
قلت
خالي... إنت كنت تعرف الرجل ده؟
قال
أيوه.
مين؟
رفع عينه لي.
الشخص الوحيد اللي يعرف ليه أبوكي طلب مني أخبي الملف.
قبل ما يكمل، سمعنا صوت إنذار من ممر المستشفى.
خرجنا بسرعة.
وجدنا موظفة الاستقبال واقفة وهي بتبص حوالينها.
قالت
الملف الأصلي اختفى.
طارق سأل
أي ملف؟
ردت
الملف الطبي القديم الخاص بمدام دنيا.
نظرت لخالي.
كان وجهه قد تغير.
قال بصوت منخفض
يبقى هو وصل قبِلنا.
وفجأة، طلع صوت من تليفوني.
رسالة جديدة.
فتحتها.
كانت صورة قديمة بالأبيض والأسود.
صورة لطفلة رضيعة داخل حضانة مستشفى.
وتحت الصورة جملة واحدة
دي مش أول مرة اسم دنيا يتبدل...
ثم رسالة ثانية وصلت بعدها مباشرة
ولو عايزة تعرفي مين الطفلة الحقيقية... افتحي الباب بالمفتاح فضلت باصة لطارق، مش عارفة أصدق إن الشخص اللي كنت فاكرة إنه أكتر حد يعرفني، كان مخبي عني حاجة بالشكل ده.
قلت
من إمتى وأنت عارف؟
طارق سكت.
من قبل جوازنا؟
هز رأسه.
أيوه.
الكلمة نزلت عليا أصعب من أي حاجة.
وليه اتجوزتني وأنت عارف إن فيه سر متعلق بيا؟
رد بسرعة
لأني ماكنتش عارف الحقيقة كاملة.
بس كنت عارف إن فيه ملف باسمي!
كنت عارف إن فيه ملف قديم، لكن مكنتش عارف محتواه.
خالي تدخل
طارق عرف جزء من الموضوع بالصدفة.
بصيت له.
وإنت كمان كنت عارف؟
قال
أيوه.
وكل الناس عارفة إلا أنا؟
سكتوا.
دموعي نزلت، لكني مسحتها بسرعة.
أنا عايزة أشوف الغرفة.
طارق قال فورًا
مستحيل.
ليه؟
لأن المكان مهجور وممكن يكون خطر.
وأنا تعبت من كلمة خطر.
حطيت إيدي على بطني.
أنا طول عمري عايشة وأنا فاكرة إن حياتي
بسيطة. دلوقتي اكتشفت إن اسمي مستخدم من سبع سنين، وفيه ملف اتخبى، وأبويا ترك أمانة، وإنت كنت مسؤول عن المكان اللي الملف موجود فيه.
بصيت له بثبات.
مش هفضل قاعدة مستنية حد يقرر إمتى أعرف الحقيقة.
طارق سكت طويلًا.
ثم قال
هنروح.
خالي اعترض
طارق، لأ.
لازم نعرف مين اللي بيحرك الموضوع.
وبعد فترة قصيرة، خرجنا من المستشفى بعد ما الدكتور سمح لي بالتحرك الضروري فقط، واتجهنا للمكان.
كان مبنى قديم تابع لأرشيف إداري مهجور.
الباب الحديدي كان عليه قفل صدئ.
طلعت المفتاح الأول.
دخل.
لكن ما اتحركش.
جربت المفتاح الثاني.
صدر صوت طقة خفيفة.
القفل اتفتح.
بصيت لطارق.
الاتنين لازموا بعض.
قال
أبوكي كان عاملها كده.
دخلنا.
المكان كان مظلم وريحتُه تراب وورق قديم.
مشينا لحد آخر ممر.
كان فيه باب حديد صغير.
طارق وقف قدامه.
هنا.
دخل المفتاح.
وقبل ما يلفه، سمعنا صوت حاجة وقعت جوه.
اتراجعنا.
قلت
فيه حد؟
طارق أشار لنا نسكت.
فتح الباب ببطء.
الغرفة كانت مليانة ملفات وأرفف.
لكن الغريب...
إن معظمها كان متغطي بتراب كثيف.
ماعدا رف واحد.
كان نضيف تمامًا.
كأن حد لسه كان واقف عنده.
طارق قرب منه.
لقي ظرف بني مكتوب عليه
إلى دنيا فقط.
إيدي بدأت تترعش.
مديت إيدي للظرف.
لكن قبل ما ألمسه، سمعنا صوت باب المبنى الخارجي بيتقفل.
طارق رفع رأسه.
حد دخل.
خالي قال
نبيل؟
طارق رد
مش عارف.
سمعنا خطوات بتقرب.
خطوة...
ثم خطوة...
ثم توقف الصوت أمام باب الغرفة.
وفجأة، انحنى شخص من تحت الباب ودفع ورقة إلى الداخل.
طارق التقطها.
قرأها.
ثم بصلي.
مكتوب إيه؟
ناولني الورقة.
كان فيها سطر واحد
لو فتحتِ الظرف، مش هتقدري ترجعي لحياتك القديمة.
بصيت للظرف.
ثم لخالي.
أنا هفتحه.
خالي قال
دنيا، استني.
لأ.
فتحت الظرف.
كان بداخله خطاب بخط والدي.
وأول جملة فيه كانت
بنتي دنيا... لو وصل لكِ الخطاب ده، يبقى الشخص اللي وثقت فيه خذلني.
رفعت عيني ببطء.
مين الشخص؟
قلبت الصفحة.
لكن قبل ما أقرأ السطر التالي...
انطفأت الكهرباء.
وسمعنا صوت المفتاح وهو بيتحرك في باب الغرفة من الخارج.
حد كان بيقفل علينا فضلت باصة للصورة وأنا حاسة إن إيدي بتتلج.
طفلة رضيعة في حضانة مستشفى، وتحت الصورة اسمي.
رفعت عيني لخالي
يعني إيه مين الطفلة الحقيقية؟
خالي ما ردش.
طارق قال بسرعة
متستعجليش في الاستنتاج.
صرخت
أمال أستنتج إيه؟! حد بيبعتلي صورة طفلة ويقول إن اسمي اتبدل!
خالي قرب مني وقال
الصورة دي قديمة، وممكن تكون جزء من محاولة تخويفك.
بس إنت تعرف حاجة عنها.
سكت.
صح؟
تنهد.
أعرف إن أبوكي كان عنده سبب يخاف عليكي.
من مين؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت خطوات في آخر الممر.
لفينا كلنا.
كان نفس الرجل اللي ظهر في التسجيل واقف بعيد.
ولما شافنا، ما هربش.
بالعكس...
رفع إيده، وفيها ظرف أبيض.
وقال
أنا مش جاي أؤذي حد.
طارق تقدم ناحيته
إنت مين؟
الرجل قال
اسمي نبيل.
خالي بمجرد ما سمع الاسم، رجع خطوة للخلف.
بصيت له.
إنت تعرفه؟
خالي رد بصوت متوتر
أيوه.
نبيل ابتسم بحزن.
بس هو مش هيقولك أنا مين.
قلت
يبقى أنا هسألك.
نبيل بصلي وقال
أبوكي كان صاحبي.
سكت لحظة.
وكنا بنشتغل سوا في نفس المكان.
طارق سأله
وليه كنت بتستخدم كارنيه دنيا؟
نبيل هز رأسه
أنا مستخدمتش كارنيهها عشان أدخل على حسابات أو أسرق حاجة.
وأخرج من الظرف مجموعة أوراق.
أنا كنت بدور على ملف اتخبى من سبع سنين.
سألته
ملف مين؟
قال
ملف والدك.
خالي تدخل
نبيل، كفاية.
نبيل بص له
كفاية إيه يا يوسف؟ بعد سبع سنين لسه هتفضل مخبي عنها؟
اتصدمت.
خالي... إنت اسمك يوسف.
هز رأسه.
نبيل قال
والدك ترك أمانة عند يوسف، ويوسف وعده إنه يحافظ عليها.
قلت
وإيه الأمانة؟
نبيل مد لي الظرف.
مش هقدر أقولك هنا.
فتحته.
كان بداخله مفتاح صغير آخر.
قلت
مفتاح تاني؟
نبيل أشار للمفتاح اللي في إيدي.
الاتنين مع بعض.
طارق سأله
هيفتحوا إيه؟
نبيل رد
غرفة أرشيف قديمة.
خالي قال
الغرفة دي اتقفلت من سنين.
نبيل ابتسم.
اتقفلت رسميًا... لكن المفتاح لسه بيفتحها.
شعرت بقلق شديد.
قلت
وليه أنا؟
نبيل بص لي طويلًا.
لأن أبوكي كتب اسمك على الظرف.
سألته
ليه؟
قال
لأنه كان عارف إنك في يوم من الأيام هتدوري بنفسك على الحقيقة.
طارق أمسك الورقة وقال
المكان فين؟
نبيل أعطاه عنوانًا.
وبعدين قال لي
لكن قبل ما تروحي، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
كل اللي عرفوا الحقيقة من زمان، اتفقوا يخلوكي بعيدة عنها.
بصيت لخالي.
ثم لطارق.
فقال نبيل
والنهارده، حد قرر يفتح الملف من جديد.
سألته
مين؟
نبيل هز رأسه.
لسه مش عارفين.
وقبل ما يمشي، وقف وقال
بس فيه حاجة واحدة متأكدة.
إيه؟
الشخص اللي سرّب بياناتك للمستشفى مش غريب عنكم.
ثم خرج.
فضلت واقفة مكاني.
بصيت لخالي.
هو قصده مين؟
خالي ما ردش.
بصيت لطارق.
كان ساكت هو كمان.
لكن فجأة، لاحظت حاجة.
طارق كان ماسك الورقة بطريقة تخبي جزءًا منها.
مديت إيدي
اديني الورقة.
قال
مفيش حاجة.
طارق.
أخدتها منه.
وفي أسفل الورقة كان فيه اسم مكتوب بخط صغير.
اسم الشخص المسؤول عن الغرفة القديمة.
قرأته.
ثم تجمدت.
لأن الاسم كان...
اسم طارق نفسه.
رفعت عيني له.
إنت كنت مسؤول عن الغرفة دي؟
طارق لم ينكر.
وقال بهدوء
أيوه.
وإنت كنت تعرف إنها موجودة من البداية؟
سكت.
ثم قال
كنت أعرف مكانها.
وكنت تعرف إن فيه ملف باسمي؟
خفض عينيه.
أيوه.
في اللحظة دي حسيت إن كل اللي حصل من أول اليوم كان مجرد بداية.
لأن السر اللي كان طارق بيخبيه عني...
مكنش متعلق بسارة.
ولا بالكارنيه.
ولا حتى بالمستشفى.
كان متعلق بأبويا... وبحقيقة قديمة عن حياتي أنا اتحبسنا جوه الغرفة.
خالي خبط على الباب
مين بره؟!
مفيش رد.
طارق حاول يفتح المقبض، لكنه كان مقفول من الخارج.
محدش يتحرك.
صوته كان هادي، لكني كنت شايفة التوتر في عينه.
طلعت تليفوني، شغلت الكشاف، ووجهته ناحية الظرف.
الخطاب كان لسه في إيدي.
قلت
لازم أعرف بابا كان يقصد مين.
طارق قال
اقري.
بدأت أقرأ بصوت
تم نسخ الرابط