ابن سلفتي حكايات زهرة الربيع
سمعت التسجيل.
وفجأة وضعت إيدها على فمها.
أيوه هو.
سامح قال
كويس.
ثم بص لوالدي.
دلوقتي نقدر نحدد الشخص.
بابا قال
لسه.
ليه؟
لأن الصوت ده مش صوت الرأس الكبيرة.
أنا بصيت له.
يعني فيه حد أكبر؟
بابا أومأ.
الشخص اللي بيحركهم من ورا الستار عمره ما بيتكلم معاهم بشكل مباشر.
جوزي قال
إذن لازم نرجع البيت.
رجعنا كلنا.
لكن أول ما دخلنا الحوش، لاحظت حاجة غريبة.
باب شقتي كان مفتوح.
أنا متأكدة إني قفلته.
جريت على شقتي.
دخلت.
الدولاب مفتوح.
والفلوس اللي كنت حاطاها من زمان مش موجودة.
لكن مش دي المفاجأة.
فوق السرير كان فيه ظرف جديد.
فتحته بإيد مرتعشة.
جواه صورة ليا وأنا صغيرة مع أبويا.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
دلوقتي عرفتِ ليه أبوكي كان خايف عليكِ؟
تحت الجملة كان فيه سطر واحد
لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة اسألي أمك عن ليلة وفاة أبوكي.
أنا وقفت مكاني.
أمي ماتت من سنين.
وبابا كان دايمًا بيقول إن وفاتها كانت طبيعية.
بصيت له.
بابا إيه اللي حصل ليلة وفاته؟
وشه اتغير.
لأول مرة من بداية الحكاية
شوفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال بصوت ضعيف
كنت أتمنى ما تعرفيش.
سألته
تعرف إيه؟
سكت طويلًا.
ثم قال
أمك ما ماتتش وهي نايمة زي ما قلتلك.
اتجمدت.
أمال ماتت إزاي؟
بابا بص للكل، وبعدها قفل باب الشقة.
وقال
لأن اللي حصل لأمك كان أول محاولة لإسكاتها.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت حجر خبط في شباك الشقة.
جريت ناحية الشباك.
كان فيه ورقة ملفوفة حوالين الحجر.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو أبوكي حكى لك الحقيقة الدور الجاي هيكون عليه هو.
بصيت لبابا.
وفهمت إن اللي بنحاول نكشفه
مش مجرد سر أرض.
ده سر عيلة كامل مدفون من سنين بصيت لبابا وقلت
كفاية أسرار أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها.
بابا سكت لحظات، وبعدين حكى.
في الليلة اللي ماتت فيها أمي، كانت اكتشفت إن واحد من أفراد العيلة بيزور أوراق الأرض، وإن فيه اتفاق سري لبيع جزء منها من غير علم أصحابها.
أمي واجهته، وهددته إنها هتبلغ عنه.
ومن يومها بدأت الضغوط عليها.
لكنها قبل ما تموت، كانت سلّمت بابا نسخة من الأوراق الحقيقية، وطلبت منه يحافظ عليها ويحفظ حقي أنا.
بابا خاف عليّ، فاختار يخبي الحقيقة كلها.
أما الشخص اللي كان بيحرك رحمة وباقي الناس، فكان واحدًا من أقارب العيلة، واستغل طمع بعضهم وخوفهم عشان يوقعنا في بعض.
والألفين جنيه اللي أخدتهم رحمة كانوا فعلًا جزءًا من محاولة ابتزازها، لكن لما رفضت تساعدهم في إيذائي، بدأوا يضغطوا عليها أكتر.
أما اللي حصل لابنها عند الفرن، فلم يكن حادثًا مدبرًا لإيذائه؛ الرجل الذي كان يراقب المكان وضع اللعبة هناك ليصنع فوضى ويخيفنا، لكنه لم يتوقع أن الطفل سيصل إليها.
وأنا
لما وقفت في البداية وما أنقذتش الطفل، فضلت أيام ألوم نفسي.
لكن في اللحظة الحاسمة، قلبي غلب غضبي.
جريت وأنقذته.
وده كان أهم شيء.
بعدها اتجمعت كل الأدلة، واتقدمت الأوراق للجهات المختصة، واتثبت التزوير ومحاولات الاستيلاء على الأرض.
أما رحمة، فاعترفت بسرقتها واعتذرت لي قدام العيلة كلها.
قالت وهي بتبكي
أنا ظلمتك يا علية وكلامي عن إنك أرض بور كان أقسى حاجة عملتها في حياتي. سامحيني.
بصيت لها طويلًا.
وقلت
أنا مش هنسي اللي حصل لكن ابنك ملوش ذنب. وأنا يومها لما شوفته قدام النار، عرفت إن غضبي مش لازم يخليني أبقى إنسانة مش شبه نفسي.
الحاجة أم جوزي وقتها مسكت إيدي وقالت
حقك محفوظ يا بنتي، ومحدش بعد النهارده هيقدر يقولك إنك غريبة عن البيت.
أما جوزي، فوقف قدام الجميع وقال
من النهارده، أي حاجة تخص علية أو حقها هتعرفها قبل أي حد. مفيش أسرار تاني.
وبعد شهور، اتثبت رسميًا حق والدي، واتحفظ نصيبي في الأرض.
ورحمة، رغم كل اللي حصل، علاقتنا ما رجعتش زي الأول
لكن بقى بينا احترام وحدود واضحة.
أما أنا، ففضلت فاكرة اليوم اللي دخل فيه ابنها الفرن.
لأن اليوم ده علّمني درس عمري ما هنساه
ممكن حد يجرحك لدرجة تتمني له البعد عن حياتك لكن ما تخليش أذى الناس يغير قلبك.
وأغرب حاجة؟
إن كل الحكاية بدأت بألفين جنيه سرقتهم رحمة
وانتهت باكتشاف إن حق عيلتي كله كان متخبّي من أكتر من عشرين سنة.