الخدامه الفضولية حكايات شروق خالد
الأرض.
أدهم؟
لا رد.
بابا؟
سمعت صوت حسن
أنا هنا.
ثم صوت صابر
حد دخل الممر.
أدهم شغل كشاف هاتفه.
ظهر وجهه.
الكل موجود؟
حسن قال
أيوه.
صابر قال
يبقى اللي دخل مش من هنا.
أدهم نظر إلى الأرض.
كان هناك شيء صغير بجانب الباب.
جهاز تسجيل.
رفعه.
وضغط زر التشغيل.
خرج صوت مسجل
لو وصلتوا للغرفة 9، يبقى أكيد حسن قال لكم عن السلسلة.
سلمى اتجمدت.
الصوت أكمل
بس هو ما قالش لكم الحقيقة كلها.
أدهم بص لحسن.
حسن ظل صامتًا.
التسجيل تابع
الشريحة اللي في السلسلة فيها نسخة واحدة من السجل.
ثم توقف التسجيل ثانيتين.
لكن النسخة الأصلية... مع سلمى.
سلمى فتحت عينيها.
معايا أنا؟
التسجيل أكمل
لأن أبوها خبّاها عند الشخص الوحيد اللي محدش كان هيفكر يدور عنده.
انقطع الصوت.
سلمى بدأت تفكر.
أنا؟
حسن قال
أيوه.
إزاي؟
أبوك كان عارف إن اللي بيدور على السجلات هيفتش كل حاجة تخصه.
فخبّاها فين؟
حسن نظر إلى السلسلة.
النسخة الرقمية في السلسلة.
ثم أشار إلى سلمى.
والنسخة الورقية... اتخبّت في حاجة تخصك.
سلمى بدأت تفتكر.
غرفتها القديمة.
كتب المدرسة.
صندوق ألعابها.
صور طفولتها.
ثم فجأة شهقت.
الدُمية.
حسن رفع رأسه.
إيه؟
الدُمية القديمة اللي كانت عندي وأنا صغيرة.
فينها؟
في بيتنا القديم.
أدهم قال
لازم نروح هناك.
لكن صابر اعترض
مستحيل.
أدهم بص له.
ليه؟
صابر قال
لأن البيت القديم مراقب.
سلمى سألت
من إمتى؟
صابر رد
من أسبوع.
أدهم سكت.
ثم قال
يبقى حد كان عارف قبلنا.
حسن بص للسلسلة في إيد سلمى.
مش بس عارف.
ثم أضاف بصوت منخفض
هو اللي خلّى سلمى تفتكر الزجاجة.
سلمى عقدت حاجبيها.
الزجاجة؟
حسن قال
اسم المزرعة المكتوب عليها.
إيه علاقته؟
كان لازم تشوفي الاسم علشان تفتكري إن السلسلة موجودة.
سلمى بصت لأدهم.
يعني كل اللي حصل النهارده كان مرتب؟
أدهم لم يرد.
صابر قال
مش كل حاجة.
ثم نظر لسلمى.
شربك للنبيذ... دي كانت غلطة منك.
سلمى بصت له بغيظ.
شكرًا على التوضيح.
ولأول مرة، ظهر شيء يشبه الابتسامة على وجه حسن.
لكنها اختفت فورًا عندما سمعوا صوت سيارة تتوقف خارج المبنى.
صابر قرب من النافذة.
ثم تراجع بسرعة.
في عربيتين.
أدهم قال
كام شخص؟
صابر بص مرة ثانية.
مش عارف.
ثم سمعوا أبواب العربيات بتتقفل.
واحد...
اتنين...
تلاتة...
أربع أبواب.
حسن قال
وصلوا.
أدهم أمسك مفتاح المخزن.
المخرج الخلفي.
سلمى تحركت بسرعة.
لكن قبل ما تخرج، سمعت صوت هاتفها.
نظرت للشاشة.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة واحدة فقط.
صورة للدُمية القديمة بتاعتها.
وتحت الصورة جملة
ما تتعبيش نفسك وتدوري عليها... أنا لقيتها قبلك.
سلمى رفعت عينيها ببطء.
أدهم قرأ الرسالة.
ثم قال
دلوقتي عرفنا إن الشخص اللي قدامنا مش بس بيراقبنا.
وسكت لحظة.
ده سابقنا بخطوة سلمى فضلت واقفة والورقة في إيدها، وعينيها بتتنقل بين الوجوه.
حسن قال بسرعة
سلمى، بصيلي.
لكنها ما بصتلوش.
الرجل الغريب ابتسم.
شايفة؟ أبوكي نفسه كتب إن الشخص اللي وثق فيه هو اللي خانه.
أدهم مد إيده.
هات الورقة.
الرجل رفض.
خليها تقرا للآخر.
سلمى نزلت عينيها على الورقة.
كان تحت الجملة الأولى سطر تاني
لكن الخيانة مش معناها إن الشخص شرير.
سلمى رفعت حاجبها.
الرجل اتغيرت ملامحه.
كملي.
السطر التالي كان
لو وصلتِ للنقطة دي، ما تثقيش في أي حد يحاول يخليكي تختاري بيني وبينه.
حسن أغمض عينيه للحظة.
أدهم قال
دي مش رسالة اتهام.
الرجل قال
اقري آخر سطر.
سلمى قلبت الورقة.
وفي أسفلها كان مكتوب
الحقيقة موجودة في المكان اللي بدأ منه كل شيء.
سلمى همست
المزرعة.
حسن هز رأسه.
أيوه.
الرجل الغريب ضحك.
متأخرين.
أدهم بص له.
ليه؟
لأن الحقيقة اتنقلت من زمان.
سلمى قالت
اتنقلت لفين؟
الرجل نظر إليها.
إنتِ اللي معاكي الإجابة.
سلمى بصت للسلسلة.
الشريحة؟
لأ.
ثم أشار إلى الورقة.
أبوك خبّى المفتاح الحقيقي في مكان ما خطرش على بال حد.
حسن قال
كفاية.
الرجل رد
لا، لازم تعرف.
ثم أخرج صورة صغيرة.
كانت صورة لسلمى وهي طفلة، قاعدة في حديقة البيت القديم.
وفي يدها لعبة خشبية صغيرة.
سلمى قربت من الصورة.
اللعبة دي...
حسن قال
كنتِ بتحبيها.
كانت بتاعت بابا.
الرجل ابتسم.
أبوك كان بيخبي حاجاته المهمة في حاجات ما حدش يهتم بيها.
أدهم فهم.
اللعبة.
سلمى هزت رأسها.
بس اللعبة ضاعت من سنين.
حسن قال
مش ضاعت.
سلمى بصت له.
أمال؟
أنا أخدتها معايا يوم ما اختفيت.
سكت الجميع.
ثم أخرج حسن من جيبه قطعة خشب صغيرة.
سلمى أول ما شافتها، عرفتها.
كانت نفس اللعبة.
لكن اللعبة كانت مختلفة عن ذاكرتها.
في جانبها كان فيه شق صغير.
أدهم قرب.
افتحها.
حسن أعطاها لسلمى.
سلمى ضغطت على الشق.
صدر صوت خفيف.
وانفتح جزء صغير من اللعبة.
جواه ورقة ملفوفة.
أدهم قال
إذن ده هو الدليل.
لكن حسن هز رأسه.
مش الدليل.
أمال إيه؟
حسن أشار للورقة.
دي خريطة.
سلمى فتحتها.
كانت خريطة قديمة للمزرعة.
وفي منتصفها دائرة حمراء حول مكان بعيد عن المخزن.
وتحت الدائرة كلمة واحدة
البئر.
الرجل الغريب قال
دلوقتي فهمتي ليه لازم أسبقكم.
أدهم سأله
إنت عايز اللي في البئر ليه؟
الرجل ابتسم.
لأن اللي هناك يثبت مين بدأ كل ده.
سلمى سألت
ومين هو؟
الرجل لم يجب.
بدلًا منه، حسن قال
أخوك.
سلمى اتجمدت.
إيه؟
حسن قال بسرعة
مش أخوك بالمعنى اللي فاهمة.
أدهم نظر له.
وضح.
حسن تنهد.
من تسع سنين، كان فيه ولد صغير عايش معانا في المزرعة.
سلمى بدأت تستوعب.
ولد مين؟
حسن نظر لها.
ابن الشخص اللي كان بيدير كل العمليات.
سلمى قالت
وإيه علاقته بيا؟
حسن سكت.
الرجل الغريب قال
دي بقى آخر حاجة ما كانش عايز أبوكي يعرفها.
سلمى بصت لحسن.
بابا؟
حسن لم يرد.
الرجل قال
لأن الولد ده هو اللي معاه النسخة الأخيرة من السجلات.
أدهم سأله
فينه؟
الرجل ابتسم.
هنا المشكلة.
ثم أشار للخريطة.
هو موجود تحت المزرعة.
سلمى بصت للخريطة.
من تسع سنين؟
الرجل قال
مش لوحده.
وفجأة...
سمعوا صوت ارتطام قوي خارج الغرفة.
ثم انطفأت الأنوار مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن أحد مستعدًا.
وفي الظلام...
اختفى الرجل الغريب.
سلمى صرخت
فين راح؟!
أدهم شغل الكشاف.
الرجل لم يعد موجودًا.
والباب كان مفتوحًا.
لكن على الأرض، بجانب المكان الذي كان واقفًا فيه، كانت هناك ورقة واحدة.
أدهم التقطها.
قرأها.
ثم رفع عينه لسلمى.
كتب حاجة.
إيه؟
ناولها الورقة.
كان مكتوبًا
لو عايزين تعرفوا الحقيقة، روحوا للبئر قبل الفجر... لو لقيتوا الشخص اللي جواه، ما تصدقوش أول كلمة هيقولها.
سلمى رفعت عينيها.
هو مين الشخص اللي في البئر؟
حسن قال
مش عارف.
أدهم بص له.
أنت عارف.
حسن سكت.
أدهم كرر
أنت عارف يا حسن.
حسن أخيرًا قال
أيوه.
ثم نظر لسلمى.
وأنا أخفيت الحقيقة دي عنك تسع سنين.
سلمى اقتربت منه.
مين موجود تحت البئر؟
حسن قال
الشخص اللي شوفتيه يوم وفاة أبوكي...
وسكت.
ثم أكمل
واللي كنتِ فاكرة إنه مات من تسع سنين أكيد، دي نهاية مقفولة ومليانة مفاجآت، ومن غير خيانة أو علاقة غير شرعية أو أحضان أو بوس.
سلمى بصت لأبوها وهي مش قادرة تستوعب.
مين؟
حسن أخذ نفسًا طويلًا.
عمك محمود.
سلمى اتجمدت.
عمي محمود؟ بس... عمي مات في الحريق!
حسن هز رأسه.
دي كانت الكذبة اللي اضطرينا نعيش بيها.
أدهم فهم الصورة كاملة أخيرًا.
هو اللي كان مسؤول عن السجلات.
حسن أومأ.
وهو اللي اكتشف إن محمود كان بيبيع المعلومات.
سلمى بصت له.
طب ليه ما بلغتوش؟
لأن محمود سبقنا. سرق السجلات، وهددني بيكي وبأمك.
سكت لحظة.
فزوّرت خبر موتي، وخليت الناس تفتكر إن محمود مات في الحريق، بينما هو هرب واختفى.
أدهم قال
والشخص اللي كان عندنا في المخزن النهارده؟
حسن رد
واحد من رجاله.
سلمى فهمت فجأة.
وعم صابر؟
صابر تقدم وقال
أنا كنت بحميكي بأمر من أبوكي.
سلمى بصت له.
والرسائل؟
بعضها مني، والباقي من محمود.
أدهم أخرج الشريحة من السلسلة.
والسجلات؟
حسن أشار للخريطة.
في البئر القديم.
ذهبوا جميعًا إلى المزرعة قبل الفجر.
كان المكان مهجورًا، لكن البئر ما زال موجودًا.
أدهم نزل بحبل إلى القاع، وبعد دقائق رفع صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحه.
كان بداخله دفتر قديم، وعدة مستندات، وتسجيلات تثبت كل عمليات سرقة المعلومات.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر ورقة.
كانت موقعة باسم محمود.
أدهم قرأها بصوت عالٍ
أنا المسؤول عن كل ما حدث.
سلمى أغمضت عينيها.
بعد سنوات من الغموض، الحقيقة أخيرًا ظهرت.
لكن لم ينتهِ كل شيء بعد.
فقد ظهر محمود بنفسه عند بوابة المزرعة.
كان وحده.
وقال لحسن
كنت عارف إنك هتوصل للصندوق.
أدهم وقف أمام سلمى.
انتهى كل شيء يا محمود.
محمود ضحك.
لأ. لسه.
ثم أخرج هاتفه.
كل اللي هنا نسخة. الأصل معايا.
سلمى قالت
إنت غلطان.
محمود نظر إليها.
ليه؟
رفعت السلسلة.
لأن أبويا كان عارف إنك هتقول كده.
ثم أخرجت الشريحة.
والنسخة اللي معايا فيها تسجيل بصوتك.
تغير وجه محمود.
أدهم ابتسم للمرة الأولى.
كفاية.
بعد دقائق، وصلت الشرطة التي كان أدهم قد أبلغها قبل وصولهم للمزرعة.
وانتهت مطاردة استمرت تسع سنوات.
أما حسن، فعاد إلى ابنته بعد غياب طويل، وبدأ يعوضها عن السنوات التي ضاعت.
وسلمى؟
رجعت إلى شغلها في بيت أدهم.
وفي أول يوم دخلت فيه مكتبه مرة أخرى، وجدت زجاجة النبيذ نفسها فوق المكتب.
وقفت قدامها.
بصت للزجاجة.
ثم بصت لأدهم.
قالت بحذر
دي لسه هنا؟
رد
أيوه.
ومفتوحة؟
لأ.
سكتت لحظة.
ثم قالت
كويس.
أدهم ابتسم.
اتعلمتي؟
سلمى هزت رأسها.
طبعًا.
ثم أخذت القماشة وبدأت تمسح المكتب.
بعد ثوانٍ، قالت
بس بصراحة... كانت حلوة.
أدهم ضحك.
سلمى.
نعم؟
إوعي تلمسي الزجاجة.
ابتسمت.
حاضر.
ثم كملت التنظيف.
وفي درج مكتبه، احتفظ أدهم بالدفتر الأصلي كدليل.
أما سلمى، فاحتفظت بالمفتاح القديم.
مش لأنه بيفتح أي باب بعد كده...
لكن لأنه كان أول مفتاح رجّع لها أبوها بعد تسع سنين.
وهكذا انتهى السر.
مش بانتصار شخص على شخص...
لكن برجوع الحقيقة لأصحابها، وعودة أب غاب طويلًا عن ابنته، وانتهاء الخوف اللي عاشته سلمى سنين.
أما زجاجة النبيذ؟
ففضلت مكانها.
وسلمى...
ما شربتش منها تاني.
على الأقل...
مش من غير إذن.