بعد غياب ست سنين
بعد ست سنين غياب، رجعت أخيرًا البيت لكني لقيت أمي بيتعاملوا معاها كأنها خدامة في البيت اللي أنا اشتريتهولها، وأخويا بيتصرف كأنه مالك كل حاجة!
هي حتى ماعرفتنيش.
ماصرختش.
وماعملتش خناقة.
أنا بس عملت مكالمة واحدة والمكالمة دي غيّرت كل حاجة.
أول حاجة شفتها لما رجعت البيت بعد ست سنين، كانت أمي راكعة على الأرض الرخام، بتمسح بقعة نبيذ اتكبّت على الأرض.
والحاجة التانية كانت أخويا وهو بيعدّي من جنب إيدها بكل برود وبيقول
لسه في حتة هنا.
وقفت مكاني، وحسيت إن نفسي اتقطع.
أمي عمرها ما كانت الست اللي بتستخبى في الخلفية.
كانت بتحب تلبس شالّات ألوانها زاهية.
وضحتها كانت بتملأ المكان.
وكانت دايمًا ريحتها فيها لمسة خفيفة من برفان القرفة.
إيديها عمرها ما كانت بتقف؛ يا إما بتطبخ، يا بتزرع، يا بتخيط، يا بتصلّح حاجة.
لكن دلوقتي، وهي عندها 68 سنة، شكلها كان أكبر من سنها بعشرين سنة.
شعرها بقى خفيف وأبيض كله.
ووشها كان باين عليه الإرهاق.
وكانت لابسة يونيفورم قديم بتاع خدمة وتنضيف البيت.
وقفت في مدخل البيت وأنا متجمدة، والشنطة لسه جنب الباب.
ماما؟
رفعت راسها ببطء.
وبصتلي كأنها بتحاول تعرف أنا مين.
لكن مافيش أي علامة إنها عرفتني.
همست
أنا آسفة الضيوف مش المفروض يدخلوا من هنا.
قلبي وقع في رجلي.
وفجأة ظهر دارين فوق السلم.
كان لابس الروب اللي أنا كنت جايباه لبابا قبل ما يتوفى.
وأول ما شافني، اتجمد مكانه.
كلير؟
ابتسمتله ابتسامة صغيرة.
لكنه استعاد هدوءه بسرعة جدًا.
هو دايمًا كان بيعرف يعمل كده.
وقال بسخرية
بصي مين اللي افتكر أخيرًا إن عنده عيلة النجمة العالمية قررت ترجع البيت!
أنا كنت بتصل.
مرة كل كام شهر.
وكنت ببعت فلوس كل شهر.
ابتسامته اختفت شوية.
وبعدها ظهرت بروك وراه، وفي إيدها كوباية كريستال، رغم إن الساعة ماكنتش حتى الضهر.
بصتلي من فوق لتحت، كأني دليفري دخل على العنوان الغلط.
وقالت
كان المفروض تقولي لنا إنك جاية. أوضة الضيوف مش جاهزة.
بصيت لأمي تاني.
ليه ماما لابسة كده؟
دارين ضحك.
ماما بتحب تساعد في البيت. بتشغل وقتها.
أمي نزلت عينيها على الأرض بسرعة.
وبدأت تمسح تاني.
نزلت على ركبتي جنبها.
وقلت لها بهدوء
ماما أنا كلير.
وأول ما لمست كتفها برفق، هي انتفضت وخافت.
وقالت بصوت واطي
لأ كلير عايشة بعيد.
حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
لكن ماعليتش صوتي.
وده بالظبط كان اللي دارين مستنيه مني.
من وإحنا صغيرين، كان دايمًا فاكر إن اللي صوته أعلى هو اللي بيكسب.
ماكانش فاهم إن الهدوء عمره ما كان معناه الضعف.
وقفت بهدوء وسألته
دكاترة ماما فين؟
بروك قلبت عينيها وقالت
هي ساعات بتتلخبط. الناس الكبيرة طبيعي تتلخبط.
بصيتلها وقلت
والممرضة اللي أنا عيّنتها لماما حصلها إيه؟
لثانية واحدة بس، ملامح دارين اتغيرت.
تغيير بسيط جدًا.
أي حد تاني ممكن ماياخدش باله منه.
لكن أنا شفته.
وده كان كفاية.
نزل على السلم، وحط إيده على كتفي، وحاول يوجّهني ناحية المطبخ.
وقال
كلير، إنتِ غايبة بقالك فترة طويلة. الدنيا اتغيرت. ماما وقّعت على شوية ورق، وأنا بقيت مسؤول عن أملاك العيلة.
وقفت مكاني.
وبصيتله
ورق إيه؟
ابتسم.
وقال بكل ثقة
الورق اللي خلّى البيت ده بتاعي.
فضلت باصة له.
وبعدين سيبت الصمت يطول بينا.
وأخيرًا، دخلت إيدي في جيب الجاكت ولمست الظرف المقفول اللي كنت مخبياه في الجيب الداخلي.
وقلت بهدوء
غريبة
ابتسامة دارين بدأت تختفي.
لأنه ماكانش يعرف حاجة مهمة جدًا.
حاجة واضح إنه عمره ما كلف نفسه يتأكد منها.
أنا أصلًا ما نقلتش ملكية البيت لماما.
أنا اشتريته عشان تعيش فيه.
لكن من الناحية القانونية، البيت عمره ما كان ملكها.
البيت كان طول الوقت موجود في صندوق ائتماني باسمي.
وصندوق ائتماني دارين ماكانش يعرف إنه موجود أصلًا.
وأنا واقفة هناك، ببص لأخويا وهو واقف بكل غرور وبيتصرف كأنه صاحب البيت، فهمت حاجة واحدة
هو ماكانش عنده أي فكرة إن مملكته الصغيرة كلها على وشك إنها تنهار في لحظة.
دارين فضل واقف قدامي، لكنه المرة دي ماكانش بنفس الثقة.
بص للظرف اللي في إيدي، وقال
إيه ده؟
ماجاوبتش.
حطيت الظرف على الترابيزة بهدوء، وقلت
قبل ما نتكلم عن البيت أنا عايزة أشوف ماما.
دارين اتحرك بسرعة ووقف قدامي.
ماما نايمة.
بصيت للساعة.
الساعة لسه 11 الصبح.
هي تعبانة.
غريبة لأنها من شوية كانت بتمسح الأرض.
سكت.
وبروك دخلت بسرعة وقالت
كلير، إنتِ مش فاهمة الوضع هنا.
لفيت لها.
أنا مش فاهمة إيه بالضبط؟
قالت بتوتر
دارين بقاله سنين شايل مسؤولية البيت وماما. إنتِ كنتِ فين؟
السؤال وجعني، لكني ما بينتش.
قلت
كنت بشتغل.
ضحكت بسخرية
وإحنا كنا بنعمل إيه؟
بصيتلها مباشرة.
بتعيشوا في البيت اللي أنا دفعته.
وشها اتغير.
دارين رفع إيده بسرعة وقال
كفاية.
وبعدين قرب مني وقال بصوت واطي
إنتِ رجعتي بعد ست سنين، وعايزة تقلبّي الدنيا؟
ابتسمت.
لأ.
سكت لحظة.
أنا رجعت أعرف الحقيقة.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت خافت جاي من الدور التاني.
صوت حاجة وقعت.
وبعده صوت أمي.
دارين؟
جريت ناحية السلم.
دارين حاول يمسكني من دراعي.
استني!
سحبت إيدي منه.
طلعت السلم بسرعة، وفتحت باب أوضة أمي.
ولما دخلت
وقفت مكاني.
أوضة أمي كانت شبه فاضية.
سرير صغير.
دولاب قديم.
وكرسي جنب الشباك.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت صورة كبيرة ليا وأنا طفلة، متعلقة على الحيطة.
قربت منها.
كانت الصورة قديمة جدًا.
وتحتها ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط أمي
كلير هترجع.
حسيت بعيني بتدمع.
لكن قبل ما ألمس الورقة، سمعت أمي ورايا.
إنتِ مين؟
لفيت.
كانت واقفة عند الباب، ووشها مليان خوف.
قربت منها بهدوء.
أنا كلير يا ماما.
هزت راسها.
كلير بنتي مسافرة.
قلت
أنا هي.
بصتلي فترة طويلة.
وبعدين قربت مني خطوة.
مدت إيدها ولمست وشي.
وفجأة
سحبت إيدها بسرعة، وكأنها افتكرت حاجة مرعبة.
وقالت
لازم تمشي قبل ما دارين يعرف إنك شوفتي الورقة.
اتجمدت.
ورقة إيه؟
بصت ناحية الباب.
وبعدين همست
هو قاللي ماقولكيش.
دخل دارين فجأة.
ماما!
أمي رجعت لورا.
وأنا بصيت له.
المرة دي ماكانش في عيني أي غضب.
كان في سؤال واحد بس
إيه اللي ماما كانت هتقولهولي؟
دارين سكت.
وبص لأمي.
وأمي نزلت عينيها.
لكن قبل ما حد يتكلم، موبايل دارين رن.
بص للشاشة
وفجأة وشه شحب.
خرج بسرعة من الأوضة ورد على المكالمة.
سمعته بيقول
إنت متأكد؟
سكت.
وبعدين قال
لأ مستحيل تكون عرفت.
وقفت عند الباب.
هو ماكانش واخد باله إني سامعاه.
ولأول مرة من ساعة ما رجعت، حسيت إن الموضوع أكبر من البيت.
أكبر من الفلوس.
وأكبر من الورق اللي في الظرف.
لأن دارين كان خايف من شخص تاني
وشخص واضح إنه كان عارف سر إحنا الاتنين ماكناش نعرفه.
قربت منه بهدوء وقلت
مين اللي كلمك؟
اتلفت بسرعة.
وبصلي في عيني.
وبعد ثواني، قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
الشخص اللي إنتِ فاكرة إنه مات من ست سنين طلع عايش بصيت له ثواني، ومقدرتش أستوعب اللي قاله.
مين؟
دارين بلع ريقه، وقال
بابا.
قلبي اتقبض.
بابا مات من ست سنين.
أنا عارف.
يبقى إزاي عايش؟
ما ردش.
فضل ساكت وهو بيبصلي بنظرة عمري ما شفتها في عينه قبل كده.
نظرة خوف.
ولأول مرة، حسيت إن دارين مش هو اللي ماسك زمام الأمور.
دخلت بروك الأوضة وهي متوترة.
دارين، لازم نمشي.
بصيت لها.
إنتِ كنتِ عارفة؟
ما ردتش.
كنتِ عارفة إن بابا عايش؟
هزت راسها بسرعة.
لأ.
لكن صوتها كان مهزوز.
قربت منها.
بصيلي في عيني وقوليلي.
رفعت عينيها بصعوبة.
أنا ماعرفش حاجة.
من وراها، سمعت أمي بتتكلم.
أبوكِ ما ماتش.
لفيت لها بسرعة.
ماما؟
كانت قاعدة على طرف السرير، وبتبص للصورة القديمة.
وقالت
هم قالولي إنه مات بس أنا كنت عارفة إنهم بيكدبوا.
دارين صرخ
ماما، كفاية!
أمي انتفضت.
أنا وقفت قدامه.
متزعقش لها.
ضحك بعصبية.
إنتِ مش فاهمة حاجة!
قلت
عشان كده هفهم.
فتحت الظرف اللي كان معايا.
طلعت منه مجموعة أوراق.
حطيتها قدامه.
دي نسخة من عقد تأسيس الصندوق.
بص للأوراق.
وشه اتغير.
إنتِ جايبة ده منين؟
من المحامي.
إنتِ كلمتي محامي؟
قبل ما أرجع.
سكت.
كملت
وكمان كلمت محاسب مستقل يراجع كل التحويلات اللي كانت بتطلع من حساب الصندوق خلال الست سنين اللي فاتوا.
بروك شهقت.
دارين بص لها بسرعة.
وأنا لاحظت الحركة.
قلت
ليه بصيت لها؟
ملهاش علاقة.
يبقى ليه اتوترت؟
ما ردش.
فتحت ورقة تانية.
في حاجة ناقصة.
دارين قال
إيه؟
فلوس.
سكت.
فلوس كتير.
قربت منه بالورقة.
كل شهر كان بيتسحب مبلغ تحت بند رعاية ماما.
بصيت لأمي.
بس ماما كانت عايشة هنا من غير ممرضة.
وبعدين بصيت له.
يبقى الفلوس كانت بتروح فين؟
ما اتكلمش.
وفجأة
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
أمي قامت من مكانها.
وبصت ناحية الشباك.
وشها اتحول للون الأبيض.
همست
هو جه.
دارين جري ناحية الشباك.
بص بره.
وبعدين رجع خطوة للخلف.
وأنا قربت من الستارة.
فتحتها.
كان فيه راجل واقف جنب عربية سوداء.
رجل كبير في السن.
شعره أبيض.
واقف مستقيم رغم سنه.
وفي إيده عصاية.
لكن أول ما شفته
عرفته.
كان شبه بابا بشكل يخوف.
أمي مسكت إيدي بقوة.
وقالت
ده أبوكي.
دارين همس
مش ممكن.
الباب الخارجي اتفتح.
والراجل دخل.
خطوة
وخطوة
لحد ما وقف في الصالة.
رفع عينيه ناحيتي.
وقال بصوت هادي
كلير.
أنا مقدرتش أتحرك.
لأن آخر مرة سمعت فيها صوت أبويا كانت من ست سنين
يوم ما دارين بنفسه وقف قدامي وقال
بابا مات.
بصيت لدارين.
وبعدين لأبويا.
وفجأة أبويا قال
أنا ما متش.
سكت لحظة.
وبص لدارين.
لكن كان لازم الكل يصدق إني مت.
دارين اتراجع.
وأنا قلت
ليه؟
أبويا بص لماما.
وبعدين قال
عشان اللي حصل في البيت ده ماكانش مجرد طمع في الفلوس.
قرب خطوة.
كان فيه حد بيحاول يسيطر على كل حاجة قبل ما ترجعي.
قلت
مين؟
أبويا سكت.
وبص ناحية بروك.
بروك بدأت تبكي.
لكن أبويا ما بصش لها.
قال جملة واحدة
الشخص اللي بدأ كل ده موجود هنا في البيت.
وفجأة، جرس الباب رن.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
أبويا بص ناحية الباب، وقال
متفتحوش.
لكن دارين كان بالفعل بيتحرك ناحية الباب.
وأنا شفت الخوف في عين أبويا لأول مرة.
قال بصوت حاد
دارين لو فتحت الباب، كل حاجة هتنتهي الليلة.
دارين وقف.
إيده فضلت على مقبض الباب.
وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
يمكن ده المطلوب دارين فتح الباب.
وأول ما الباب