حماتي جابتلي بقلم زهرة الربيع
حسّت إن قلبها وقع.
مكان تاني فين؟
عم حسن بص لأحمد.
قول لها.
أحمد تنهد.
في محطة القطار القديمة.
سعاد عقدت حاجبيها.
محطة القطار؟
أيوه. أبوكي كان مأجر مخزن صغير هناك من سنين.
سعاد قالت
بس المكان ده اتقفل من زمان.
حماتها قالت بهدوء
مش كله.
سعاد التفتت لها.
يعني إيه؟
حماتها بدأت تتكلم، لكن صوتها اتقطع لما سمعوا صوت عربية بتتحرك بسرعة قدام المخزن.
عم حسن خرج يجري.
رجع بعد ثواني.
العربية مشيت.
المحامي سأله
شفت مين؟
لأ.
سعاد بصت للكمبيوتر.
الفيديو لسه واقف عند الرسالة.
الجزء الثاني موجود في مكان لا يعرفه إلا أحمد.
سعاد قالت
هنروح محطة القطار.
حماتها مسكت دراعها.
سعاد، قبل ما تروحي، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
أبوك ما اختارش أحمد علشان كان بيثق فيه بس.
سعاد بصتلها.
أمال اختاره ليه؟
حماتها قالت
لأن أبوكي كان عارف إن أحمد هو الشخص الوحيد اللي كمال مش هيشك فيه.
سعاد اتصدمت.
يعني جوزي كان جزء من خطة أبويا؟
أحمد قال بسرعة
أنا ما كنتش عارف الخطة كاملة.
سعاد بصت له بحزم.
بس كنت عارف إن فيه حاجة.
كنت عارف إن أبوكي طلب مني أحافظ على المفتاح. بس ما كنتش أعرف السبب.
وليه سكت كل السنين دي؟
أحمد نزل عينه.
لأني وعدته.
سعاد ردت بمرارة
وأنا؟ أنا ما كنتش أستحق أعرف؟
أحمد ما قدرش يرد.
عم حسن قال
الخلاف ده بعدين. دلوقتي لازم نعرف إيه اللي موجود في المحطة.
خرجوا من المخزن.
لكن قبل ما سعاد تركب العربية، لاحظت ورقة صغيرة محشورة تحت ماسحة الزجاج.
سحبتها.
فتحتها.
كان مكتوب
ما تروحيش المحطة لأن اللي مستنيكي هناك مش هو الدليل اللي أبوكي سايبه.
سعاد بصت لعم حسن.
يعني حد بيراقبنا.
المحامي قال
واضح.
سعاد قلبت الورقة.
وفي ضهرها كان فيه عنوان.
رقم 17 شارع المخازن القديمة.
وتحت العنوان جملة
لو عايزة تعرفي مين أخد العقد الأصلي، دوري على الصندوق رقم 17.
أحمد قرب منها.
ده مش عنوان المحطة.
سعاد قالت
عارفة.
ثم بصت له مباشرة.
وده معناه إن أبويا كان سايب أكتر من طريق للحقيقة.
حماتها بدأت تبكي.
سعاد سألتها
إنتِ كنتِ تعرفي العنوان ده؟
حماتها مسحت دموعها.
أيوه.
وسكتي؟
أبوك طلب مني.
وأهو مات، وأنا عشت عشر سنين وأنا فاكرة إن كل اللي حصل كان طبيعي.
حماتها قالت
لو كنتِ عرفتي بدري كانوا هياخدوا كل حاجة.
سعاد سكتت.
ثم قالت
مين كانوا؟
حماتها رفعت عينيها.
كمال وشخص تاني.
سعاد سألت
مين الشخص التاني؟
حماتها ترددت.
ثم قالت
أنا.
سعاد اتجمدت.
إنتِ؟!
حماتها هزت راسها.
أبوك كان شاكك فيا لكنه ما كانش عارف إني كنت بحاول أحميه.
سعاد قربت منها.
تحمّيه من مين؟
حماتها فتحت بوقها علشان تجاوب
لكن فجأة جالها اتصال.
بصت للشاشة.
ووشها اتغير.
سعاد خطفت نظرها على الاسم الظاهر.
كان مكتوب
كمال السيوفي.
حماتها ما ردتش.
الموبايل رن مرة تانية.
ثم وصلت رسالة.
فتحتها حماتها، لكن سعاد كانت أقرب منها وشافت أول سطر
لو سعاد وصلت للصندوق 17، قولي لها الحقيقة كاملة وإلا هقولها أنا.
سعاد رفعت عينيها ببطء.
هو عايز يقول لي إيه؟
حماتها قفلت الموبايل.
لكن قبل ما تجاوب، وصلتها رسالة تانية.
المرة دي كانت صورة.
الصورة كانت قديمة جدًا.
لأبو سعاد واقف قدام بيتهم
وبجانبه سعاد وهي طفلة.
وفي الخلفية كان واقف أحمد.
لكن الغريب
إن الصورة كانت متصورة قبل جواز سعاد وأحمد بسنين طويلة.
سعاد بصت للصورة، وبعدين لأحمد.
إنت كنت تعرف أبويا قبل ما نتجوز؟
أحمد سكت.
سعاد قربت منه خطوة.
أحمد إنت كنت بتروح لأبويا ليه وإنت لسه شاب؟
أحمد أخد نفس طويل.
وقال
علشان أبوكي هو اللي طلب مني أراقب حاجة من غير ما تعرفي.
سعاد اتصدمت.
تراقب إيه؟
أحمد بص لحماته.
ثم قال
العيلة كلها سعاد فضلت باصة لأحمد، ومش مصدقة اللي سمعته.
تراقب العيلة كلها؟ يعني إيه؟
أحمد أخد نفس طويل.
أبوكي كان شاكك إن فيه حد من العيلة بيحاول يستولي على أملاكك من غير ما تعرفي. طلب مني أكون قريب، وأعرف مين بيتصرف إزاي.
سعاد قالت بوجع
وعلشان كده اتجوزتني؟
أحمد هز راسه بسرعة.
لأ. أنا حبيتك واتجوزتك علشانك إنتِ. بس أبوكي طلب مني أراقب الموضوع، وأنا وافقت علشان كنت عارف إن فيه حاجة غلط.
سعاد سكتت.
كل السنين اللي فاتت بدأت ترجع قدام عينيها.
الكلام اللي كانت بتسمعه من حماتها.
تحكمها في البيت.
إصرارها إن كل حاجة تفضل تحت إيدها.
حتى موضوع بيع الشقة.
فجأة قالت
الصندوق 17.
عم حسن بص لها.
إيه؟
هنروحله دلوقتي.
وصلوا للمكان بعد نص ساعة.
كان مبنى قديم مليان مخازن، وكل باب عليه رقم.
وصلوا للباب رقم 17.
المفتاح القديم فتحه.
جوه كان فيه صندوق حديد كبير.
المحامي فتحه.
ولقوا العقد الأصلي.
ومعه مستندات تثبت إن والد سعاد كان يمتلك الجزء الأكبر من المبنى، وإنه سجّل نصيبه باسم سعاد قبل وفاته.
لكن كان فيه مستند أهم.
ورقة موقعة من كمال السيوفي.
فيها إقرار بأنه حاول نقل ملكية جزء من الممتلكات بدون موافقة والد سعاد.
المحامي ابتسم
ده الدليل اللي كنا محتاجينه.
سعاد مسكت الورقة.
يعني حقي كان محفوظ طول الوقت؟
أيوه.
عم حسن قال
وأبوك كان مخبي الأدلة لحد ما تكملي عشر سنين جواز، علشان محدش يقدر يضغط عليكي بسهولة.
سعاد دموعها نزلت.
لكنها مسحتها بسرعة.
طب حماتي؟
الكل سكت.
حماتها قربت منها وقالت
أنا غلطت لما سكت. بس أنا ما كنتش عايزة أضيع حقك.
سعاد بصتلها
أمال ليه كنتِ بتعامليني كأني خدامة؟
الست نزلت عينيها.
علشان كنت بحاول أخليكي بعيدة عن المشاكل. كنت فاكرة إن لو فضلتِ مشغولة في البيت ومش بتسألي عن الورق والفلوس، محدش هيأذيكي.
سعاد ردت
إنتِ كنتِ بتحميني بطريقة كسرتني.
حماتها بكت.
عارفة.
في اللحظة دي، أحمد قرب من سعاد.
أنا آسف إني سكت كل السنين دي.
سعاد بصت له طويلًا.
أنا مش هقدر أنسى بسهولة.
مش طالب منك تنسي.
ومش هقدر أرجع زي الأول.
أنا مستعد أصلّح اللي أقدر عليه.
سعاد ما ردتش.
كانت لأول مرة شايفة كل الناس حواليها بشكل مختلف.
مش كأهل زوجها
ولا كناس لازم ترضيهم.
لكن كأشخاص لازم يحترموها.
بعد أيام، اتعملت الإجراءات القانونية، واتثبت حق سعاد رسميًا في ممتلكات والدها.
كمال السيوفي اختفى فترة، لكن الأدلة كانت كفاية لفتح تحقيق رسمي في التصرفات المالية القديمة.
أما الشقة، فسعاد رفضت بيعها.
وقالت لحماتها
أنا مش هطرد حد من بيته. بس من النهارده، كل واحد مسؤول عن نفسه.
ولأول مرة، حماتها ما جادلتهاش.
أما سعاد نفسها، فغيّرت حياتها.
بطلت تصحى قبل الكل علشان تطبخ.
بطلت تستنى كلمة رضا من حد.
وبدأت تستخدم جزء من نصيبها في إنشاء مشروع صغير باسم والدها.
وفي يوم افتتاح المشروع، وقفت قدام صورته وقالت
اتأخرت يا بابا بس فهمت أخيرًا ليه كنت بتحاول تحميني.
وبعدها بصت لأحمد.
كان واقف بعيد، سايب لها مساحتها.
سعاد ابتسمت ابتسامة هادية.
مش لأنها نسيت كل اللي حصل
لكن لأنها أخيرًا فهمت إن كرامتها ما كانتش حاجة حد يديهالها أو يسحبها منها.
هي كانت موجودة جواها من البداية.
ومن اليوم ده، البيت اللي قضت فيه عشر سنين وهي حاسة إنها خدامة
بقى البيت اللي حطت فيه أول حجر في حياتها الجديدة.