كانت مجرد بنت

لمحة نيوز

كلها.
وانقطع الخط.
مريم فضلت ماسكة الموبايل.
وبصت للورقة.
ثم للمفتاح.
ثم قالت
أنا هفتح الباب.
سلمى حاولت تمنعها.
مريم، لأ!
لكن مريم ردت
طول عمري كل واحد بيقول لي ما تسأليش وما تعرفيش. النهارده أنا اللي هقرر.
ومشت ناحية الباب.
سامح مشي وراها.
وعند أول درجة تحت جهاز المحاكاة، لقت شيئًا لم يكن موجودًا في المرة الأولى.
علامة صغيرة محفورة في الحائط.
نسر واحد.
وتحتها جملة
لو دخلتي مش هترجعي نفس الشخص.
مريم حطت المفتاح في القفل.
لفته.
وسمعت صوت تكة معدنية.
الباب بدأ يفتح ببطء
لكن قبل ما يظهر اللي وراه، أضواء المكان كله انطفأت.
وفي الظلام
سمعت مريم صوت طفل صغير من داخل الغرفة يقول
أخيرًا جيتي يا مريم سامح فضل ساكت.
مريم قربت منه خطوة.
إنت ليه ما بتردش؟
سامح بص للشخص اللي واقف آخر الممر، وبعدها رجع بعينيه لمريم.
لأن المكان ده المفروض ما حدش يعرف عنه.
مريم قالت
بس إنت عارفه.
أيوه.
وجدّي كان عارف إنك عارفه.
سامح سكت.
مريم بدأت تربط الأحداث.
إنت مش أخو أبويا، صح؟
سامح أخد نفس طويل.
لأ.
سلمى شهقت.
كنت عارفة!
سامح بص لها.
أنا كنت هقولها.
مريم رفعت صوتها
قول إيه؟!
سامح قال
اسم سامح حسن عبد الرحمن كان اسمًا مستعارًا استخدمته عشان أقدر أوصل لجدك من غير ما حد يعرف هويتي الحقيقية.
وهويتك إيه؟
قبل ما يجاوب، الشخص اللي في نهاية الممر قال
اسأليه عن ليلة اختفاء جدك.
سامح بص له بغضب.
إنت مالكش حق تتكلم.
الرجل ابتسم.
هي من حقها تعرف.
مريم بصت لسامح.
إيه اللي حصل ليلة اختفاء جدو؟
سامح أخيرًا قال
جدك ما اختفاش.
الصمت ملأ المكان.
يعني إيه؟
هو اختار يختفي.
ليه؟
عشان يحميكي.
مريم عينيها دمعت.
يحمني من مين؟
سامح بص للشاشة المعلقة على الحائط.
من المنظمة اللي كانت بتراقب تدريبك من أول يوم.
مريم همست
المنظمة دي هي اللي أسقطت الطيارة؟
سامح هز راسه.
لأ.
أمال مين؟
الطيارة ما اتأسقطتش أصلًا.
مريم اتصدمت.
إيه؟
اللي حصل كان محاكاة حقيقية تحت ظروف طيران حقيقية، لكن من غير ما حد من الركاب يعرف. كانوا عايزين يشوفوا إذا كنتِ هتتصرفي زي ما جدك دربك.
سلمى قاطعت
وده معناه إنهم كانوا مستعدين لكل حاجة حتى لو الطيارة ما هبطتش.
مريم بصت لها.
يعني كانوا مستعدين يضحوا بالناس؟
سلمى سكتت.
وكان سكوتها أخطر من أي إجابة.
وفجأة الشاشة اشتغلت مرة تانية.
ظهر ملف جديد.
المتدربة رقم 01 مريم عبد الرحمن.
لكن تحت اسمها ظهر سطر لم يظهر قبل كده
الحالة غير مكتملة.
مريم قربت من الشاشة.
غير مكتملة ليه؟
ظهر سطر جديد
لم تتذكر المرحلة الأخيرة.
مريم رجعت خطوة.
مرحلة إيه؟
وفجأة ظهر فيديو قديم.
كانت مريم فيه طفلة، قاعدة قدام جهاز المحاكاة.
وجدها واقف جنبها.
لكن المفاجأة
إن مريم الصغيرة كانت بتقود الطائرة.
وجدها لم يكن يعلّمها.
كان يختبرها.
ثم ظهر صوت جدها في الفيديو
لو وصلتِ لليوم ده يا مريم، يبقى ذاكرتك رجعت.
مريم شهقت.
ذاكرتي؟!
الفيديو توقف.
ثم ظهرت صورة لفتاة صغيرة تشبه مريم تمامًا.
لكن الصورة كانت مؤرخة قبل ميلاد مريم بسنوات.
وتحتها اسم واحد
النسر صفر.
مريم بصت لسامح.
مين دي؟
سامح لم يرد.
فقال الرجل الموجود آخر الممر
دي الحقيقة اللي جدك قضى عمره كله بيحاول يخبيها عنك.
ثم أضاف
ومريم دي مش أول مرة تشوفيها.
مريم حدقت في الصورة.
وفجأة
افتكرت.
صرخة طفلة.
غرفة بيضاء.
جدها بيجري ناحيتها.
وبنت صغيرة واقفة قدامها وبتقول
لو نسيتيني هافكرك.
مريم حطت إيدها على رأسها.
أنا شفتها قبل كده.
سامح قال بسرعة
مريم، ما تحاوليش تفتكري أكتر!
لكن كان فات الأوان.
لأن في آخر الممر
ظهر باب تاني.
وعليه نفس العلامة
النسر صفر.
ثم اتفتح الباب لوحده.
ومن جوه خرج صوت بنت صغيرة
اتأخرتي أوي يا مريمالباب اتفتح على الآخر
ومريم دخلت.
الغرفة كانت صغيرة، وفي نصها كرسي واحد، وفوقه صندوق خشبي قديم.
على الصندوق مكتوب
إلى مريم يوم ما تكوني مستعدة.
مريم فتحته بإيد مرتعشة.
جواه كان فيه دفتر، وصورة لجدها، ومفتاح تاني.
فتحت الدفتر.
أول صفحة كان مكتوب فيها
يا مريم، لو وصلتي هنا، يبقى نجحنا نحميكي وآن الأوان تعرفي الحقيقة.
بدأت تقرأ.
جدها كان فعلًا جزءًا من برنامج سري لتدريب الطيارين على التعامل مع الكوارث الجوية، لكنه اكتشف إن البرنامج اتطور من مجرد تدريب إلى تجارب خطيرة على أشخاص حقيقيين.
ولما عرف إنهم اختاروا مريم بسبب قدرتها الاستثنائية على التعلم، أخفى كل سجلاتها، وبدأ يدربها بنفسه بعيدًا عنهم.
أما النسر صفر
فكانت مجرد أول متدربة في البرنامج، وقد اختفت سجلاتها بعد ما أوقف جد مريم المشروع.
مريم قلبت الصفحة.
لقيت رسالة أخيرة
أنا ما كنتش بخبي عنك الحقيقة عشان أخدعك كنت بخبيها عشان تعيشي حياتك طبيعية.
دموع مريم نزلت.
وفي آخر السطر
ولو حد حاول يقنعك إنك مجرد أداة افتكري إنك إنتِ اللي بتختاري مصيرك.
ساعتها فهمت.
الرحلة ما كانتش اختبارًا لمهاراتها فقط.
كانت اختبارًا لمعرفة إذا كانت هتخضع للخوف ولا هتختار بنفسها.
خرجت مريم من الغرفة.
سامح وسلمى كانوا مستنيينها.
بصت لسامح وقالت
إنت كنت بتساعد جدو طول السنين دي؟
هز رأسه.
أيوه.
وما كنتش أخو أبويا؟
ابتسم.
لأ. بس كنت واحد من الناس اللي جدك وثق فيهم.
مريم بصت لسلمى.
وإنتِ؟
قالت سلمى
أنا كنت واحدة من المتدربين القدامى. وجدك طلب مني أحميكي لو حصل أي طارئ.
مريم سكتت لحظة.
ثم ابتسمت.
يبقى أخيرًا فهمت.
فهمتي إيه؟
إن جدو ما كانش بيجهزني عشان أطير طيارة.
بصت للسماء من زجاج المطار.
كان بيجهزني عشان أقدر أواجه أي حاجة تحصل من غير ما أفقد نفسي.
وبعد أيام، اتقفلت كل الملفات المتعلقة بالتجربة، وتم التحقيق مع المسؤولين عنها، وتوقفت المنظمة عن استخدام المدنيين في أي اختبارات.
أما مريم
فرجعت لمدرستها.
لكنها ما نسيتش اللي حصل.
وبعد سنوات، دخلت كلية الطيران رسميًا، وبدأت تدريبها الحقيقي، وحصلت على رخصتها بكل استحقاق.
وفي أول رحلة قادتها كطيارة رسمية، وقبل الإقلاع بدقائق، فتحت الدفتر القديم اللي تركه جدها.
في آخر صفحة كانت جملة واحدة لم تكن قد لاحظتها من قبل
النسر واحد مهمته خلصت يوم ما بقيتي إنتِ اللي بتختاري اتجاهك.
مريم ابتسمت، قفلت الدفتر، وحطته جنبها.
ثم رفعت السماعة وقالت بثقة
هنا مريم عبد الرحمن جاهزين للإقلاع.
وبصت من نافذة الطائرة.
لأول مرة
ما كانتش حفيدة اللواء حسن عبد الرحمن.
ولا المتدربة رقم 01.
كانت فقط
مريم.
والسماء قدامها كانت مفتوحة.

تم نسخ الرابط