ابني عنده 13سنه

لمحة نيوز

درج صغير تحت الترابيزة وأخرج ظرفًا أبيض.
قال
ده وصلني من أبو كريم قبل وفاته بأيام.
ناولني الظرف.
كان مكتوب عليه بخط زوجي
لمنى فقط... لو كريم وصل للحقيقة، افتحي الظرف ده.
إيدي ارتعشت وأنا بمدها ناحية الظرف.
لكن قبل ما أفتحه، سمعت صوت الراجل الغريب
استني.
رفعت عيني له.
قال
لو فتحتيه دلوقتي، حياتك مش هترجع زي الأول.
نظرت للظرف، ثم لكريم.
وقلت
بعد كل اللي حصل... أنا لازم أعرف.
فتحت الظرف ببطء.
وأول ما وقعت عيني على أول سطر، حسيت إن قلبي وقف...
لأن الرسالة بدأت بكلمة واحدة
منى... كريم مش ابنك الوحيد أول ما شفت الشخص اللي واقف جنب كريم، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
كان صاحب المطعم، واقف وشه متوتر، وفي إيده ظرف بني كبير.
بصيت لكريم وقلت بصوت مرتعش
مين ده يا كريم؟
كريم ما ردش.
فضل باصص للأرض، ودموعه نازلة من غير ما يحاول يمسحها.
قربت منه بسرعة ومسكته من كتفه
بصلي يا ابني... إنت كنت بتعمل إيه هنا طول الست شهور؟
رفع عينه ليا، وقال بصوت مكسور
أنا آسف يا ماما.
الكلمة دي خوفتني أكتر من أي إجابة.
بصيت لصاحب المطعم وقلت
أنا عايزة أفهم كل حاجة.
تنهد وقال
والله يا مدام منى، أنا حاولت أكلمك من بدري، بس كريم كان بيترجاني ما أقولكيش.
بصيت لكريم
ليه؟
سكت.
صاحب المطعم حط الظرف على الترابيزة، وبعدين أشار للفلوس
دي مش كل فلوس كريم.
اتجمدت مكاني.
يعني إيه؟
قال
كل أسبوع كان بياخد مرتبه، ويقسمه تلات أجزاء.
قربت من الترابيزة وقلت
تلات أجزاء؟
هز رأسه.
جزء صغير كان بيخبيه في البيت... وجزء كان بيديه لشخص تاني... والجزء التالت كان بيحطه في ظرف عندي.
بصيت لكريم وأنا مش مصدقة
وإنت بتدي فلوسك لمين؟
كريم بدأ يعيط.
ماما أنا كنت خايف أقولك.
خايف من إيه؟
قبل ما يرد، سمعت صوت من ورايا
مني...
لفيت.
وكانت الصدمة.
الشخص اللي واقف عند باب المطعم كان حد أعرفه كويس جدًا.
حد مستحيل أتخيل في يوم إنه يكون له علاقة بكل اللي حصل.
بصيتله وأنا مش قادرة أتكلم.
هو قرب خطوة وقال
كريم كان بيحاول يساعدني.
صرخت
يساعدك في إيه؟!
كريم وقف فجأة بيني وبينه وقال
ماما كفاية!
بصيت لابني، ولأول مرة شفت في عينيه خوف حقيقي.
مش خوف من إني أعرف إنه اشتغل.
كان خوف من حاجة أكبر.
حاجة مخبيها عني من ست شهور.
صاحب المطعم قرب مني وقال بهدوء
مدام منى، قبل ما تحكمي على كريم، لازم تعرفي هو كان بيعمل كده ليه.
قلت
قول.
بص لكريم، وبعدين رجع بصلي.
ابنك ما كانش بيوفر فلوس عشان العجلة...
سكت لحظة.
كان بيوفرها عشان يمنع كارثة تحصل في البيت.
حسيت ببرودة في إيدي.
كارثة إيه؟
كريم رفع رأسه، ومسح دموعه، وقال
ماما... أنا كنت بحاول أرجع حاجة تخص بابا.
اتنفست بصعوبة.
تخص أبوك؟
هز رأسه.
حاجة لو عرفتي إنها راحت، عمرك ما هتسامحيني.
مد إيده ناحية الشنطة، وطلع منها مفتاح صغير.
حطه قدامي على الترابيزة.
والمفتاح ده هو السبب إني كدبت عليكي كل الفترة دي.
بصيت للمفتاح.
وكان عليه رقم مكتوب بخط أبيض
17
لكن قبل ما أسأله مفتاح إيه، صاحب المطعم قال جملة خلتني أحس إن الحكاية دخلت في طريق أخطر
المفتاح ده بيفتح مكان ابنك راح له لوحده أكتر من مرة... والمرة الأخيرة اللي راح فيها، ما رجعش لوحده.
بصيت لكريم بسرعة.
مين كان معاك؟
كريم سكت.
وبعدين بص للشخص الواقف عند الباب.
وقال
هو.
وساعتها فهمت إن الست شهور اللي فاتوا كانوا مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير مما كنت متخيلة...حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
يعني إيه كريم ما كانش لوحده؟
الراجل بص لكريم، وبعدها بصلي.
يعني يوم ولادته، كان فيه طفل تاني.
قلت بسرعة
فين الطفل ده؟
سكت.
صرخت
فين ابني؟!
كريم بدأ يعيط
ماما أنا كنت فاكر إن الطفل التاني مات...
بصيت له في ذهول.
إنت عرفت الكلام ده منين؟
قال
من الدفتر.
أخذت الكراسة منه بسرعة وبدأت أقلب الصفحات.
بين الأوراق لقيت صورة صغيرة جدًا.
صورة لرضيعين ملفوفين في بطانيتين متشابهتين.
وراء الصورة كان مكتوب تاريخ ميلادي.
وبجانبه كلمتين
كريم وأخوه.
إيدي ارتعشت.
أنا عمري ما شفت الصورة دي!
الرجل قال
لأن أبو كريم أخفاها.
ليه؟
قبل ما يرد، كريم قال
عشان أخويا اختفى بعد الولادة.
سكتُّ.
اختفى إزاي؟
قال
بابا كان بيقول إن الموضوع كان حادث، لكني لما كبرت فهمت إن فيه حاجة غلط.
قربت منه
وإنت بدأت تدور عليه؟
هز رأسه.
من سنة تقريبًا.
وعرفت إيه؟
فتح الشنطة وأخرج ورقة أخرى.
عرفت إن أخويا عاش.
حسيت إن نفسي انقطع.
عاش؟
أيوه.
وفين هو دلوقتي؟
كريم بص للراجل الغريب.
الراجل قال
هنا تبدأ المشكلة.
مشكلة إيه؟
قال
لأن الشخص اللي أخد الطفل زمان، ما كانش غريب عن العيلة.
اتجمدت.
مين؟
قبل ما يجاوب، رن تليفوني مرة تانية.
نفس الرقم المجهول.
المرة دي كان فيه تسجيل صوتي.
ضغطت تشغيل.
وجالي صوت رجل كبير في السن
لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى كريم عرف إن أخوه لسه موجود.
بصيت لكريم.
الصوت تابع
لكن ما تدوريش عليه في المكان اللي فاكرة إنه فيه... لأن الشخص اللي رباه طول السنين دي أقرب ليكي مما تتخيلي.
انتهى التسجيل.
سكتنا كلنا.
وبعدين كريم قال
ماما... أنا عارف مين الشخص ده.
مين؟
رفع عينه ليا.
الشخص اللي ربى أخويا... هو نفس الشخص اللي أنا كنت بروحله كل أسبوع.
قلبي دق بعنف.
يعني إيه؟
قال
أنا ما كنتش بديه الفلوس.
أمال؟
كنت بدفع له عشان يخليني أشوف أخويا.
وقفت مشلولة من الصدمة.
شوفته؟
هز رأسه.
أيوه.
فين؟
قال جملة واحدة جعلتني أنسى كل حاجة حولي
أخويا عايش في البيت اللي إحنا ساكنين فيه من تلات سنين...فضلت ماسكة الورقة ومش قادرة أرفع عيني من عليها.
كريم مش ابني الوحيد؟
الكلمة خرجت مني بصعوبة.
كريم كان واقف ساكت، لكن ملامحه كانت بتقول إنه هو نفسه مش عارف الحقيقة كاملة.
بصيت للشخص الغريب
إنت كنت عارف؟
قال
كنت عارف إن فيه سر، لكن مش كل تفاصيله.
رجعت للرسالة وبدأت أقرأ.
منى، لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى كريم وصل للمكان اللي كنت خايف يوصل له. قبل ما تسألي مين ابنك التاني، لازم تعرفي إن الموضوع بدأ قبل ولادة كريم بسنين...
وقفت عن القراءة.
بصيت لكريم.
إنت كنت بتدور على الرسالة دي؟
هز رأسه.
أيوه.
وإنت عرفت منين إنها موجودة؟
قال
من دفتر بابا.
دفتر إيه؟
مد إيده لشنطته وأخرج كراسة صغيرة، غلافها متآكل.
حطها قدامي.
دي كانت مخبية في الدولاب القديم.
فتحتها.
صفحات كتير كانت مليانة أرقام وأسماء وتواريخ.
لكن في آخر صفحة كان فيه سطر واحد بس
لو حصل لي حاجة، خلي كريم يعرف إن المفتاح مش للفلوس... المفتاح للحقيقة.
بصيت للمفتاح اللي قدامي.
وفجأة فهمت ليه كريم كان بيجمع فلوس.
هو ما كانش بيشتري عجلة.
كان بيحاول يدفع تكاليف الوصول للمكان اللي أبوه ساب فيه السر.
قلتله
بس ليه ما قلتليش؟
بكى وقال
عشان كل مرة كنت أقولك، كنت بحس إنك هتمنعيني.
قربت منه وحضنته.
كنت همنعك من تعريض نفسك للخطر... مش من معرفة الحقيقة.
صاحب المطعم تنحنح وقال
لسه فيه حاجة أهم.
بصيت له.
إيه؟
أشار للكراسة.
بصي على الاسم اللي في آخر صفحة.
فتحت الصفحة الأخيرة.
وكان مكتوب اسم شخص.
قرأته مرة.
ومرة تانية.
وبعدين حسيت إن الدم انسحب من وشي.
الاسم كان اسم واحدة أعرفها.
واحدة دخلت بيتنا بعد وفاة جوزي بفترة قصيرة، وكانت دايمًا بتسأل عن أخباره وأوراقه.
قلت
مستحيل.
الراجل الغريب قال
للأسف، الاسم ده هو اللي خلّى كريم يصدق إن فيه حد كان بيتابع الموضوع من سنين.
كريم قال
وأنا شفتها قدام المخزن.
بصيت له بسرعة
إنت شفت مين؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت رسالة وصلت على تليفوني.
فتحتها.
رقم مجهول.
وكانت الرسالة قصيرة جدًا
لو عايزة تعرفي مين ابنك التاني... روحي البيت القديم قبل الساعة عشرة.
تحت الرسالة كان فيه صورة.
صورة قديمة ليا وأنا حامل.
لكن الصورة ما كانتش لوحدها.
كان واقف جنبي شخص أنا متأكدة إني ما شفتوش في حياتي...
ومع ذلك، كان ماسك طفل رضيع.
والأغرب من كل ده إن الطفل كان لابس نفس السلسلة الصغيرة اللي كريم لابسها من يوم ما اتولد.
رفعت عيني لكريم.
السلسلة دي... مين اداها لك؟
قال
بابا.
وفجأة الشخص الغريب قال
لأ.
سكت الجميع.
وأضاف
السلسلة دي كانت مع الطفلين.
نظرت له بذهول.
الطفلين؟
هز رأسه ببطء.
أيوه... لأن كريم ما كانش لوحده يوم اتولد رجعت خطوة لورا، وحسيت إن صوتي اختفى.
إنت...؟!
الراجل واقف قدامي كان هو فعلًا.
زوجي.
نفس الملامح، نفس الصوت، حتى العلامة الصغيرة جنب عينه اللي كنت بحفظها من سنين.
لكن أنا حضرت جنازته.
أنا بنفسي شفت كل الإجراءات، وعشت تلات سنين كاملة وأنا مقتنعة إنه مات.
صرخت
إنت عايش؟!
رفع إيده وقال
اهدي يا منى.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
أهدى؟! بعد تلات سنين؟! بعد ما ربيت ابنك لوحدي؟!
كريم كان واقف في الركن، وشه مليان دموع.
بصيت له
إنت كنت عارف إن أبوك عايش؟
هز رأسه.
من كام شهر.
وكنت بتقابله؟
أيوه.
حطيت إيدي على قلبي.
عشان كده كنت بتكدب عليا.
كريم انهار في العياط
أنا آسف يا ماما... بس بابا خلاني أوعده إني ما أقولكيش قبل ما نلاقي الحقيقة.
لفيت ناحية زوجي.
أي حقيقة؟!
بص للطفل الواقف في الباب.
وبعدين قال
الحقيقة إن الطفل ده مش غريب عنك.
قلت
عرفت.
سكت لحظة، ثم قال
لكن اللي مش عارفاه إن اختفاءه
تم نسخ الرابط