في سن واحد وسبعين سنه
في سن واحد وسبعين سنة، كسبت 89 مليون جنيه... ولا قلت لحد.
ولا ابني حتى.
لحد ما في يوم بصلي وقال بمنتهى البرود
يا أمي، إنتِ ناوية تفضلي عندنا لحد إمتى؟ إمتى بقى هتنقلي وتعيشي لوحدك؟
ما اتخانقتش.
ما عيطتش.
ولا حتى سألته أنا عملت لك إيه؟
قمت بهدوء ومشيت.
وتاني يوم، الساعة 7 ونص الصبح بالظبط، اشتريت البيت اللي ابني وزوجته كانوا طول عمرهم بيحلموا يعيشوا فيه...
باسم عيلتي القديم.
الاسم اللي هما أصلًا ما كلفوش نفسهم يفتكروه.
ابني كريم زق الكرسي لورا وبصلي بصّة كأني فاتورة بقاله كتير بيدفعها ومبقاش طايق يشوفها.
كانت الساعة 6 و دقيقة المغرب.
كنت بمرر سلة العيش على السفرة لما سألني السؤال اللي وجعني أكتر من أي إهانة سمعتها في حياتي.
الفراخ المشوية كانت بتبرد جنب البطاطس المهروسة، والفاصوليا الخضرا ريحتها مالية السفرة بالثوم.
مراته منى كانت باصة في طبقها.
وحفيدَيَّ الاتنين وقفوا أكل وبصوا في وشي.
أنا اسمي سعاد عبدالسلام، وعندي واحد وسبعين سنة.
من سنتين، جوزي حسن مات في إسكندرية.
بعد وفاته، كريم أصر إني ما أعيش لوحدي.
قال لي وقتها
يا أمي، تعالي اقعدي معانا شوية. لحد ما تبقي أحسن.
صدّقته.
بعت شقتي القديمة.
الشقة اللي كان فيها مطبخ أصفر، وممر أرضيته بتزيق، وبلكونة صغيرة كنت بزرع فيها الورد، والبلكونة اللي كان حسن بيقعد فيها كل يوم الصبح يشرب الشاي.
وبعدها نقلت أعيش مع كريم ومنى في بيتهم في التجمع.
سنتين كاملين وأنا شايلة البيت على كتفي.
كنت بطوي الهدوم.
أجهز سندوتشات المدرسة.
أمضي ورق الحضانة والمدرسة.
أوصل أحفادي للتمرين ولدرس البيانو.
حتى حفظت منى بتحب تعمل البيض في أنهي طاسة، وكريم بيحب يلاقي أنهي مج في مكانه جنب ماكينة القهوة.
كنت بديهم وقتي...
ومجهودي...
وسكوتي.
وهم، واحدة واحدة، اتعاملوا مع كل ده كأنه ولا حاجة.
في يوم حد، حطوا ورقة صغيرة جنب ماكينة القهوة بدل ما يعزموني معاهم على الفطار بره.
وفي مرة تانية، سمعت منى بتتكلم من ورا باب أوضتها.
قالت
هي بتاكل من أكلنا، وبتستهلك كهربا ومية، وعايشة معانا... طب هي بتعمل إيه يعني؟
استنيت كريم يقول لها كلمة.
يدافع عني.
يقول لها دي أمي.
لكنه ما قالش حاجة.
ولا حتى مرة.
وعشان كده، لما ابني في الليلة دي سألني إمتى هسيب البيت وأشوف لي مكان تاني، بصيت لحفيديَّ.
وفهمت إنهم هما كمان سامعين.
في اللحظة دي، كان ممكن أقول لهم الحقيقة.
كان ممكن أقول لهم إني من كام شهر، بعد ما خلصت مشوار التأمين الصحي، دخلت بنزينة واشتريت تذكرة يانصيب من باب الفضول.
ويوم الاتنين، الساعة 9 و دقيقة الصبح، كنت قاعدة قدام كباية الشاي بتاعتي وهي بردت، وبراجع الأرقام.
الأرقام كلها طلعت صح.
89 مليون جنيه.
أنا ما صرختش.
ما عيطتش.
ولا حتى صدقت في الأول.
طويت التذكرة وحطيتها جوه المصحف بتاعي، بين سورة ياسين وورقة قديمة كان حسن محتفظ بيها من الجامع.
ومن ساعتها...
ولا نفس واحد عرف.
وفي الليلة دي، قدام كريم، ما قلتش أي حاجة.
حطيت سلة العيش على السفرة.
طبقت الفوطة بهدوء.
وقلت
عن إذنكم.
ومشيت.
خرجت على البلكونة.
ولا واحد فيهم جه ورايا.
الساعة 2 و دقيقة بعد نص الليل، فتحت كراسة قديمة وكتبت خمس حاجات
أسكت.
أجيب محامي.
أستلم الفلوس في سرية.
أفصل فلوسي وممتلكاتي عن أي حد.
وألاقي بيت.
مش أوضة.
مش مكان أنام فيه.
بيت.
قبل الفجر، استحميت، لبست الجاكيت الرمادي اللي كنت بلبسه وأنا بروح الكنيسة؟ لا.
الجاكيت الأسود اللي كنت بلبسه في المناسبات والعزايم، ونزلت ورجعت أقعد على نفس السفرة اللي ابني من كام ساعة قرر فيها إني بقيت عبء عليه.
الساعة 7 ونص الصبح، كنت حجزت مع تلات محامين متخصصين في إدارة الثروات والميراث.
وكل الحجوزات كانت باسم عيلتي القديم.
منى نزلت السلم بكعبها.
بصت على اللابتوب.
وبعدين بصت على وشي.
كانت متوقعة تلاقيني منهارة.
تعيط.
تشتكي.
تترجاهم.
لكنها لقتني قاعدة مستقيمة...
وشغالة.
المحامية نادية منصور سألتني أول سؤال
حضرتك حكيتي لحد؟
بصيت لها وقلت
ولا نفس.
ابتسمت وقالت
ممتاز. وخليها كده.
خلال الأيام اللي بعدها، كل حاجة اتعملت في هدوء.
اتعمل صندوق ائتماني.
اتجهزت إجراءات استلام المبلغ بشكل سري.
واتفصلت كل حساباتي وتصرفاتي المالية.
كريم مش هيقدر يحط إيده على جنيه واحد لمجرد إنه ابني.
بعدها بدأت أدور على البيت.
وأخيرًا لقيته.
أربع أوض نوم.
أوضة كبيرة الشمس بتدخلها من الصبح.
جنينة بجد.
شارع هادي.
شجر كبير عامل ضل.
وبلكونة واسعة تكفيني أنا وكوباية الشاي بتاعتي وقت الفجر.
كان بالظبط البيت اللي كريم ومنى كانوا طول الوقت بيتكلموا عنه.
عايزين منطقة أرقى.
عايزين مساحة أكبر.
عايزين بيت له قيمة.
عايزين نعيش عيشة تليق بينا.
نفس البيت اللي كانوا بيحلموا بيه.
دخلته لوحدي الساعة 10 و دقايق الصبح.
في المطبخ كانت فيه مفتاح نحاس صغير خاص بالبيت.
مسكته بين صباعين.
وفجأة افتكرت أنا مين...
قبل ما الحزن يخليني أستأذن عشان آخد نفسي.
تاني يوم الصبح، قدمت عرض شراء كامل نقدًا.
عن طريق الصندوق الائتماني.
من غير كريم.
من غير منى.
ومن غير ما أشرح لأي حد أنا بعمل إيه.
وقبل ما الأسبوع يخلص، حاجة غريبة حصلت.
معاملة كريم اتغيرت.
منى بقت تحطلي الفطار من غير ما أطلب.
كريم بقى يسألني
محتاجة حاجة من السوبر ماركت يا أمي؟
وفجأة...
بقوا يقولوا للأولاد
اقعدوا مع جدتكم أكتر.
خليكم جنبها.
جدتكم محتاجاكم.
يا سلام.
دلوقتي افتكروا إني جدتهم.
السبت، الساعة 8 و دقيقة الصبح، منى دخلت أوضتي من غير ما تخبط.
عينها راحت على طول لظرف موجود فوق التسريحة.
وتحت المصحف بتاعي كان باين طرف مفتاح النحاس.
بصتلي وقالت
إنتِ اشتريتي بيت؟
حطيت إيدي فوق المفتاح.
وقبل ما أرد...
جرس الباب رن.
كريم نزل السلم حافي، ومنى فضلت واقفة عند باب أوضتي.
فتحت الباب.
كان واقف على العتبة راجل لابس بدلة شيك، وفي إيده ملف كبير.
بص لمنى مباشرة.
وبعدين رفع الملف قدامها.
وكان مكتوب عليه اسمها هي...
منى عبدالعزيز.
ساعتها وشها اتغير.
والراجل قال
مدام منى؟ لازم حضرتك تشوفي الورق ده بنفسك.
أما أنا...
فضلت واقفة ورا الباب، وإيدي على مفتاح النحاس.
لأني كنت عارفة إن اللي في الملف ده...
هو السبب الحقيقي اللي خلاني أشتري البيت كله.
واللي هيقلب حياة ابني ومراته رأسًا على عقب.
اكتب تم وهكمل لكِ باقي الحكاية.
الراجل مدّ الملف ناحية منى، وقال بهدوء
ده مش مجرد ورق عقار يا مدام منى... ده مستندات تخص ملكية قديمة.
منى قربت خطوة، وإيديها بدأت ترتعش.
قالت
ملكية إيه؟
الراجل بص في الملف، وبعدين بص لها
ملكية البيت اللي حضرتك عايشة فيه دلوقتي.
سكتت منى تمامًا.
كريم كان نازل آخر السلم، لكنه وقف مكانه أول ما سمع الجملة.
قال
إيه الكلام ده؟
الراجل فتح الملف وقال
قبل ما نكمل، لازم أوضح إن البيت ده كان داخل في نزاع قانوني من سنين. وفيه طرف تاني عنده مستندات تثبت إن جزء من الملكية ما انتقلش بالطريقة اللي أنتم فاكرينها.
كريم قرب منه بسرعة.
يعني إيه؟ البيت بتاعنا.
الراجل رد
أنا ما قلتش إنه مش بتاعكم. أنا بقول إن فيه حاجة أنتم ما تعرفوهاش.
منى بصت ناحيتي.
وأول مرة من يوم ما دخلت بيتهم، شفت في عينيها خوف حقيقي.
قالت
سعاد... إنتِ تعرفي الراجل ده؟
ما رديتش.
كريم بصلي
ماما، إنتِ اللي بعتي له؟
قلت بهدوء
أنا ما بعتش لحد.
الراجل قفل الملف.
وقال
الحقيقة إن أنا اللي طلبت أقابل مدام سعاد.
كريم اتجمد.
ليه؟
الراجل بص له، وقال
لأن والدتك هي صاحبة المصلحة الأساسية في الموضوع.
ساعتها كريم لف ناحيتي ببطء.
وكأنه لأول مرة في حياته بيحاول يفهم أنا كنت بعمل إيه طول السنتين اللي فاتوا.
دخلت أوضتي.
قفلت الباب.
فتحت درج صغير تحت الدولاب، وطلعت منه ظرف بني قديم.
جواه صورة لحسن.
وصورة تانية...
لبيت قديم جدًا.
وعلى ضهر الصورة كان مكتوب بخط إيدي
اليوم اللي حسن قال لي فيه مهما حصل، البيت ده ما يروحش من العيلة.
حطيت الصورة على المكتب.
لكن قبل ما أفتح الظرف...
سمعت خبط شديد على الباب.
كان كريم.
ماما... افتحي.
سكت.
قال بصوت مختلف تمامًا
لو سمحتي افتحي. أنا عايز أفهم.
فتحت الباب.
كان واقف قدامي ووشه متوتر.
قال
إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده من إمتى؟
بصيت له وقلت
من يوم ما فهمت إن الإنسان ممكن يعيش وسط أهله... وبرضه يحس إنه غريب.
خفض عينيه.
وبعد ثواني قال
أنا آسف.
لكن الاعتذار جه متأخر.
لأن في نفس اللحظة، رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت رجل كبير في السن
مدام سعاد؟
قلت
أيوه.
قال
أنا لازم أقابلك قبل ما تسلمي الملف للمحامية.
قلبي دق بسرعة.
إنت مين؟
سكت ثانيتين.
وبعدين قال جملة خلت إيدي تبرد
أنا الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة الكاملة عن ال مليون... وعن حسن.
وقفل.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أتكلم.
لأن حسن...
كان مات من سنتين.
ومفيش حد، غيري، المفروض يعرف كل تفاصيل الفلوس.
خرجت من الأوضة وأنا ماسكة الظرف.
لكن قبل ما أوصل للصالة، سمعت منى بتتكلم في التليفون من المطبخ.
وكانت بتقول
أيوه... هي فعلًا اشترت البيت.
سكتت شوية.
ثم قالت بصوت منخفض
بس لسه ما عرفتِش أهم حاجة.
وقفت مكاني.
منى كانت بتتكلم عني...
مع مين؟
وليه قالت
لسه ما عرفتِش أهم حاجة؟
وقبل ما أتحرك، سمعتها تقول
لو الملف وصل لها، كل حاجة هتخلص.
ساعتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد بيت...
وإن الشخص اللي لازم أخاف منه مش كريم.
ولا حتى منى.
لأن حد تاني كان بيلعب من ورا الستار...
وكان مستني اللحظة اللي يعرف فيها أنا استلمت ال مليون فعلًا مدّت منى إيدها للملف، لكن الراجل سحبه قبل ما تلمسه.
قال
مش هنا.
منى بصت له باستغراب
أمال فين؟
رد
في مكان محدش يقدر يسمعنا فيه.
كريم نزل آخر درجة، وصوته بقى حاد
محدش هيتحرك من هنا قبل ما أفهم إيه اللي بيحصل.
الراجل بص له للحظات، وبعدين قال
حضرتك كريم عبدالسلام؟
كريم اتوتر.
أيوه.
فتح الراجل الملف، وطلع منه ورقة واحدة.
يبقى المفروض الورقة دي تكون عندك من زمان.
مدها له.
كريم خدها.
قرأ أول سطر...
وشه اتغير.
قرأ السطر التاني...
وإيده بدأت ترتعش.
قال بصوت منخفض
ده... مستحيل.
منى قربت منه
إيه؟
كريم ما ردش.
خطف الورقة وحاول يخبيها وراه.
لكن منى كانت أسرع.
شدتها منه.
وأول ما قرأت الاسم المكتوب في أسفل الصفحة، شهقت
حسن؟!
أنا كنت واقفة بعيد.
ولأول مرة، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
الراجل بصلي وقال
أيوه... جوز حضرتك كان سايب رسالة قبل وفاته.
قلت
رسالة؟
هز راسه.
رسالة مش مكتوبة بإيده بس... متسجلة رسميًا.
قربت منه.
وإيه اللي فيها؟
بص ناحية كريم ومنى.
وبعدين قال
كان عارف إن في يوم هتوصلك فلوس كتير.
قلبي اتقبض.
كريم رفع عينيه ناحيتي.
بابا كان عارف؟
الراجل قال
وكان عامل حسابه إن الفلوس دي ممكن تغيّر الناس اللي حواليكي.
منى رجعت خطوة.
يعني إيه؟
الراجل فتح الملف مرة تانية.
طلع صورة قديمة لحسن، واقف قدام مبنى كبير.
وخلف الصورة كان فيه تاريخ...
قبل وفاته بشهور.
قال
حسن ما كانش بيشتغل بالشكل اللي أنتم فاكرينه.
سكت.
وبعدين أضاف
وكان عنده سبب يخليه يخبي عنكم جزء كبير من حياته المالية.
كريم قال بعصبية
أبويا كان مديون!
الراجل رد
لا.
أمال كان إيه؟
كان بيحاول يحمي والدتك.
ساعتها حسيت إن كل حاجة حواليا سكتت.
بصيت للصورة.
وبعدين للملف.
وسألت
يحميّني من مين؟
الراجل ما جاوبش.
بدلًا من كده، أخرج ظرف أبيض صغير.
وعليه اسمي.
سعاد عبدالسلام.
وفي أسفل الظرف، كان مكتوب
يُفتح فقط بعد أن تعرف سعاد قيمة ما تركته لها.
مدهولي.
مسكته بإيد مرتعشة.
لكن قبل ما أفتحه...
رن هاتف الراجل.
بص للشاشة.
اتغيرت ملامحه.
قال
لازم أمشي دلوقتي.
قلت
استنى!
لكنه اتحرك ناحية الباب.
كريم جري وراه
مين اتصل؟
الراجل وقف.
وبص لكريم.
وقال
الشخص اللي اتصل... هو نفس الشخص اللي كان بيتابع حسابات والدك قبل وفاته.
وبعدين خرج.
وقفت في نص الصالة والظرف في إيدي.
منى كانت ساكتة.
وكريم واقف مكانه.
فتحت الظرف ببطء.
طلعت منه ورقة واحدة.
وكان أول سطر فيها
سعاد... لو وصلتي للورقة دي، يبقى الفلوس ظهرت، والناس بدأت تتغير.
نفسي اتقطع.
كملت القراءة.
لكن ال مليون مش كل اللي سبتُه لكِ.
توقفت.
بصيت للسطر اللي بعده.
وكان فيه عنوان مكان...
مكان عمري كله ما سمعته من حسن.
مكان موجود في مدينة تانية.
وتحته جملة قصيرة
روحي هناك لوحدك...